شهادة من عتمة درب مولاي الشَّرِيف
♦ تحتل شهادات ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب مكانة بارزة في الذاكرة الوطنية الجماعية، باعتبارها وثائق حية ومقاومة أخلاقية ضد النسيان. النص التالي لبلعيد البوسكي يوثق لاختطاف قسري مؤرخ في الثالث والعشرين من أكتوبر سنة 1985، جحيم معتقل “درب مولاي الشريف” بالدار البيضاء، حيث تسقط الألقاب وتنتزع الأسماء لتتحول الذوات الإنسانية إلى مجرد أرقام في مهب الساديّة المؤسسية.
إنها شهادة تنبش في تفاصيل اليومي المأساوي داخل الأقبية: من قسوة أسلوب “الشيفون” وجحيم الاختناق بمرض الربو، إلى تحكم الحراس في أبسط الحقوق البيولوجية، مرورا بصور التضامن الإنساني النبيل بين الرفاق. إن النص لا يسرد مجرد آلام فردية، بل يعري بأسلوب توثيقي عميق كيف يتحول الجسد المعذب إلى مساحة للمواجهة والصمود، وكيف تظل الذاكرة الحية الحصن الأخير في وجه محاولات محو الهوية والإنسانية.
بلعيد البوسكي
اختُطفت يوم 23 أكتوبر 1985، وأُودعت المعتقل السري سيئ الذكر درب مولاي الشريف، بحي المحمدي بالدار البيضاء، حيث مورست عليّ مختلف أشكال التعذيب النفسي والجسدي. ومن بين أساليب التعذيب التي تعرضت لها أسلوب «الشيفون»، الذي كان يُستعمل داخل الفم، في ظروف قاسية ومهينة، رغم معاناتي من مرض الربو (الضيقة)، وما يفرضه ذلك من صعوبات في التنفس.
كنا نُجبر على ارتداء البدلة الكاكية، معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي، ونظل ممدّدين على الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، تحت ضوء لا ينطفئ ليلًا ولا نهارًا. كانت ظروف الاعتقال تجردنا من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، وتحول أجسادنا إلى موضوع دائم للمراقبة والإذلال والتعذيب.
حتى الذهاب إلى المرحاض، وهو حق طبيعي لا يحتاج إلى تبرير أو إذن، كان يفرض علينا المناداة على الحراس تحت اسم “الشاف” أو ” الحاج” وانتظار موافقتهم. وهكذا أصبح قضاء الحاجة خاضعًا لمزاج الحارس، الذي يملك وحده سلطة السماح أو المنع، في انتهاك صارخ لكرامة المعتقل وحقوقه الأساسية.
داخل هذا المعتقل السري، لم يعد الإنسان يُنادى باسمه، بل أصبح مجرد رقم من بين الأرقام، في محاولة لمحو هويته وتجريده من إنسانيته.
وبحكم معاناتي من مرض الربو، كنت أستعين ببخاخ الاستنشاق Ventoline لتسهيل التنفس. وخلال فترة اعتقالي، التي امتدت لأكثر من شهرين، كان ضباط الاستنطاق يأخذون مني هذا الدواء ويقدمونه إلى أحد المختطفين الذي كان يعاني بدوره من مرض الربو، وهو الشهيد أمين التهاني، الذي استشهد تحت التعذيب. وتكشف هذه الواقعة جانبًا من المأساة التي كنا نعيشها داخل المعتقل، حيث لم تكن الرعاية الصحية حقًا مضمونًا، بل كان الحصول على الدواء نفسه خاضعًا لظروف الاعتقال وإرادة المسؤولين عنه.
ورغم المنع الصارم للكلام بين المعتقلين، كنا نحاول، بوسائلنا المحدودة، كسر العزلة المفروضة علينا، والحفاظ على روابط التضامن الإنساني فيما بيننا. وأتذكر الرفاق كانوا معي في الغرفة المرحوم نورالدين الخمالي والراحل عبدالرحيم الخالدي، العربي مكتفي، أحمد بن مسعود، عبدالحق مصدق، عبدالباقي اليوسفي وشوقي مولاي هاشم وعبدالرحيم تفنوت. كان الرفيق عبد الرحيم تفنوت، الذي كان بجانبي في الغرفة، نموذجًا لهذا التضامن. فقد اقترح عليّ أن يشتري لي دواء الربو، مستعدًا لتقاسُم ما كان يتوفر لديه من نقود عند اعتقاله، حتى يساعدني على مواجهة معاناتي مع المرض في تلك الظروف القاسية.
في قلب المعتقل السري، حيث كان التعذيب والتهديد والخوف أدوات للسيطرة على المعتقلين، ظل التضامن الإنساني يشكل مقاومة يومية لمحاولات عزلنا عن بعضنا البعض وتجريدنا من إنسانيتنا.
إن غياب الضمانات القانونية للاعتقال، وحرمان المعتقلين من الرعاية الصحية، وإخضاعهم للتعذيب والتهديد، كلها ممارسات جعلت من درب مولاي الشريف فضاءً لانتهاك الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية. ومع ذلك، لم تستطع تلك الظروف أن تمحو روابط التضامن بين المعتقلين، ولا أن تلغي تمسكهم بإنسانيتهم في مواجهة القهر والإذلال.
نيويورك 23 اكتوبر 2026
