بعض ذكريات التّدريس في تاكونيت (1-2)

بعض ذكريات التّدريس في تاكونيت (1-2)

  سعيد بوخليط

       كان الوقت زوالاً من شهر مارس 2011، والسّاعة في حدود الواحدة وخمس عشرة دقيقة. كنت أقف أمام يافطة المدرسة المقصودة واسمها “عثمان بن عفان”، التي تواجدت عند مدخل القرية. أتهيّب اللحظة، يزداد خفقان قلبي، وأحس بقشعريرة تسري في دواخلي.

الباب موصد تماماً والصمت يسود المكان. طرقت طرقات متواصلة، وبعد انتظار، ظهر طيف شخص قادم بتثاقل يجرّ قدميه بصعوبة واضحة، بطيء الحركة، يفرك عينيه كما لو استفاق بصعوبة بالغة من نوم عميق جرّاء ضجيج أصوات قرع الباب. قابلته بابتسامة من بعيد حتى يطمئنّ قلبه قليلاً، وأخبرته عن هوّيتي ودواعي وقوفي خلف باب المؤسّسة:

– “أعتذر عن الإزعاج، أنا الأستاذ الجديد”.

انبسطت أساريره تماماً وقال:

– “أهلاً وسهلاً! لقد انتظرك السيّد المدير ثم غادر مع انتهاء الفترة الصّباحية، وسيعود بعد تناوله وجبة الغداء. يمكنك الانتظار، أو القيام بجولة سريعة داخل القرية لاكتشافها والعودة تقريباً الساعة الثّالثة، وهو توقيت حضوره. أتمنّى لك من الآن مقاماً طيباً بين ظهرانينا”.

آثرت الامتثال لنصيحته الثانية، واتّجهت صوب وسط القرية التي تبتعد بثلاثة كيلومترات تقريباً بهدف إلقاء نظرة أولى على المكان. المناخ جافّ وثقيل مع تطاير الغبار، وبدأت الغيوم تتلبّد. يلزمني البحث -قبل كل شيء- عن فندق للمبيت، على الأقلّ هذه اللّيلة، قبل تدبّر أمر منزل صالح للسّكن بين طيّات قرية في أدغال الصحراء.

بدت البلدة صغيرة في حدود مرمى النظر، هادئة، تمتدّ مرافقها الحيوية بمحاذاة الطريق الرّئيسة المنتهية عند “محاميد الغزلان” كآخر نقطة حدودية. دكاكين بسيطة لا تتجاوز أصابع اليد، محلاّت جزارة، وبعض المقاهي البسيطة للغاية، وأخيراً فندق صغير عبارة عن مبنى يتألّف من طابقين.

بلدة تاريخية لها امتدادات عبر زمن المعتقلات السرّية في المغرب، بنيت منذ فترة الباشا “التهامي الكلاوي”، بيد أنّ صورتها العامة توحي كما لو نبتت عشوائياً دون إرادة خلال عهد حديث، وبزغت فجأة فوق تلك المساحة الأرضية.

أشعر بجوع شديد وتزايد وتيرة قطرات مطر غليظة تسارعت بغتة مع تدافع هبوب ريح باردة، فالفترة شهر مارس. رفعت عيني نحو سماء تخبر بأنّها ليست سحابة عابرة، بل المسألة جدية، مما يستدعي ضمان مأوى في الفندق قبل العودة إلى المدرسة للقاء المدير. لحسن الحظ يوجد نزل في القرية بحكم مقتضى السّياحة الصّحراوية المرتبطة بالمنطقة، لاسيما نحو وجهة “محاميد الغزلان” التي يأتيها سيّاح من كل مناطق العالم، أساساً في فصل الشّتاء ونسبياً خلال الربيع، بينما لا يمكث صيفاً سوى الشيوخ والنّساء والأطفال، في حين يهاجر الشّباب صوب المدن السّاحلية، تحديدا أكادير والدار البيضاء.

