غاستون باشلار: عزلة حالم الشّمعة
ترجمة: سعيد بوخليط
”عزلتي متحفِّزة سلفا كي تحرق من سيحرقُها” (لوي إيميه، اسم النّار، ص 14)
بعد تمهيد مقتضب، وضعت بين فقراته الخطوط العريضة حول موضوعات البحث التي ينبغي لمؤرِّخ الأفكار والتّجارب اقتفاء أثرها، أعود ثانية إلى وظيفتي البسيطة كباحث في الصّور، صور في غاية الجاذبية كي ترسّخ تأمّلا شاردا. يستدعي لهيب شمعة تأمّلات ذاكرة شاردة تعيدنا إلى ذكرياتنا السّحيقة، وكذا وضعيات مسامرات منعزلة.
لكن هل وحدها الشّعلة المنعزلة، تفاقم عزلة الحالم، هل تواسي تأمّله الشّارد؟ لقد قال ليشتنبرغ بأنّ الإنسان يحتاج إلى صحبة معينة لكن عندما يحلم منعزلا أمام شمعة مضيئة يشعر بوحدة أقلّ. تأثر ألبير بيغان بهذا الفكر فاختار عنوان ”الشّعلة المضيئة”(1) للمبحث الذي خصّصه لجورج ليشتنبرغ.
بيد أنّ كلّ ”موضوع” تكتسيه خاصّية منفردة حينما يصير ”موضوع تأمّل شارد”. كم يبدو هذا التطلّع عظيما بخصوص إمكانية تشكيل متحف قوامه ”مواد حُلُمية”، استلهمت خاصية من هذا القبيل بفضل تأمّل شارد معتاد حول أشياء مألوفة. بالتّالي يغدو لكلّ شيء داخل المنزل ”نسخة ثانية”، ليس طيفا شبحيا لكن صيغة خيالية تلاحق الذّاكرة، وتضفي الحياة ثانية على ذكرى.
نعم، ينطوي كلّ موضوع كبير على شخصيته الحالمة.بهذا الخصوص امتلكت الشّعلة المنعزلة شخصية مغايرة غير نار موقد تلعب دور تسلية شخص بصدد تحريك جمر موقد النّار.بوسع الإنسان أمام نار مسهبة مساعدة الحطب على الالتهاب، واضعا مزيدا من الحطب خلال الوقت المطلوب.الشّخص الذي يعلم كيف أن يتدفّأ يحافظ على فعل لبروميثيوس، يعدّل تصرفات بروميثيوس الصّغيرة، من هنا كبرياؤه باعتباره محرّكا مثاليا للجمر.
الشّمعة تحترق وحدها دونما حاجة إلى خادم.لم تكن طاولاتنا في حاجة إلى مِقْراض أو إناء الاحتفاظ به بعد عمليات قطع فتيل شمعة. فيما يخصّني أستحضر زمن الشّعل على كل حال من خلال زمن ”الشّموع المُجَوَّفة”.تنساب دموع خفيّة على امتداد تلك القنوات المسيلة للدموع.مثال جيّد يحتذى به لدى فيلسوف متذمِّر! لقد أدرك ستاندال سلفا طريقة اكتشاف الشّموع الجيّدة. تحدّث في عمله ”مذكِّرات سائح”،عن اهتمامه بالذّهاب عند أفضل بقّال في المكان حتى يقتني أجود الشّموع بدل تلك الإضاءات القذرة التي وضعها صاحب الفندق.
إذن يلزمنا عبر ذكرى شمعة جيّدة العثور ثانية على رؤانا الحالمة خلال فترات العزلة.الشّعلة وحيدة، طبعا و حيدة، غير راغبة سوى في البقاء وحيدة. لقد حاول عبثا أحد فيزيائي الشّعلة خلال نهاية القرن الثامن عشر ضمّ شعل شمعتين : وضع الشّموع في شكل فتيلة ضدّ فتيلة.غير أنّ الشّعلتين المنعزلتين،في خضمّ انتشائهما بالنموّ والارتقاء،لم تأبها بالتّآلف واحتفظت كلّ واحدة منهما بمقدرتها على البعد العمودي،وكذا مراعاتهما في قمّتهما على ليونة أوجهما.
كم هي فوضى الرّموز حسب ”تجربة” هذا الفيزيائي بالنسبة لفؤادين شغوفين يحاولان بلا جدوى مساعدة أحدهما الثّاني على الاحتراق!
على كل حال، أن تكون الشّعلة لدى الحالم رمز كائن منهمك بصيرورته ! الشّعلة هي كائن- صيرورة، ثم صيرورة-كائن.الاحساس بشعلة وحيدة وكاملة،شعلة داخل نفس دراما كائن-الصّيرورة،عبر تدمير الذات إبّان الاستنارة، مثلما هي الأفكار المتسلّلة بين طيّات صور شاعر كبير. لقد كتب جون دو بوشير :
أضاعت أفكاري رداءها مع النّار
بماذا أقرّ لها؛
يستهلكها حريق نار أنا مصدرها وغذاؤها.
غير أنّه لستُ كذلك.
أنا في الباطن، عند نواة الشّعل.
