رواية “عقاب الشهوات” للمعطي قبال: بين أسطورة القبيلة وسينوغرافيا العنف
إصدارات:
صدر للكاتب المعطي قبال، عن منشورات “توبقال” بالدار البيضاء، برعاية مجلس الجالية المغربية بالخارج. نص روائي في عنوان Le châtiment de la chair «عقاب الشهوات»، فيما الترجمة الحرفية للأصل الفرنسي تطابق عنوان: «عقاب اللحم».
نحن هنا بصدد مرجعية تستحضر الجنس، الحب، والعنف في صيغهم القصوى واللاسوية أحياناً. على طريقة بورخيس (الذي تقوم تقنيته على التمويه لما ينسب الحكي التاريخي لأحد الأفراد أو لمؤرخين مزيفين أو الذين لا وجود لهم)، يتدخل في هذه الرواية المؤرخ محمد ابن الزيات للإشارة في كتابه المزعوم «صفحات مغمورة من تاريخ قبائل المغرب» (الذي توجد نسخته الوحيدة بالخزانة الوطنية بباريس)، للإشارة إلى قبيلة “سيدي بوبريك” المعروفة بعنفها وأطوارها الغريبة.
عن الزيات لا ندري شيئاً سوى ما ذكره المؤرخ أبو القاسم الزياني من أن هذا الأخير يتعامل مع التاريخ بخفة، وبالتالي لا يمكن اعتباره مؤرخاً بل حكواتياً لا غير. المهم أن الزيات خصص قسماً بأكمله لقبيلة “سيدي بوبريك”؛ التي بنت أسطورتها على العنف، السحر، الشعوذة، والجنس… الشيء الذي كان سبباً في تفككها على مر الأزمنة.
ويعود نسب القبيلة إلى حضرموت. بعد العديد من الرحلات والتيه في البراري والصحاري رفقة ابن آوى، الأفاعي والثعالب، وتكالب تقلبات الطقس مراراً من العواصف الرملية إلى رياح الصحراء المثلجة ليلاً، نجح بعضهم في الوصول أمام أبواب فاس. كانت فاس عاصمة البلاد تحت قيادة السلطان مولاي الحسن الأول. في ذلك اليوم انفلقت السماء لترخي رعداً رهيباً لم يلبث أن تحول إلى أمطار رملية. بأمر من الحاجب با أحماد، أقيم الفرسان داخل “زريبة” لامتحان قدراتهم على تحمل الجوع، البرد، والعزلة. في اليوم الخامس، وبأمر من السلطان مولاي الحسن الأول، «أطلق سراحهم» حيث ألحقهم با أحماد بالجنود السلطانية التي بلغ عددها آنذاك عشرة آلاف جندي. في أول خرجة له إلى ميدان المعركة، تألق بوبريك وجنوده بقطعهم للكثير من الرؤوس، بترهم للأذرع، وبطرهم للبطون بعنف قل نظيره.
على مر الحركات (بِسكون الراء) والهجمات، ذاعت شهرة بوبريك لدى السلطان وبين صفوف العدو، وكان الفريق رفقة السلطان عند نزوله إلى منطقة “تادلة” التي كانت بها جيوب السيبة منتشرة في أكثر من مكان. لكن السلطان لم يتمم مهمته حيث سقط مريضاً، ولم يستطع النجاة من المرض الذي فتك به، حيث توفي في الحادية عشرة صباحاً من السادس من يونيو عام 1894. وتكلف با أحماد بسينوغرافيا إبقائه على قيد الحياة وهو ميت. بعد عودة الركب إلى الرباط، وبما أن القائد بوبريك كان متعلقاً بالسلطان ومحباً لخصاله وسياسته، هزَّ الرحال رفقة عائلته وبعض من جنوده المقربين في اتجاه وسط البلاد، إلى أن وصلت القافلة إلى كدية تطل على الجهات الأربع ليحط بها الرحال.
تنقلنا بعد ذلك الرواية إلى مرحلة تأسيس بوبريك لمرحلة جديدة تقوم على السلطة والعقاب. واستمرت الحياة بالمكان الذي عرف جيلين جديدين من أحفاد بوبريك الذي بقي محافظاً على قوته البدنية والجنسية، بحيث كان يتمتع بملذات أربع نساء. وقد تزاوجت الإشاعات مع شهادات نساء بوبريك للإشارة أن الرجل كان يتمتع بعضو جنسي لا مثيل له، والطامة الكبرى أن أبناءه ورثوا عنه هذه «البركة»! وبسبب غيرة الزوجة الأولى “فاطنة”، هيأت له كوكبتيلاً مسموماً عجل بوفاته.
تنقلنا الرواية بعدها إلى بعض من عينات الأحفاد، ذكوراً وإناثاً، حافظوا على حرمة المكان ليجعلوا منه محجاً لكل من «انطفأت» شهواته ورغباته الجنسية! هكذا تنزل بورجوازيات وافدات من الدار البيضاء أو الرباط في بيوت مظلمة، قبل أن يدخل عليهن رجال «مفتولو القضيب» لهزهن إلى السماء السابعة.
تعرض علينا الرواية، في مزيج من السخرية القادحة، بورتريهات لكل من: فاطنة، التي التحقت بمجموعة من الشيخات بزعامة ميلودة؛ وردية التي كادت أن تبتلعها أنفاق حانات الدار البيضاء لولا حبلها وفرارها من شخص في اسم العبدي. فيما بعد، وهو في سن المراهقة، يتحول ابنها الهادي إلى سفاح يفتك بالعاهرات وبالبورجوازيين، «لغسل المدينة من الرذائل والعاهات». في أحد الأيام، فيما كان ابن عمه المكنى بـ “العوينة” يلعب بأحد الفيلات بحي النخيل بمراكش أدواراً إباحية في فيلم جنسي، انقض عليه ليطعنه بسلسلة ضربات بمديته. ثم هناك حسن، المفرط في معتقده الديني والذي يسعى إلى إقامة دولة إسلامية متطرفة.
لكن يبقى بورتريه “الجيلالي”، أستاذ اللغة الفرنسية بخريبكة، أفضل توصيف ناجح يقترحه علينا المعطي قبال. تخلى الجيلالي عن التعليم، أطلق شعره ليتحول إلى “بوهالي” متسكع. ولما تعب من إنهاك الباغيات، نفض عنه الوسخ والكسل وقصد محطة الحافلات المتجهة نحو الجنوب. بالحافلة المتجهة صوب طرفاية، تعرف على فتاة فرنسية تدعى “لو”، مسافرة في نفس الاتجاه لإنجاز عمل أدبي عن أنطوان سانت إيكزيبيري. بعد توقيف الجيلالي خلال فحص لهوية المسافرين من طرف الدرك الملكي بسبب اسمه العائلي، غيرت “لو” طريقها في اتجاه الرباط للاتصال بالجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان وبالسفارة الفرنسية. لما أطلق سراحه، يعود الجيلالي إلى مشواره ليجد “لو” في انتظاره تشتغل على كتابها، وحدثت بينهما معجزة الغرام لما ذاقت الفتاة من قضيبه المفتول!
تتداخل عناصر الرواية في نوع من التشويق الدرامي والسخرية اللاذعة، لتعرض علينا عالماً لا يعرف شظاياه، إمتاعاته، ومرارته سوى الكاتب الذي يطرحه على الصفحة البيضاء.