تترصّدني العيون بفضول وأنا أبحث عن محلّ لتناول لقيمات تسدّ رمقي. ألاحظ ملاحقاتهم الحثيثة لخطواتي، وقد أدركوا من نظرتهم الأولى بأنّي ضيف جديد قدم للتوّ إلى البلدة، أو سائح عابر. أشعر بارتباك -مثلما هي عادتي منذ الطّفولة- حيال نظرات الآخرين التي تزعجني وتخلخل توازني، فأتمنّى حينها تصدّع الأرض إلى نصفين وابتلاعي كي أختفي.

استفسرني صاحب الدّكّان، أثناء تهيئته وجبة خفيفة، عن المدينة التي أنحدر منها، فأجبته: “مراكش”، التي تعتبر بمثابة عاصمة المنطقة ونقطة عبور حتمية نحو باقي جهات المغرب، لذلك يعرفون على نحو شبه مألوف معطيات المدينة ومزاج أهلها وعاداتها. استفاض حديثه عن أسماء وتفاصيل لا أحبّ الخوض فيها أصلاً، ولا أمتلك أيّ رغبة لمناقشتها بنفس حماسته، رغم ذلك حاولت التّفاعل قدر المستطاع مع فضوله نحو أخبار المدينة التي لم يزرها منذ سنوات. لم أهتم لحظتها بجودة الخبز وطريقة حشو باطنه بعلبة سردين، ولم ألتفت إلى تاريخ صلاحيتها وكذا شروط نظافة طريقة التّحضير، فقد أخذ مني الجوع مأخذه، وفي نفس الوقت لا أغفل عن عقرب ساعتي اليدوية حتى لا يفوتني موعد مدير المدرسة قصد توقيع محضر الالتحاق.

اشتد وقع المطر بكيفية لم أعهدها منذ عهد بعيد، أعادتني أجواء ذلك إلى شتاء الزمن الماضي بكل دفئه وحميمته وعذوبة جلساته العائلية، متحلّقين حول مجمر نتناول وجبة “بِصارة” في غاية اللّذة وخبز الشّعير وشاي قوامه عشبة “الشويلاء”، نتجاذب أطراف الحديث على ترانيم قطع “الملحون” الرّخيمة المنبعثة من مذياع يقبع في زاوية، وحيداً وهادئاً وحكيماً وسلطاناً.

أسرعت إلى المدرسة بعد تناول اضطراري لوجبة شعرت بها كما لو غرسوا سكّيناً في حنجرتي. وجدت المدير ينتظرني، السيّد “علي”، الرّجل الطيب والأصيل والخدوم، مثلما اتّضح من ارتسام اللّقاء الأوّل، ثم ترسّخ التّصوّر خلال سنتين ونيف من حقبة اشتغالي بجانبه. كانت ابتسامته المريحة ونبرته الصّحراوية الودودة التي حافظت على أصالتها، كافيتين تماماً كي يلج بيسر فؤاد أيّ إنسان.

رحّب بي كثيراً كأنّه يعرفني منذ فترة، بادلته عبارات الثّناء والامتنان، وقّعنا الأوراق المطلوبة، ووضع ملفي في درج، هكذا أصبحت رسمياً مدرّساً. نادى على أحد الأعوان وطلب منه الذّهاب إلى الحجرة الدّراسية واستدعاء أستاذ اللغة العربية. في الانتظار، وضع أمامي جدول الحصص الزمنية ثمّ خاطبني بلهجة مرحة:

– “فقط عشر ساعات في الأسبوع بدل إحدى وعشرين المقرّرة قانونياً، احتفالاً أوّلياً باستضافتك عندنا وانتمائك إلى طاقم هذه المدرسة، ومجرّد تمرين حتى الاستئناس تدريجياً بأجواء الفصل الدراسي والتلاميذ”.

