اليابان بين مطرقة التاريخ وسندان المحاور
د. زياد منصور
وجهت موسكو تحذيراً شديد اللهجة إلى طوكيو، داعيةً اليابان إلى التخلي عن مسارها الحالي المتمثل في “إعادة التسلح السريع”. وصرحت وزارة الخارجية الروسية بأن على اليابان استخلاص الدروس من التاريخ والالتزام بدستورها السلمي لتجنب تكرار أخطاء الماضي.
وأدلت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بعدة تصريحات بهذا الشأن، قالت فيها إن اليابان تتخذ “خطوات متلاحقة نحو إعادة التسلح”، تشمل شراء أسلحة هجومية، مثل صواريخ كروز، والتي لا يمكن تصنيفها كأسلحة دفاعية.
كما حثت روسيا اليابان على استخلاص العبر من التاريخ والتمسك بالمبادئ السلمية لدستورها لتفادي تكرار أخطاء الماضي. وأكدت زاخاروفا أن سياسة اليابان الحالية لها “تأثير سلبي للغاية على الاستقرار الإقليمي والعالمي”.
يشكّل التحذير الروسي الأخير لليابان أكثر من مجرد موقف دبلوماسي عابر، إذ يعكس في جوهره صداماً متجدداً حول هوية اليابان الاستراتيجية وموقعها في النظام الأمني الآسيوي. فموسكو، عبر تصريحات ماريا زاخاروفا، لا تعترض فقط على شراء طوكيو لصواريخ كروز أو على تسارع وتيرة تحديثها العسكري، بل ترى أن اليابان تغادر عملياً الإطار الذي رسمه لها دستور ما بعد الحرب، ولا سيما المادة التاسعة التي كرّست صورتها كدولة “سلمية” خالية من النزعة الهجومية والعسكرية. ومن هنا جاء الإلحاح الروسي على “دروس التاريخ”، لأن موسكو تريد أن تقدم إعادة تسلح اليابان بوصفها عودة مقلقة لقوة كانت في الماضي خصماً إمبراطورياً خطيراً في الشرق الأقصى، لا مجرد استجابة دفاعية لبيئة أمنية متوترة. ولهذا، فإن التصعيد الروسي يرتبط مباشرة بما يمكن تسميته “عقيدة تاكايتشي”، أي الاتجاه الياباني الجديد الذي يدفع نحو الانتقال من مفهوم الدفاع السلبي إلى مفهوم الردع النشط والقدرة على الضربات المضادة بالتنسيق العضوي مع الولايات المتحدة.
“عقيدة تاكايتشي”: من دولة مقيدة بالدستور إلى قوة ردع نشطة متعددة الأبعاد
تشير “عقيدة تاكايتشي” إلى التحول النوعي في التفكير الأمني الياباني، والذي يقوم على إعادة تفسير- إن لم يكن تجاوز-القيود التي فرضتها المادة التاسعة من دستور 1947. فبدلاً من الفهم التقليدي الذي حصر دور اليابان في “الدفاع الذاتي البحت”، تقوم هذه العقيدة على توسيع مفهوم الدفاع ليشمل الردع الاستباقي والضربات المضادة ضد مصادر التهديد. هذا لا يعني إعلاناً صريحاً بإلغاء الدستور السلمي، بل اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على: إعادة تفسير النصوص القانونية بدل تعديلها المباشر، توسيع صلاحيات قوات الدفاع الذاتي، شرعنة استخدام القوة خارج الحدود في حالات “الدفاع الجماعي”. وبذلك تتحول اليابان من دولة “مقيدة قانونياً” إلى دولة مرنة استراتيجياً دون كلفة سياسية داخلية عالية. تعتمد هذه العقيدة على إعادة بناء القدرات العسكرية اليابانية وفق ثلاثة محاور رئيسية: قدرات الضربات المضادة، بمعنى امتلاك صواريخ بعيدة المدى (مثل توماهوك) يتيح لليابان استهداف منصات الإطلاق المعادية، ما يعني عملياً الانتقال من رد الفعل إلى الردع النشط. التكامل مع المنظومة الأمريكية، أي لم تعد اليابان مجرد مستضيف للقواعد الأمريكية، بل أصبحت جزءاً من شبكة القيادة والسيطرة والاستخبارات)، ما يمنحها دوراً عملياتياً في أي نزاع إقليمي. عسكرة المجالات الجديدة والمقصود توسع كبير في مجالات الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي والحرب الإلكترونية، بما يعكس فهماً حديثاً لطبيعة الحروب المعاصرة. هذا التحول يجعل اليابان قادرة، لأول مرة منذ 1945، على التأثير المباشر في موازين القوى العسكرية وليس فقط حمايتها.
