حين تفضح الأسرار صاحبات السلطة: حكايات نساء أسقطتهن الفضائح
شامة اليعقوبي
من حقيبة مستحضرات تجميل إلى شهادة دكتوراه، ومن لقاءات سرية إلى قوائم سوداء، أحيانا لا تحتاج السلطة إلى انقلاب كي تسقط، بل إلى سرّ صغير يخرج إلى العلن في اللحظة الخطأ. وما وقع للوزيرة المغربية التي تمت إقالتها في الحكومة الجديدة ببلاغ عام لا يتضمن أسبابا، وإنما إحالات على أخبار في الإعلام عن حدث وقع قبل سنوات وتتم روايته من زاوية واحدة .. يستدعي مشاعر متناقضة لما جرى لها وهو أصعب مما كان .. كما يستدعى ما جرى لنساء في مسؤوليات مختلفة في مراحل كثيرة يطرح أسئلة حول من المستفيد، ولماذا .. وهل فعلا ما وقع وقد كان جنحة .. يتحول من الزمن إلى إعدام.
وفي ما يلي بعض الحالات:
في إسبانيا لم تكن كريستينا سيفوينتس تتخيل أن علبة كريم تجميل ستصبح يوما جزءا من نهايتها السياسية. ففي صباح الخامس والعشرين من أبريل 2018، استيقظت مدريد على تسجيل مصوّر يعود إلى سنة 2011، يظهر رئيسة حكومتها الإقليمية وهي تفرغ حقيبتها أمام حارس أمن في متجر، بعدما اشتُبه في أخذها مستحضرات تجميل دون دفع ثمنها. قالت إن الأمر كان خطأ غير مقصود، لكن الفضيحة جاءت في توقيت قاتل.. إذ كانت تواجه أصلا اتهامات بالتلاعب في وثائق شهادة الماجستير. وفي اليوم نفسه، أعلنت استقالتها. هكذا اجتمعت شهادة جامعية مشكوك في سلامة إجراءاتها، وعلبة كريم لا يتجاوز ثمنه أربعين يورو تقريبا، ليضعا نهاية لرئاستها لحكومة مدريد.
وفي ألمانيا، كانت المفارقة أشد قسوة. فأنيته شافان، وزيرة التعليم والبحث العلمي في حكومة أنجيلا ميركل، لم تسقط بسبب قرار سياسي فاشل، وإنما بسبب أطروحة دكتوراه أنجزتها قبل أكثر من ثلاثين سنة. ففي فبراير 2013، قررت جامعة دوسلدورف سحب شهادتها، بعدما خلصت إلى أنها تضمنت انتحالا علميا متعمدا ومنهجيا، وقد نفت الوزيرة تعمد الغش، لكنها اضطرت إلى الاستقالة في التاسع من الشهر نفسه، ولعل أكثر ما جعل الحكاية مثيرة أن المرأة التي كانت مسؤولة عن حماية مصداقية البحث العلمي فقدت منصبها بسبب التشكيك في نزاهة بحثها الشخصي.
أما في بريطانيا، فقد كانت بريتي باتيل تعيش فصلا من رواية تجسس دبلوماسية. ففي نوفمبر 2017، كُشف أنها عقدت، خلال عطلة خاصة في إسرائيل، سلسلة لقاءات غير معلنة مسبقا للجهات الحكومية المختصة، بينها لقاء مع بنيامين نتنياهو. وتفاقمت الأزمة حين ظهرت تفاصيل أخرى عن اتصالاتها ومقترحاتها المتعلقة بالمساعدات البريطانية. استدعتها رئيسة الوزراء تيريزا ماي من زيارة رسمية إلى إفريقيا، وفي الثامن من نوفمبر قدمت استقالتها. غير أن سقوطها لم يكن نهائيا.. بحيث عادت لاحقا إلى الحكومة، لتؤكد أن بعض الفضائح تُنهي المناصب ولا تُنهي بالضرورة المسارات السياسية.
وفي كوريا الجنوبية، لم تكن الفضيحة شخصية ولا أكاديمية، ولكنها مست جوهر علاقة السلطة بالثقافة، فقد وجدت تشو يون سون، وزيرة الثقافة، نفسها سنة 2017 وسط قضية قائمة سوداء ضمت آلاف الفنانين والمثقفين المنتقدين للحكومة، بهدف تقييد استفادتهم من الدعم العمومي. اعتُقلت الوزيرة وقدمت استقالتها، ثم واجهت المحاكمة.
لكن الحكاية الكورية لم تتوقف عند الوزارة، ففي العاشر من مارس 2017، أيدت المحكمة الدستورية عزل الرئيسة بارك غن هي، بعدما هزت البلاد فضيحة استغلال النفوذ المرتبطة بصديقتها المقربة تشوي سون سيل، وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع خلال الأزمة، وانتهت إحدى أقوى النساء في آسيا خارج القصر الرئاسي، بعد أن كانت أول امرأة تُنتخب لرئاسة كوريا الجنوبية.
ما يجمع هذه الحكايات ليس أن النساء أكثر عرضة للفضائح من الرجال، ولا أن كل اتهام يعني إدانة. إنها، ببساطة، تذكير بأن السلطة لا تمنح أصحابها حصانة من الماضي، وأن سقوط المسؤول قد يبدأ أحيانا من تفصيل يبدو تافها، ثم يتحول، تحت أضواء الصحافة والرأي العام، إلى سؤال كبير عن الثقة والنزاهة.
ففي السياسة، قد يستغرق الصعود عقودا، بينما تكفي دقائق من تسجيل قديم، أو صفحات من أطروحة منسية، لكي يبدأ السقوط.
