ثانوية الإمام مالك: منارات فكرية تضيء طريق تلاميذ الجذع المشترك
رحال عبّوبي
نظمتْ جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء، يوم السبت رابع أبريل 2026، محاضرة ألقاها الدكتور محمد حساوي أمام تلاميذ الجدع المشترك، تحت عنوان: “من ثانوية الإمام مالك إلى الأفق المفتوح”.
وتمثلت الغاية من هذه المحاضرة، فضلاً عن بُعدها التربوي، في تقديم تجربة معيشة لأحد قدماء المؤسسة، لتكون حافزاً ونموذجاً يستفيد منه التلاميذ الحاليون. وقد تفضل المؤرخ رحّال عبوبي بتقديم السيد المحاضر من خلال الكلمة التقديمية التالية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
السيدة المديرة الفاضلة خديجة بن رحو، السيدة رئيسة جمعية قدماء ثانوية الإمام مالك، السادة والسيدات قدماء تلاميذ وتلميذات ثانويتنا الأوفياء، أبنائي وبناتي من الجيل الصاعد الذي يحمل اليوم مشعل هذه المؤسسة الغالية.
باسم جمعية قدماء ثانوية الإمام مالك، أتقدم لكم جميعاً بأسمى عبارات الشكر والامتنان لتلبيتكم هذه الدعوة وحضوركم معنا في هذا اللقاء التربوي المتجدد؛ لقاءٌ يمد جسور التواصل بين رواد هذه الثانوية الأيقونة وتلاميذها المعاصرين. وأخص بالذكر السيدة رئيسة المؤسسة، التي لا تدخر جهداً في ترسيخ هذا الربط الوثيق بين الماضي والحاضر، وتعمل جاهدة على احتضان ودعم أنشطة الجمعية داخل أسوار هذه المؤسسة العريقة.
لقد تعاقب على هذه الثانوية نخبة من الأساتذة الأجلاء الذين بصموا الفكر المغربي، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الأساتذة سالم يفوت، أحمد المديني، محمد بلاجي، إدريس الناقوري، محمد مفتاح، وكمال عبد اللطيف. كما تخرج منها تلاميذ صاروا اليوم من خيرة أطر مملكتنا الحبيبة، ومن بينهم الضيف العزيز الماثل أمامكم، الدكتور محمد حساوي.. فمن هو هذا الرجل؟
الدكتور محمد حساوي رأى النور سنة 1952 بأولاد فرج بسهل دكالة المعطاء ، تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة بير امحمد ثم مدرسة المركز بمركز أحد أولاد افرج ، وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية ، انتقل إلى ثانوية أبي شعيب الدكالي بالجديدة ليواصل تعليمه بالسلك الأول من التعليم الثانوي آنذاك والموسوم اليوم بالتعليم الإعدادي وبها حصل على شهادة الدروس الثانوية ، وفي سنة 1968 حصل على منحة كاملة تشمل التغذية والإقامة والتمدرس أهلته ليكون من بين التلاميذ الداخليين بثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء ، وبها أكمل تعليمه الثانوي بالسلك الثاني إلى أن حصل على شهادة البكالوريا سنة 1971.
وجاء الدور على التعليم الجامعي ، وبحصوله على منحة التعليم العالي انتقل إلى جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ليواصل تحصيله بكلية الآداب والعلوم الإنسانية حيث اختار شعبة الأدب العربي ، حصل على الإجازة سنة 1974 ، ومن فاس انتقل إلى الرباط ليلتحق بالمدرسة العليا لتكوين الأساتذة ، ولكن مواقفه النضالية بصفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب جعلت مدير المدرسة يخاصمه … فاضطر لتغيير البوصلة نحو فرنسا بعد حصوله على منحة هناك لدراسة اللغة العبرية ، ولكنه غير المسار مرة أخرى نحو العلوم اللسانية وتحديدا الصوتيات. وبعد حصوله على شهادة دكتوراه السلك الثالث، عاد إلى أرض الوطن، فكانت الوجهة إلى جامعة القاضي عياض ليعمل بها أستاذا جامعيا، وبعد مرور سبع سنوات بمراكش، انتقل إلى جامعة محمد الخامس بالرباط ليواصل عمله مدرسا ومؤطرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية. وبهذه المؤسسة حصل على دكتوراه الدولة في موضوع “المصطلح الصوتي العربي القديم في البعدين العادي والمرضي” وظل بنفس الجامعة إلى أن حصل على التقاعد سنة 2018
من بين أهم محطات عطاء الدكتور محمد حساوي، نذكر إشرافه الرصين على العديد من الأطروحات الجامعية في تخصصات دقيقة كـاللسانيات وتحليل الخطاب، فضلاً عن إسهاماته كمحاضر في ندوات فكرية وطنية ودولية وازنة، لعل أبرزها مشاركته في “منتدى “فكر” بالمغرب لمناقشة دور النخب والثقافة العربية.
ولم ينحصر عطاؤه في المدرجات الجامعية، بل امتد ليشمل تدبير الشأن التربوي كمستشار بوزارة التربية الوطنية. كما صقلت شخصيته تجربة نضالية غنية، حيث مارس العمل النقابي تلميذاً وطالباً ثم أستاذاً جامعيًا. وفي ميدان صاحبة الجلالة، كان أحد الأقلام المؤسسة لـجريدة أنوال سنة 1979، ودرّس بالمعهد العالي للصحافة، مساهماً في تكوين أجيال من الإعلاميين.
أما في الفضاء السياسي والحقوقي، فقد بصم الدكتور حساوي على حضور وازن بمشاركته في تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحزب الاشتراكي الموحد، وكان من الطليعيين الذين وضعوا اللبنات الأولى لـلمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
ونختم بكلمة: كيف كانت مسيرة هذا الباحث الأكاديمي والفاعل المدني منذ أن وطأت قدماه رحاب هذه الثانوية؟ وماذا تعلم وماذا استفاد من هذا الفضاء الذي ظل يعتبره نقطة الارتكاز في حياته؟
