حين يتقدم اليمين الأوروبي: هل يدفع المغرب والجالية المغربية ثمن التحول السياسي؟
ذ. يوسف مقران
لم يعد صعود اليمين واليمين المتطرف في أوروبا مجرد موجة انتخابية عابرة، بل أصبح تحولا سياسيا يفرض نفسه على المشهد الأوروبي، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية، وتصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. وفي إسبانيا وفرنسا، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى عمق العلاقات الثنائية، وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، ووجود جالية مغربية واسعة في البلدين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان صعود هذه القوى سيؤدي إلى مراجعة العلاقات مع الرباط، أم أن المصالح المتبادلة ستحد من تداعياته. ثم ماذا عن المغاربة المقيمين في البلدين، في ظل خطاب سياسي يزداد تشددا تجاه الهجرة، وتتصاعد فيه أحيانا نبرة العداء للأجانب؟
إسبانيا.. عندما تتحول الهجرة إلى ورقة انتخابية
في إسبانيا، يبرز ألبرتو نونييث فيخو، زعيم الحزب الشعبي المحافظ، بوصفه أحد أبرز المنافسين على قيادة الحكومة، في وقت يواصل فيه حزب فوكس اليميني المتطرف الضغط باتجاه سياسات أكثر تشددا في قضايا الهجرة والحدود والعلاقات مع المغرب.
ورغم الاختلاف بين الحزبين في المرجعية السياسية ودرجة التشدد، فإن تقاطع مواقفهما في بعض ملفات الهجرة يثير تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الإسبانية تجاه المملكة، خصوصا إذا أفضت الحسابات الانتخابية إلى تحالف بينهما.
لقد أظهرت أزمات الهجرة، ولا سيما الأحداث التي شهدتها سبتة، مدى سهولة انتقال الملف من دائرة التدبير الأمني والإنساني إلى ساحة المزايدات السياسية. ويزداد الأمر تعقيدا عندما يجري تقديم المغرب باعتباره طرفا مسؤولا عن أزمات داخلية إسبانية، أو عندما تصبح العلاقات الثنائية رهينة خطاب انتخابي يخلط بين ضبط الحدود وممارسة الضغط السياسي على الرباط.
ولا تقف أسباب التوتر المحتمل عند الهجرة وحدها. فملفا سبتة ومليلية يظلان من أبرز نقاط الخلاف التاريخي والسيادي بين البلدين، وقد يؤدي صعود حكومة أكثر تشددا إلى إعادة طرح قضايا ظلت محكومة، بدرجات متفاوتة، بمنطق التفاهم وتبادل المصالح.
لكن الحديث عن قطيعة محتملة بين البلدين سيكون سابقا لأوانه. فالمغرب شريك أساسي لإسبانيا في التجارة والاستثمار والتعاون الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة. وهذه المصالح تفرض على أي حكومة إسبانية حسابات تتجاوز الشعارات الانتخابية. ومع ذلك، لا تمنع المصالح المتبادلة احتمال تشديد الضغط على الرباط في ملفات بعينها، أو توظيف التعاون الاقتصادي والأمني لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
فرنسا.. شراكة مع الدولة وتشدد تجاه المهاجرين
في فرنسا، يطرح صعود التجمع الوطني، المرتبط سياسيا بمارين لوبان، أسئلة مختلفة، لكنها لا تقل أهمية. فالحزب جعل الهجرة والهوية الوطنية والأمن من أبرز محاور خطابه، ودافع عن إجراءات تقوم على تشديد شروط الإقامة والتجنس، وتقييد بعض الحقوق الاجتماعية للمهاجرين، وإعطاء الأولوية للمواطنين الفرنسيين في مجالات معينة.
ومثل هذه التوجهات، إذا انتقلت من الخطاب الانتخابي إلى السياسات الحكومية، قد تنعكس على أوضاع قطاعات من الجالية المغربية، خصوصا فيما يتعلق بالإقامة ولم شمل الأسر والتجنس والاستفادة من بعض الحقوق الاجتماعية. كما أن تصاعد الخطاب المعادي للهجرة قد يفاقم مشاعر التمييز لدى الفرنسيين من أصول مغربية، حتى قبل إقرار أي إجراءات قانونية جديدة.
غير أن العلاقة بين اليمين الفرنسي والمغرب ليست بالضرورة علاقة عداء شامل. فالحسابات المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية قد تدفع القوى اليمينية إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الرباط، بل إن بعض مواقف اليمين الفرنسي من قضية الصحراء قد تتقاطع مع التوجه المغربي.
هنا تبرز مفارقة سياسية لافتة: قد تتبنى قوة سياسية خطابا متشددا تجاه المهاجر المغربي داخل فرنسا، بينما تبدي استعدادا للتعاون مع الدولة المغربية خارجها. فالعلاقة مع المغرب تخضع لحسابات جيوسياسية ومصالح متبادلة، في حين تخضع الهجرة لحسابات انتخابية ترتبط بالهوية والأمن والسياسات الاجتماعية.