وتتجلى آثار “عقيدة تاكايتشي” بشكل واضح في إعادة تعريف الدور الياباني داخل الأزمات الإقليمية: تايوان: تتحول اليابان إلى خط دفاع أول ضمن استراتيجية احتواء الصين، مع استعداد متزايد لدعم العمليات الأمريكية في حال نشوب نزاع. شبه الجزيرة الكورية: توظيف التهديد الكوري الشمالي لتبرير تطوير أنظمة دفاع صاروخي متقدمة، والتي تندمج عملياً مع البنية العسكرية الأمريكية. بحر الصين الشرقي (سينكاكو): تعزيز الوجود العسكري الياباني في المناطق المتنازع عليها مع الصين، بما يرفع احتمالات الاحتكاك المباشر. بهذا المعنى، لم تعد اليابان “مراقباً أمنياً”، بل أصبحت فاعلًا مركزياً في إدارة الأزمات الإقليمية. لا تقتصر هذه العقيدة على الإطار الآسيوي، بل تمتد إلى إعادة تعريف دور اليابان عالمياً: المشاركة في حماية خطوط الملاحة الدولية، بما في ذلك مضيق هرمز، الانخراط في عمليات الأمن البحري متعددة الجنسيات، ربط الأمن الياباني بأمن الطاقة والتجارة العالمية. وهذا يمثل تحولاً جذرياً من “قوة اقتصادية سلمية” إلى مزود أمني للنظام الدولي الليبرالي. تثير “عقيدة تاكايتشي” قلقاً عميقاً لدى روسيا والصين لعدة أسباب: إعادة إحياء دور عسكري ياباني تاريخي: الذاكرة التاريخية تجعل أي تحول عسكري ياباني يُقرأ كعودة محتملة لنزعة توسعية. تعزيز استراتيجية الاحتواء الأمريكية: اليابان تمثل الحلقة الأكثر تقدماً جغرافياً في تطويق الصين وروسيا. اختلال التوازن الإقليمي: إدخال قدرات هجومية يابانية يغير قواعد الردع في الإندوباسيفيك. ترابط الجبهات: من الكوريل إلى تايوان والكوريتين، تتحول اليابان إلى عقدة مركزية في شبكة صراعات مترابطة. بهذا المعنى فإن هذه العقيدة تعيد صياغة موقع اليابان في النظام الدولي، فهي ليست مجرد تحديث عسكري، بل تحول بنيوي في هوية الدولة اليابانية: من دولة سلمية مقيدة، إلى قوة ردع نشطة، إلى شريك عملياتي في التحالفات، إلى فاعل أمني عالمي. وهذا التحول، بقدر ما يعكس استجابة لبيئة أمنية متغيرة، فإنه يفتح أيضاً الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي، حيث تصبح اليابان أحد الأعمدة الرئيسية في إعادة تشكيل توازنات القوة في آسيا والعالم.
