من باريس إلى لشبونة ولندن.. صرخة غضب قارية تهز عروش أوروبا
سمير سكاف
في ما يشبه “الربيع الأوروبي” تشهد القارة العجوز هزة اجتماعية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة! إذ تحولت التظاهرات التي انطلقت شرارتها الأولى من الضواحي الفرنسية وقطاع التعليم إلى “عدوى عابرة للحدود” تجتاح عواصم ومدناً أوروبية عدة... تصل الى لندن خلال أيام!
وتحت ضغط تراجع القدرة الشرائية، غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الطاقة، وأزمة السكن الطاحنة، وتراجع التقديمات الاجتماعية وتردي الخدمات التعليمية المدرسية والجامعية وارتفاع معدلات البطالة… خرج مئات الآلاف من المواطنين والطلاب والعمال إلى الشوارع، في مشهد أعاد للأجواء الأوروبية ذكريات الاحتجاجات التاريخية الكبرى.
ولكن هذه المرة تغلب طابع العنف والتخريب والنهب في فرنسا على المطالب الشعبية فخلّف خسائر مالية هائلة وسط شلل الشرطة وعجز السلطات عن حفظ الأمن أو عن المحاسبة!
1. فرنسا.. البؤرة المشتعلة والشرارة الأولى
انطلقت شرارة الاحتجاجات في فرنسا من رفض ظروف المدارس المتردية ونقص التمويل، لتتوسع بسرعة وتتحول إلى موجة عارمة ضد تكاليف المعيشة.
وقد شهدت الشوارع الفرنسية اعتقال نحو 2.500 شخص وسط أعمال شغب واسعة النطاق. وطالت الأضرار والتحطيم والنهب ما يقارب 3.000 متجر (بما في ذلك علامات كبرى مثل “لوي فيتون” و”أبل”).
وقد تمّ تسجيل أضرار بالغة طالت المباني الحكومية، أبرزها إحراق مبنى بلدية “ليموج” التاريخي الذي يعود للقرن التاسع عشر، وحرق أكثر من 350 سيارة، وإصابة أكثر من 1.000 عنصر أمن. وتمّ تقدير الخسائر بحوالى مليار يورو في يوم واحد!
2. إيطاليا.. مواجهات محتدمة في ميلانو تورينو وبولوغينا
انتقلت عدوى الغضب الفرنسي إلى المدن الإيطالية الكبرى، حيث خرج المتظاهرون للتنديد بتآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع.
وقد تحولت الاحتجاجات في وسط ميلانو إلى أعمال عنف، تخللها إحراق متاجر وإلقاء حجارة وقطع الطرق على قوات الأمن… مما أسفر عن إصابة عدد من عناصر الشرطة.
وقد امتدت الصدامات الأمنية وحالات الكر والفر إلى مدينتي تورينو وبولوغينا، وسط إدانات حكومية رسمية ومطالبات بضبط الأمن.
3. البرتغال وأزمة السكن الطاحنة
وعلى خطى الجارة الإسبانية، شهدت العاصمة البرتغالية لشبونة ومدينة بورتو مسيرات حاشدة كتعبير لنبض الشارع الغاضب من تضخم تكاليف السكن.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن أسعار العقارات في البرتغال تضاعفت بأكثر من الضعف (أكثر من 100%) بين عامي 2015 و2024، بمعدل يرتفع بنحو ضعفي متوسط الاتحاد الأوروبي، مما أخرج آلاف الأسر والشباب عاجزين عن تأمين أبسط مقومات الإسكان.
4. ألبانيا.. “ثورة الفلامنغو” واستمرار الضغط الشعبي
لم تقتصر الاحتجاجات على دول الاتحاد الأوروبي، بل امتدت لمنطقة البلقان حيث تشهد ألبانيا موجة احتجاجات متصاعدة ضد الحكومة.
وقد تفجرت الاحتجاجات أساساً على خلفية مشاريع استثمارية مثيرة للجدل في جزيرة “سازان” المحمية بيئياً، وتطورت لتتحول إلى مطالبات واسعة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما (الذي يحكم البلاد منذ عام 2013) وسط اتهامات مستمرة بالفساد، ونقص فرص العمل، وتردي قطاع التعليم.
الخلاصة
ما تشهده أوروبا اليوم ليس فقط مجرد حركات احتجاجية منفصلة، بل هو “صرخة إنذار قارية” متكاملة العناصر. والعدوى الفرنسية تتحول الى بقعة زيت من الغضب تتوسع الى كل الأرجاء الأوروبية!
وتتشابه فيها الأسباب، من تداعيات أزمة الطاقة وغلاء المعيشة إلى تراجع جودة الخدمات العامة والتعليم والسكن، لتنصهر جميعها في قناة غضب واحدة تنذر بتغييرات سياسية واجتماعية عميقة تترقبها القارة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
أقصى اليمين يخرج المنتصر الأكبر سياسياً في كل الدول الأوروبية، بتركيزه على مخاطر الهجرة واللجوء والتخريب والنهب والتشدد في العقوبات وعودة النظام!