لذلك، فإن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا لا يعني بالضرورة تدهور العلاقات الدبلوماسية مع الرباط، لكنه قد يخلق وضعا تتعايش فيه الشراكة الرسمية مع تضييق محتمل على حقوق المهاجرين.
الجالية المغربية.. الحلقة الأكثر عرضة للتداعيات
إذا كانت العلاقات الرسمية محكومة بحسابات المصالح، فإن الجالية المغربية قد تكون الأكثر عرضة للتأثر المباشر بالتحولات السياسية. فالمغاربة المقيمون في إسبانيا وفرنسا ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة، بل مواطنون ومقيمون وعمال وطلبة وأسر يساهمون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلدين.
وقد تترجم السياسات المتشددة إلى تعقيد بعض مساطر تسوية الوضعية القانونية، وتشديد شروط الإقامة والتجنس ولم شمل الأسر، فضلا عن توسيع نطاق الخطاب الذي يربط المهاجرين بمشكلات الأمن والبطالة والخدمات العامة. ويكمن الخطر أيضا في أن يتحول هذا الخطاب إلى غطاء اجتماعي وسياسي لممارسات تمييزية تستهدف أشخاصا بسبب أصولهم أو أسمائهم أو انتمائهم الثقافي.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الجالية باعتبارها كتلة واحدة. فهناك مغاربة يحملون جنسية البلدين، وآخرون يقيمون بصفة قانونية، وفئات تعيش أوضاعا قانونية مختلفة، ولكل منها حقوق والتزامات ومسارات متباينة. كما أن المؤسسات القضائية والحقوقية والضمانات القانونية القائمة قد تشكل أدوات مهمة لمواجهة السياسات التمييزية.
والجالية المغربية ليست طرفا عاجزا أمام هذه التحولات. فحضورها في النقابات والجمعيات والجامعات والفضاء السياسي يمنحها إمكانات للدفاع عن حقوقها، وبناء التحالفات مع القوى الديمقراطية والمدنية، ومواجهة الصور النمطية التي تغذيها بعض الخطابات الانتخابية.
ما الذي ينبغي أن يفعله المغرب؟
لا يكفي أن تراهن الرباط على المصالح الاقتصادية والأمنية لتأمين علاقاتها مع الحكومات الأوروبية المقبلة. فالمصالح قد تحد من التوتر، لكنها لا تمنع استخدام ملفات الهجرة والتجارة والتعاون الأمني أوراقا للضغط السياسي.
المطلوب هو دبلوماسية مغربية قادرة على التمييز بين الخلاف السياسي المشروع والخطاب الذي يستهدف المملكة أو مواطنيها، مع الدفاع عن كرامة المغاربة وحقوقهم في الخارج. كما أن حماية الجالية لا ينبغي أن تقتصر على التدخل عند وقوع الأزمات، بل تستدعي حضورا قنصليا ومؤسساتيا مستمرا، وتنسيقا مع الهيئات الحقوقية والنقابية، ومتابعة دقيقة للتشريعات التي قد تمس أوضاع المغاربة.
وفي المقابل، تحتاج العلاقات المغربية الأوروبية إلى أساس أكثر توازنا، يقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيدا عن اختزال المغرب في دور حارس الحدود الأوروبية، أو التعامل مع الجالية المغربية باعتبارها مجرد ورقة في المفاوضات الثنائية.
المعركة ليست على الحكومات وحدها
قد يواصل اليمين الأوروبي صعوده، وقد يصل إلى السلطة في مدريد أو باريس، لكن تداعيات هذا الصعود لن تكون واحدة بالضرورة. ففي إسبانيا، تتداخل قضايا الهجرة مع الخلافات التاريخية والسيادية، ما يجعل احتمالات التوتر مع المغرب أكثر مباشرة. أما في فرنسا، فقد يتعايش التشدد تجاه الهجرة مع استمرار التعاون الاستراتيجي مع الرباط.
غير أن الخطر الأعمق لا يكمن في تغير الحكومات وحده، بل في تحول الخطاب المعادي للمهاجرين إلى موقف عادي ومقبول في النقاش العام، بما قد يجعل المواطنين من أصول أجنبية موضع شك دائم، حتى عندما يكونون جزءا أصيلا من المجتمع الذي يعيشون فيه.
إن صعود اليمين الأوروبي يضع المغرب أمام تحد مزدوج: الحفاظ على مصالحه وعلاقاته الدولية، والدفاع عن حقوق مواطنيه في الخارج. وبين هذين الهدفين، ستظل الجالية المغربية مقياسا حقيقيا لمدى احترام الشراكة بين ضفتي المتوسط لمبادئ الكرامة والمساواة والاحترام المتبادل.
