تجلّيات الفكر في المتن الإبداعي: الفلسفة حين تتنفسُ أدَباً

تجلّيات الفكر في المتن الإبداعي: الفلسفة حين تتنفسُ أدَباً

عبد الإله إصباح

           قد تتقاطع الفلسفة وأجناس إبداعية في عمل شعري أو روائي من خلال أبيات شعرية محددة، أو حوار في مقطع روائي بين شخصيتين روائيتين، كما هو الحال في أشعار أبي العلاء المعري، أو المتنبي، أو طرفة بن العبد وغيرهم من الشعراء، سواء في الفترات الماضية أو في الزمن الراهن. وفي الغالب، يتجلى الحضور الفلسفي في الشعر في حِكَمٍ فلسفية تكثف منظور الشاعر للحياة ومعضلة الوجود، استخلصها من تجربته الحياتية ومعاناته مع تقلباتها وتغيراتها المؤلمة.

وأتاحت الرواية للعديد من المبدعين التعبير عن منظورات فلسفية مرتبطة بالمصير والغيب، يمنعهم المناخ الفكري والثقافي السائد في بلدانهم من التعبير عنها في قوالب فلسفية خالصة؛ ولعل حالة نجيب محفوظ في العالم العربي خير مثال على ذلك، فهو إن كان قد تخرج في شعبة الفلسفة، فإنه لم يؤلف في المجال الفلسفي إلا بعض المقالات التي جُمعت في ما بعد في كتاب من الحجم الصغير، ولم يواصل التأمل الفلسفي إلا من خلال مقاطع روائية متفرقة بين أعماله العديدة. ولا شك أنه وضع في اعتباره وضعية حرية الفكر والإبداع في بلده مصر عندما اختار أن لا يعبر مباشرة عن تصوراته الفلسفية، بل اختار بعض أبطال رواياته للنيابة عنه في هذا المجال تجنباً للتضييق والمصادرة؛ ومع ذلك لم ينجُ من هذا المأزق، إذ تعرضت روايته “أولاد حارتنا” للمصادرة، وتعرض بسببها لمحاولة اغتيال شنيعة.

على أن حضور الفلسفة في الرواية لم يقتصر على روائيين ضمّنوا رواياتهم مفاهيم وتصورات فلسفية، بل وجدنا فلاسفة أصحاب مذاهب فلسفية أصيلة اختاروا أن يمدوا جسوراً قوية بين الفلسفة والرواية، ويواصلوا المرافعة عن مذهبهم الفلسفي من خلال روايات نالت شهرة واسعة؛ ولعل “جان بول سارتر” كان رائداً في هذا المجال من خلال روايته “الغثيان” المعروفة والمكرسة كرواية وجودية بالدرجة الأولى، وهي من ثَمَّ تُعد من أشهر الروايات الفلسفية.

وليس من المبالغة في شيء اعتبار رواية “علاج شوبنهاور” للروائي الأمريكي “إرفين د. يالوم” رواية فلسفية أصيلة؛ إذ تفوق في نسج متن روائي يجمع بين روعة السرد والعرض الفلسفي الرصين، وبين جمالية الحوار والإحالات الفلسفية لشوبنهاور. لقد استطاع “إرفين يالوم” تشييد عالم روائي يزخر بالحضور اللافت لحِكَم وفلسفة شوبنهاور دون التفريط في تماسك بنية الرواية وتحولها إلى استعراض فلسفي يخل بطبيعتها كرواية في المقام الأول؛ فالفلسفة هنا تعزز الطابع الروائي لكونها تضفي عليه صبغتها دون أن تفقده جوهره أو تحيله إلى خطاب فلسفي محض.

فروعة هذه الرواية تكمن في كونها روايةً أولاً، تشد القارئ إليها بأحداثها، وتنوع شخوصها، وتعدد خلفياتهم وسياقاتهم الاجتماعية؛ شخوص يعانون من آلام نفسية وصعوبات في تقبل ماضيهم وحاضرهم، لا يستطيعون التصالح مع ذواتهم ومع الآخرين، تجمعهم الرغبة في تلقي العلاج من معالج نفسي يعاني هو الآخر من قرب نهايته الحتمية. ينبهرون عندما يلتقون بشوبنهاور من خلال أحد المرضى الذي فرض عليه المعالج حضور جلسات العلاج، فيحرص في كل تدخلاته على استحضار حِكَم وأقوال هذا الفيلسوف، مقراً بأنه مدين له بشفائه مما كان يعانيه من إدمان جنسي قاهر. وهو إذ يحيل إلى الفيلسوف، يبرهن على تملك واستيعاب عميق لفلسفته، حيث يتيح للفيلسوف حياة أخرى يمارس من خلالها مزيداً من التأثير والحضور.

هي إذن رواية فلسفية؛ لأنها ارتكزت في بنائها على سرد يقوم في جزء كبير منه على مقولات وتصورات فيلسوف لا يجادل أحد في قيمة ما أبدعه في حقل الفلسفة ومكانته في تاريخها، ولأن العديد من فصول الرواية ارتكزت على استحضار محطات مفصلية من حياة شوبنهاور دون أن يكون ذلك على حساب طبيعتها كرواية.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!