الكوريل: الجغرافيا التي لم تغلق جراح التاريخ
غير أن هذا التوتر لا يمكن فهمه من دون العودة إلى الخلفية التاريخية الثقيلة للعلاقات الروسية اليابانية، وهي علاقات لم تعرف استقراراً حقيقياً منذ الحرب الروسية اليابانية مطلع القرن العشرين، ثم صدمة عام 1945 حين دخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان وسيطر على جزر الكوريل، لتبقى تلك الجزر منذ ذلك الحين العقدة المركزية التي منعت توقيع معاهدة سلام نهائية بين البلدين. فالنزاع على “الأقاليم الشمالية” ليس ملفاً رمزياً فحسب، بل يرتبط مباشرة بالأمن البحري الروسي وبتمركز موسكو العسكري في الشرق الأقصى، ولذلك تنظر روسيا إلى أي امتلاك ياباني لقدرات هجومية بعيدة المدى على أنه تهديد مباشر للتوازن القائم في محيط الكوريل وبحر أوخوتسك، وليس مجرد تحديث طبيعي لقدرات الدفاع اليابانية. وبهذا المعنى، فإن التحذير الروسي يعبّر عن قناعة متزايدة في موسكو بأن اليابان لم تعد شريكاً محتملاً في تسوية تاريخية مستقبلية، بل تحولت، بفعل تحالفها الوثيق مع واشنطن، إلى منصة ضغط عسكري وسياسي على الحدود الشرقية الروسية.
تايوان والكوريتان: تداخل الجبهات وصناعة محور المواجهة
وتزداد خطورة هذا التحول حين يوضع في سياقه الإقليمي الأوسع، لأن روسيا لا تقرأ إعادة تسلح اليابان كمسألة ثنائية تخص موسكو وطوكيو وحدهما، بل كجزء من بنية استراتيجية أمريكية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة في آسيا كلها. فمن جهة، يرتبط صعود الدور الياباني بملف تايوان، إذ ترى واشنطن أن أي مواجهة حول الجزيرة لا يمكن إدارتها من دون انخراط اليابان، سواء بحكم الجغرافيا أو بحكم قواعدها وممراتها البحرية، ما يجعل طوكيو جزءاً عملياً من سياسة ردع الصين. ومن جهة ثانية، تشكل كوريا الشمالية الذريعة الأمنية الأكثر حضوراً لتبرير هذا التحول، فيما تؤدي كوريا الجنوبية دور الشريك المكمل في بناء محور ثلاثي أمريكي-ياباني-كوري جنوبي، تنظر إليه موسكو وبكين وبيونغ يانغ بوصفه نواة اصطفاف عسكري جديد في شمال شرق آسيا. وهكذا، لم يعد الملف الياباني منفصلاً عن صراع النفوذ مع الصين، بل أصبح جزءاً من شبكة توازنات معقدة تتداخل فيها تايوان مع الكوريتين ضمن مشهد استقطاب حاد.
من الكوريل إلى هرمز: اليابان لاعباً في أمن العالم
والأهم من ذلك أن واشنطن لا تريد من اليابان أن تبقى مجرد قوة إقليمية، بل تسعى إلى توظيفها ضمن أدوار أمنية أوسع تتجاوز شرق آسيا إلى الممرات البحرية الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز، حيث يتقاطع أمن الطاقة مع حسابات القوة العالمية. وهنا يتجلى التحول الأعمق: فاليابان تُدفع تدريجياً من موقع الدولة المقيدة بتاريخها ودستورها إلى موقع الفاعل الأمني العالمي الذي يشارك في حماية سلاسل الإمداد وطرق التجارة ضمن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة. وهذا ما يفسر حدة الخطاب الروسي، لأن موسكو لا ترى في ذلك مجرد تحديث عسكري، بل إعادة إنتاج لدور ياباني جديد يمتد من الكوريل وتايوان إلى الكوريتين وحتى الخليج العربي. وعليه، فإن التحذير الروسي ليس اعتراضاً على خطوة بعينها، بل إعلان قلق من تحول بنيوي قد يجعل من اليابان أحد أعمدة منظومة تطويق روسيا والصين، ويدفع بالمحيط الهادئ إلى تخوم “حرب باردة جديدة” مفتوحة على احتمالات تصعيد غير مسبوقة.
