حروب أمريكا بأدوات عربية

حروب أمريكا بأدوات عربية

يوسف مقران

ليس جديدا أن تخوض الولايات المتحدة حروبا خارج حدودها من دون أن يكون جنودها هم الذين يدفعون الثمن دائما. في مناطق كثيرة من العالم، اكتفت واشنطن بتحديد الخصم، ورسم الهدف، وتأمين الغطاء السياسي والعسكري، ثم تركت لحلفائها مهمة القيام بالباقي. وفي الشرق الأوسط تحديدا، لعبت بعض الدول العربية أدوارا تجاوزت حدود التحالف السياسي، لتصبح جزءا من أدوات تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية.

في أفغانستان، كان المشهد واضحا منذ سنوات الحرب الباردة. دعمت الولايات المتحدة القوى التي قاتلت السوفيات، ووجدت في باكستان ممرا أساسيا للسلاح والتدريب، بينما ساهمت دول عربية في التمويل. لم يكن المطلوب آنذاك من هذه الدول أن تخوض حربا أمريكية بالمعنى المباشر، بل أن توفر لها البيئة والموارد التي تجعلها ممكنة. وانتهت أفغانستان إلى أن تكون واحدة من أهم ساحات استنزاف الاتحاد السوفياتي.

وفي العراق، أخذ الأمر شكلا أكثر مباشرة. دول عربية شاركت في التحالف الذي قادته واشنطن في حرب الخليج، ثم تحولت أراضي عدد منها إلى جزء من المنظومة العسكرية الأمريكية في المنطقة. وعندما شنت الولايات المتحدة حربها على العراق سنة 2003، كانت تلك القواعد والمواقع والتسهيلات عاملا أساسيا في العمليات العسكرية. كان القرار أمريكيا، لكن الحرب لم تكن أمريكية وحدها من حيث أدواتها الإقليمية.

أما سوريا، فتكشف جانبا آخر من المسألة. لم تحتج واشنطن إلى إدارة كل تفاصيل الحرب بنفسها. بعض حلفائها العرب تولوا أدوارا في التمويل والتسليح وتوفير شبكات الدعم لجماعات مسلحة، بينها جبهة النصرة وفصائل متفرعة عن تنظيم القاعدة. وبعيدا عن الجدل حول مواقف هذه الجماعة أو تلك، تبقى النقطة الأهم هي أن دولا عربية وضعت مواردها في خدمة صراع لم تكن هي من يحدد أهدافه الكبرى ولا نهاياته.

وفي ليبيا تكرر المشهد بصيغة أخرى. دخلت دول عربية على خط الصراع، وقدمت دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا لأطراف مختلفة، بينما كانت الولايات المتحدة والقوى الغربية حاضرة في المشهد الإقليمي. مرة أخرى، لم يكن العرب هم من يحددون وحدهم اتجاه الصراع، بل وجدوا أنفسهم داخل ترتيبات أكبر منهم، تحكمها حسابات القوى الدولية وفي مقدمتها واشنطن.

لكن المفارقة الأكثر قسوة تظهر عند فلسطين.

منذ بدء الحرب على غزة، انعقدت القمم العربية، صدرت البيانات، ارتفعت لهجة الإدانة، وتكررت الدعوات إلى وقف الحرب. ومع ذلك ظل الفعل الرسمي العربي دون مستوى المأساة، فيما بقيت علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل قائمة لدى عدد من الدول العربية. أمام هذا المشهد، يبدو السؤال مشروعا: هل تفتقر هذه الدول فعلا إلى أدوات الضغط؟

يصعب الاقتناع بذلك تماما إذا نظرنا إلى ما يحدث في ملفات أخرى. فعندما تكون هناك حاجة أمريكية إلى تحرك عسكري أو أمني أو لوجستي، يمكن أن تفتح القواعد والمجالات الجوية والموانئ، ويمكن أن تتشكل التحالفات بسرعة، ويمكن أن تتحرك الأموال والسلاح. أما في فلسطين، حيث تتعرض غزة لحرب مدمرة، فتبدو الإرادة السياسية عاجزة عن تحويل ما تملكه الدول العربية من أوراق إلى ضغط فعلي.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بموقف من إسرائيل، وإنما بطبيعة القرار العربي نفسه: متى تكون للدولة العربية حرية استخدام أدواتها، ومتى تصبح هذه الأدوات جزءا من منظومة تقرر واشنطن اتجاهها؟

اليمن يقدم مثالا أكثر وضوحا على ذلك. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لم يكن مستقبل اليمن مجرد شأن يمني داخلي. كانت هناك رغبة في إبقاء اليمن ضمن منظومة النفوذ الأمريكي في المنطقة، في حين قدم أنصار الله تصورا مختلفا يقوم على السيادة والاستقلال ورفض تحويل البلاد إلى ساحة نفوذ للقوى الخارجية.

وعندما اصطدمت الرؤيتان، لم تخض واشنطن الحرب مباشرة. اختارت السعودية للقيام بالدور العسكري، تحت عنوان دعم الشرعية اليمنية. وجاء ذلك في وقت كان فيه المبعوث الأممي جمال بنعمر قد قطع شوطا في التوصل إلى صيغة تفاهم بين الأطراف اليمنية، قبل أن تنهار تلك التسوية مع التدخل السعودي في اليمن، في سياق لم يكن منفصلا عن الحسابات الأمريكية في المنطقة.

المشهد اليمني يكشف بوضوح كيف يمكن لدولة عربية أن تتحول من طرف يملك مصالحه الخاصة إلى أداة لتنفيذ سياسة تتجاوز حدود تلك المصالح. السعودية كانت في الواجهة، لكنها لم تكن صاحبة المشروع الإقليمي الأكبر الذي يجري الاشتباك حوله.

هذه الأمثلة، على اختلاف ساحاتها وظروفها، تطرح سؤالا واحدا: هل أصبحت بعض الدول العربية جزءا من منظومة النفوذ الأمريكي إلى درجة تجعلها تتحرك داخلها أكثر مما تتحرك وفق حساباتها الوطنية؟

التحالف مع واشنطن في حد ذاته ليس جريمة سياسية، فالدول تبني تحالفاتها وفقا لمصالحها. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التحالف بديلا عن القرار المستقل، وعندما تتحول القواعد والتسهيلات والتمويل والعلاقات الأمنية إلى أدوات يمكن توظيفها في حروب لا تحدد الدولة العربية أهدافها ولا نتائجها.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: في فلسطين تبدو القدرة العربية محدودة إلى حد العجز، وفي حروب أخرى تظهر هذه القدرة عندما تتوافق مع ما تريده واشنطن. المسألة، إذن، ليست دائما مسألة قدرة، بقدر ما هي مسألة قرار: من يحدد متى تستخدم هذه القدرة، وفي أي اتجاه؟

شارك هذا الموضوع

يوسف مقران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!