اليسار والدولة في المغرب

اليسار والدولة في المغرب

فجري الهاشمي

          المقصود باليسار هنا هو اليسار الجديد، الذي تبنى الأطروحات الماركسية حول الدولة وأسقطها على الدولة المغربية، علما أن الأطروحة الماركسية تهم  مجتمعا طبقيا واضحًا، والحال أن المغرب في الستينيات كان مايزال بلدًا تهيمن فيه البادية، ولم تكن نسبة سكان المدن تتعدى خمسة عشر في المائة، وكانت الطبقة العاملة محدودة العدد، ولم تكن واعية بذاتها.

ذلك يعني أن اليسار منذ البداية سار في طريق مغلوطة، لأنه أسقط واقعًا آخر على واقع المجتمع المغربي.  

لقد كان ماركس  ينتظر أن تقع الثورة في الدول الصناعية، حيث توجد بروليتاريا، لكنها وقعت في بلد متأخر مثل روسيا، وفي بلد آخر أغلبه فلاحون، وهو الصين .

في سنة 1994 أصدر المرحوم الحسن الثاني عفوا على المعتقلين اليساريين وما تبقى من السجناء الاتحاديين.

فما وقع، هو انهيار الاتحاد السوفياتي بعد سقوط جدار برلين، هذا أولًا. ثانيا حين جاء بيل كلينتون قرر أن أمريكا سوف تفرض تعاملها مع الدول على أساس احترامها لحقوق الإنسان واحترام الحريات، وإجراء انتخابات نزيهة. وذلك يعني أن أمريكا أدارت وجهها عن حلفائها الذين كانت تحميهم إبان الحرب الباردة، رغم استبدادهم.

كان ذلك أمر واضح بالنسبة للحسن الثاني، ولذلك قال في خطاب له، جوابًا على هذا التحول الذي وقع في العالم بانتصار العالم الحر ونهاية القطبية، أن القطبية سوف تعود من جديد، وربما قد تتعطل. واستشهد بالآية التي تقول: “ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض”.

وذلك كان من أسباب العفو الملكي سنة 1994، وكان أيضا من أسباب المجيء بعبد الرحمان اليوسفي لقيادة ما سمي بـ “حكومة التناوب التوافقي”. ليس فقط لتأمين انتقال السلطة، بل أيضا لنهج تصالح سياسي يقطع مع هيمنة الاستبداد.

لكن سنة 2004 سوف تعرف دخول المغرب في تجربة جديدة متقدمة، هي تجربة “هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي أسست لما سمي بالعدالة الانتقالية، وقد أسندت المهمة ليساريين كبار. دليل آخر على أن الدولة منحت هذا الملف لليسار. وهكذا تأسس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي تناوب على رئاسته يساريون ناضجون، فهموا إشارات الدولة، ابتداء من المرحوم إدريس بنزكري، والمرحوم أحمد حرزني، وبعدهما إدريس الازمي وأحمد الصبار.

وصلنا الآن إلى لب الموضوع، وهو باختصار انقسام اليسار بين من يفهم إشارات الدولة ويتفاعل معها، ويراهن على التقدم، ومن يتمسك بمواقفه النمطية من المخزن، وكأن شيئًا لم يتغير. هذا مع أن التغيير واقع ملموس، إلا أن ضعف اليسار هو ما عرقله وعطَّله.

إن الدولة المغربية، وفي مركزها المؤسسة الملكية، ليست دولة طبقية، فهي تعتبر نفسها فوق الجميع، ولذلك فهي لا تخضع لأي كان، بل إنها تتعالى، وهذا أمر له علاقة بما يصطلح عليه بـ “مشروعيتها الدينية التاريخية

وسأعبر عنها بوضوح، إنها “أنانية دولة” لا تقبل أن تنافس في مشروعيتها…

ولذلك، فهناك من فهم طبيعة هذه الدولة، وهناك من يسقط على هذا المجتمع تحاليل كما أسلفنا الإشارة، لا علاقة لها بهذا المجتمع.

كان السلطان في السابق يقوم بـ”حَرْكَة” يزور فيها كل الأقاليم التابعة لنفوذه، وكانت القبائل تقدم  له الهدايا، في نطاق التعبير الدارج “كيزوروه”.. “احتراما لللشرفاء والانتماء إلى الدوحة الشريفة”.

ولكم أن تفهموا لماذا تحافظ الدولة على استقلالها مع الجميع. لأن لها أنانيتها التاريخية التي تمتد لقرون.

ملحوظة: سنة 1962، حين عاد المهدي بن بركة إلى المغرب، نُظِّم له استقبال كبير جدًّا، وهي واقعة أشعرت الحسن الثاني بأنه تم إقحامه في “دائرة المنافسة والتنافس”…

ونعلم ما الذي حدث ووقع لاحقًا…

وفي سنة 1995، كان موعد رجوع الفقيه البصري من منفاه، لكن المرحوم عبد الرحمان اليوسفي أوصى المكلفين باستقباله أن يكون ذلك الاستقبال محدودا، لأنه كان يفهم حساسية الحسن الثاني في الموضوع….

شارك هذا الموضوع

فجري الهاشمي

ناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!