“بوضربة”.. قمر مكناس الأحمر في الدار البيضاء مارس 65
د. لطيفة حليم
،، 23مارس .. 61 عاما على الانتفاضة الدامية في الدار البيضاء… من إيحاء الصحفي عبد الرحيم التوراني، وحوار مع الأستاذة زبيدة بورحيل.. من أريزونا,,
لم تكن ملامحه تشبه ملامح أقرانه، فلم يكن ذاك التلميذ الغارق في انضباط الكتب، بل كانت سحنته تفيض بمخايل ذكاء ثاقب، وملكات ذهنية استثنائية امتزجت بمعارف سياسية واسعة. اشتهر بـ “بوضربة”، الفتى الذي جمع بين الدهاء والنبل، فصاغ لنفسه كاريزما آسرة جعلت الزملاء يتحلقون حوله كمريدين ينتظرون بشارة أو خبرا.
في ذلك اليوم، الثالث والعشرين من مارس 1965، ووسط دائرة الضوء التي يصنعها حضوره، أسرّ في آذانهم بابتسامة عريضة: “لقد اشتعلت.. انطلقت اليوم انتفاضات التلاميذ من الدار البيضاء إلى مكناس.”
ثم وبصوت خفيض له رنين التحريض، همس: “إضراب“… هزّ كتف أحد زملائه وهرول كشرارة نار: “إضراب..”
ظنته زميلته لمياء في البدء فزورة أو دعابة من دعاباته التي تمرّ عادةً كسحابة فوق هَيْمِ فلاة، لكن حين استقرت ضربته القوية على كتفها، كادت تسقط أرضا، وأدركت حينها أن الأمر تجاوز الهزل.. إنه الإضراب.
كان “بوضربة” في ربيعه الرابع عشر، يرفل ببياض ناصع وقامة تميل إلى القصر، يتوجها شعر أسود كثيف ينسدل على هامته. أما عيناه السوداوان البارزتان، فكانتا مزيجا عجيبا من البراءة والرومانسية، وشيء من “المنكر” الجميل. كان يطلّ كقمر أحمر خجول، ينعكس لهب جمره في عتمة الأحداث.
فرّت ثلة من التلاميذ من وعيد عصا “شبكوني”، يتقدمهم “بوضربة” بزهو المهطعين. غادروا ثانوية “مولاي حفيظ”، مروا بضريح الولي “سيدي الوافي”، وانحدروا نحو “دردورة” و”الفخارين”، تاركين “باب بردعين” عن شمالهم، حتى استقر بهم المقام في حي “سيدي بابا”. هناك، ركنوا إلى رقعة اتخذها بوضربة ملاذاً تحت “عريش” تاريخي مهجور.
تحلقوا حوله، فانبرى يتحدث كفقيهٍ في التاريخ لا كهاوٍ في السياسة:
“هذا البرج المتهالك الذي نستظل بعريشه، سقطت أحجاره منذ أمد بعيد، وصار يُعرف بسيدي بابا، حيث يلوذ الفقراء ببيوت القصدير. لا يعلم هؤلاء أن هذا المكان كان يُدعى زمن السلطان باني الأسوار بـ “برج العريفة طوطو بنت بوشتى السفياني”، تلك المرأة التي ملكت الجاه والمال، ودبرت شؤون القصر، حتى تزوج ابن السلطان ابنتها.
استرخى قليلا، ثم استوى في جلسته مغيرا نبرته، وبدأ يلقي قصيدة.. قمع سيجارة. كان صوته يشي بشخصية لا تُعارض، وسياسي صغير يتشكل في جبة ثائر. أخبرهم بحلم الدراجة التي سيشتريها والده لتنقلاته بين ثانوية “مولاي حفيظ” وسكنه بـ “باب الجديد”، دراجة تشبه دراجة “المهدي” التي تجوب أزقة الرباط.
استرسل في حكاياته: “تحكي أمي أنني ولدتُ والبلادُ ترزح تحت قيد الحماية، وأن عقيقتي تزامنت مع جرح فلسطين عام 1948. كان والدي شيخ القبيلة، وقد نال الاستقلال دعوات أمي التي كانت تناديني “مبارك” تيمنا بالبركة. نال المغرب حريته، لكن والدي نال الاعتقال لانخراطه في صفوف اليسار المسلح.. كنتُ حينها دون الرابعة عشرة، حين رحلنا إلى مكناس لغرض لا يزال في علم الغيب“.
تفرق الزملاء وبقي بوضربة وحيدا تحت العريش، يستحضر طيف لمياء وهي تغني: “خجولاً أطل”.. فيجيبها في خياله: “أنا القمرُ الأبيض”.
تذكر كيف كان يسبق الجميع عند قرع الجرس، ليدسّ رسالة فوق طاولتها بداخلها تسعة حروف صغيرة: “أحبك”.. وكيف كان ينحتها بالبيكار على خشب الطاولات كوشم لا يُمحى.
همس لنفسه وهو يتمطط تحت العريش:
“أمي تستعمل قطمير اللوز.. لا ترمي القشور، بل تجففها في قيظ الصيف فوق منديل أبيض، تفركها بكفيها وتصنع منها غسولاً لشعري. لهذا صار شعري ناعما كالحرير، ربما أجمل من شعر محمود درويش الذي نسي أن يذكر في قصائده أن أمه كانت تستعمل عظام الزيتون المحروقة لدهن فروة رأسه“.
أغلق عينيه بزهوٍ متمرد: “لا يُبهرني تفوق الزملاء، فهم في نظري سذج يركضون خلف النقط الجافة. لا يعرفون كيف يكتبون “أحبك'” في ورقة مطوية كقمع سيجارة، ولا كيف ينحتونها على خشب الأرز. إنهم يعيشون بلا مشاعر نابضة.. يعيشون بلا حب“.