أنهى كلامه بضحكة خفيفة تقاسمتها معه تلقائياً وشكرته على حسن استقباله. حقيقةً لم أفهم آنذاك مضمون قوله سوى بعد توالي سنوات المهنة واستيعاب ماهية الزّمان المدرسي. أيضاً، أخبرني بإعفائي من مهمّة تدريس المستويات الإشهادية، وأبقى مصيرها في يد الأستاذ القديم بحكم خبرته وتجربته، بينما سأقضي أسابيعي التدريبية مع تلاميذ غير ملزمين بتلك الامتحانات.

حضر الأستاذ، شخص في عقده الثّالث، جسده ينزع إلى السّمنة والترهّل، ارتدى وزرة بيضاء من النّوع الجيّد وربطة عنق حمراء مزركشة وقميصاً أزرق. تنمّ ملامحه من الملاحظة الأولى عن نزوع سلطوي. قدّمني إليه المدير، فتبادلنا عبارات مألوفة، وبعد استفسارات سريعة انطلق سرده لبعض النّصائح حتّى أغدو “قوي الشكيمة” -حسب تعبيره- داخل الفصل. أظهرت اهتماماً على مستوى الإصغاء كما هي عادتي، مع أنّي وجدت كلامه سطحياً، فأنا لم أعد أكترث بجدوى حديث مدرسي يتوخى تقييدي بخطوات تحدّد كيفية تعاملي مع الآخرين.

أثنى عليه المدير وشكره على إخلاصه، ثم أوصاه بي خيراً، وأن يحرص على زيارتي بين الفينة والأخرى إلى الفصل بغية إرشادي وتوجيهي.

غادرت عائداً إلى الفندق الوحيد داخل القرية، الذي يشبه بيتاً تراثياً عريقاً حوّله صاحبه إلى مأوى سياحي صغير. ولجت الغرفة، غيّرت ملابسي، واتّصلت بأمّي هاتفياً من أجل الاطمئنان عليها، ثم تمدّدت كجثّة فوق السّرير بعد يوم منهك وحاسم بخصوص تثبيت قانونية التحاقي بالعمل. شردت قليلاً أتأمّل لوحة فنّية كبيرة معلّقة أمامي على الحائط، تظهر شيخاً صحراوياً يجلس وناقته بجوار نخلة وافرة الظّلال، وفي الزاوية الأخرى بعض الإبل تشرب من بِركة مائية. صورة زيتية رائعة حلّقت معها حالماً بعيداً جداً، ولم أستعد بعدها وعيي وإدراكي لغاية الحادية عشرة من صبيحة اليوم التّالي.

أحتاج إلى وجبة فطور متكاملة، لاسيما قهوة سوداء مكثّفة كي أستعيد نشاطي، وبعدها أنطلق بحثاً عن منزل قصد الاستقرار. لحسن الحظّ، لم يتطلّب السّعي غير ساعات قليلة نتيجة الاتّصال ببعض المدرِّسين القدامى الذين كانوا يجتمعون في مقهى الفندق، هكذا أخبرني أحدهم عن منزل شاغر.

خلال الظّهيرة التقيت صاحب المنزل، رجل شيخ انتمى بدوره إلى قطاع التّعليم وقد تقاعد منذ سنوات قليلة. توافقنا بخصوص حيثيات الكراء، سلّمني المفتاح، ثمّ أويت إلى ملاذي الصحراوي الجديد: منزل صغير إسمنتيّ وحديث البناء يتوارى نسبياً عن مركز القرية، تحاذيه نخلة يابسة تشهد على جفاف وإهمال إنساني. أحسست بقيمة الحصول على مأوى شبه عصري في تلك المنطقة، حيث البنايات الجديرة بالسّكن محدودة جداً.

شمّرت عن ساعدي وشرعت في تنظيف المنزل، ثم أسرعت قبل إغلاق المحلّ اليتيم الذي يبيع الأثاث لاقتناء الحدّ الأدنى من مستلزمات النّوم والأكل. أحاول التّأقلم مع الوضع الجديد، أفتقد كلّ شيء، ولا يمكنني السّفر إلى مراكش نظراً لطول المسافة سوى خلال العطل المدرسية.

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!