جمال الدين الناجي: الذكاء الاصطناعي يهدد الذاكرة الجماعية
مونتريال- خاص:
أكد الخبير المغربي في مجال الإعلام والاتصال والرئيس الشرفي لشبكة كراسي اليونسكو للاتصال “أوربيكوم”، جمال الدين الناجي، يوم الأربعاء بمونتريال، أن الذكاء الاصطناعي يشكل ابتكارا نوعيا قادرا على إحداث تحولات عميقة في الأسس الأنثروبولوجية للإنسانية، ولا سيما في مجالات الثقافة والشعور والذاكرات الجماعية.
وأبرز الناجي، في كلمة ألقاها ضمن أعمال المؤتمر الدولي لشبكة “أوربيكوم” المنعقد بجامعة كيبيك (من 26 إلى 30 أكتوبر) بشراكة مع كرسي اليونسكو للاتصال والتكنولوجيات من أجل التنمية، الأبعاد التي يمسها الذكاء الاصطناعي في العلاقة المعقدة بين العقل والعاطفة، والحقيقة والتضليل، والواقع المادي والعالم الافتراضي، مبرزا أثره المباشر في إعادة تشكيل موازين القوى الجيوسياسية على المستوى العالمي.
وحذر جمال الدين الناجي من أحد أبرز المخاطر المتمثلة في قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إعادة إنتاج الروايات التاريخية أو تحريفها وتزييفها، مما يهدد بمسخ الذاكرة الجماعية وتغيير المكونات الهوياتية للشعوب. وأوضح أن التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) والإنتاج الآلي للمحتوى، يضاعف من احتمالات ترويج الوثائق والأخبار المضللة، ناهيك عن خطورة تركز إنتاج المعرفة في أيدي عدد محدود من التكتلات التكنولوجية الكبرى، وهو ما يسهم في نمطية المعارف وتهميش الخصوصيات الثقافية واللغوية.
وشدد الناجي على أنه مهما بلغت قدرات الآلة على التحليل والاستدلال، فإنها تظل مجردة من التجربة الإنسانية المعاشة، والحيادية البيولوجية للتأثر، والوعي الأخلاقي الفريد الذي يطبع الكائن البشري. وترتيبا على ذلك، دعت المداخلة إلى التفكير الحدي في موقع الأخلاق عند تصميم التقنيات، ورسم حدود فاصلة تفصل بين أتمتة الوظائف وتفويض القرارات المصيرية للآلات.
ولمواجهة هذه التحديات المتسارعة، طالب الناجي بتعبئة دولية شاملة تنخرط فيها الحكومات والباحثون والمربّون والمؤرخون والأدباء والفنانون وعموم المواطنين، لصياغة أطر تنظيمية تتناسب مع طبيعة التحولات الرقمية. وأكد أن صيانة الكرامة الإنسانية في العصر الرقمي تتطلب حماية ثلاثة أركان أساسية: الثقافات والمعارف والمخيلات الإنسانية، عبر اعتماد مقاربة متكاملة ترتكز على الأخلاقيات والتعددية المعرفية والسيادة الرقمية.
واختتم كلمته بالتأكيد على أن الغاية الأسمى يجب أن تظل تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة الحوار بين الحضارات وإثراء تنوع التعبير البشري، بدلاً من تكريس أحادية الروايات وإضعاف الهويات الجامعة.
جدير بالذكر أن المؤتمر الدولي السنوي لشبكة “أوربيكوم”، المنعقد هذا العام تحت شعار: «الإعلام والذكاء الاصطناعي والديمقراطية: متخيلات اتصالية في عالم رقمي مجزأ»، يتناول بالدرس والتحليل آليات التكوين وحماية الصحفيين من التضليل، إلى جانب سبل تعزيز الإدماج الرقمي والصمود المعلوماتي في السياقات اللغوية المتعددة.
ويشهد هذا المحفل الأكاديمي مشاركة نخبة من الباحثين، وحاملي كراسي اليونسكو، والمهنيين في القطاع الإعلامي، إلى جانب صناع القرار وممثلي المجتمع المدني من مختلف قارات العالم. ويتضمن برنامج التظاهرة تقديم أكثر من 115 مداخلة علمية عبر 35 جلسة نقاشية، فضلاً عن محاضرات عامة وورشتين لكراسي اليونسكو تهدفان إلى إعداد أجندة بحثية مشتركة بشأن التربية الإعلامية والمعلوماتية للفترة الممتدة بين 2027 و2031.