غير أنّه لستُ كذلك. (2)
أن تغدو مركز شعلة ! صورة كبيرة وقويّة لديناميكية متآلفة! لاترتجف قط شعل جون دو بوشير، شعل شيطان العتمة. يمكننا تناولها باعتبارها رمز عمل كبير.
تجد شجاعة جون دو بوشير الحيوية نموذجها مع شعلة فعالة ”تمزّق رداءها”.لكن هناك شعل ذات عزلة أكثر طمأنينة. تتكلّم بكل بساطة عن وعي منعزل. لقد أخبرنا شاعر بواسطة خمس كلمات عن بديهية مواساة بلورتها عزلتان:
شعلة وحيدة، أنا وحيد (3).
الحزن أو التّسليم؟ التّعاطف أو الإحباط؟ ما إيقاع هذه الدعوة إلى تواصل مستحيل؟
هي تحترق وحيدة، وهو يحلم وحيدا، رمز كبير، وكذا رمز ثنائية غير مفهوم. يحيل الأول على امرأة يقتضي الوضع بقاءها وحيدة تماما حينما تغلي دواخلها نارا، دون أن تنبس ببنت شفة، بينما يشير الثّاني إلى رجل صموت يمتلك فقط عرض عزلته.
مع ذلك، أيّ ترصيع يطبع عزلة كائن بوسعه أن يَعشق ويُعشق! لقد أخبرنا الرُّومانسيون عن الجماليات العاطفية وهذه الغراميات المتوارية، وكذا الشُّعل غير المعلنة. يالها من رواية بوسعنا تدبيجها إذا أمكن اقتفاء أثر الحوار الذي بدأه تريستان تزارا :
شعلة وحيدة، أنا وحيد
لكن ألا يتواصل هذا الحوار صمتا، من خلال صمت كائنين منعزلين؟
غير أنّه، يلزمنا التكلّم أثناء الحلم. يحنّ الحالم إلى الماضي خلال تأمّله الشّارد اللّيلي بمحاذاة قنديل، يقتات على ماض وهميّ. يحلم الحالم بما كان ينبغي حدوثه، يحلم متمرّدا على ذاته، والمفترض وقوعه، وما وجب عليه القيام به.
يهدأ التمرّد ضد الذّات ضمن إيقاع تموّجات التأمّل الشّارد. يعود الحالم إلى حنين تأمّل شارد، يمزج بين ذكريات فعّالة وذكريات التأمّل الشّارد. أكرّر، بأنّه عبر هذا التّمازج نغدو مرهفي الحساسية حيال التأمّلات الشّاردة الصّادرة عن الآخرين. يتواصل حالم لهيب شمعة مع الحالمين الكبار بحياة سالفة، في إطار ذخيرة كبيرة للحياة المنعزلة.
إذا أمكن لكتابي التّعبير عما أريده لمضمونه، واستطعت نتيجة قراءة متون الشّعراء تجميع مايكفي من مآثر التأمّلات الشّاردة بهدف تكسير الحاجز الذي يحول بيننا ومملكة الشّاعر، أحبّ العثور عند نهاية مختلف الفقرات، وكذا منتهى لغة متواليات صور، على الصّورة النّهائية حقا، التي تتحدّد باعتبارها صورة مفرطة حسب حكم الأفكار المنطقية. يأخذ تأمّلي الشّارد وجهته أبعد من رؤى أحلامي بفضل مساعدة خيال الآخرين.
قصد التعبير عن ماوراء ذكريات العزلة وكذا ذكريات المعاناة، أستحضر أمام شعلة شمعة مع هذه الفقرة المقتضبة وثيقة تاريخية لصاحبها تيودور دو بونفيل تتكلّم عن سهرة الشاعر دي كامويش. عندما يتحدّث شاعر وُدِّيا عن شاعر ثان، يعتبر قوله صحيحا بشكل مضاعف.
أكّد تيودور دو بونفيل بأنّ الشّمعة انطفأت مع ذلك واصل دي كامويش كتابة قصيدته على وهج عيني قطّته.(4) ضوء ناعم ومرهف يلزم تمثّله باعتباره يتجاوز كلّ ضوء تافه. توقف صنيع الشّمعة، لكنّها مع ذلك موجودة. لقد بدأت سهرتها، عندما باشر الشاعر كتابة قصيدته. تضطلع الشّمعة بحياة مشتركة، حياة مستلهمَة وملهِمة مع الشّاعر الملهَم.
يكشف الشّاعر للشّمعة ولهيبها الملهِم من خلال مقاطعه الِشّعرية عن حياته الخاصة والمتحمِّسة. تغدو لكلّ أشياء طاولة جلوسه بريق هالتها. تجلس القطّة هنا، فوق طاولة الشّاعر؛ ذيلها المفرط بياضا، قريب جدّا من المحبرة. تراقب سيّدها وكذا مضيّ مفعول أصابع يده على مساحة الورقة. نعم، تتأمّل الشّمعة والقطّة الشّاعِرَ بنظرة مفعمة بالنّار. تُختزل مختلف التّفاصيل إلى نظرة ضمن نطاق عالم صغير عنوانه طاولة مضاءة في خضمِّ عزلة مثابر. إذن، كيف لا ينظر الجميع إلى حافز نظرته وكذا اندفاع ضوئه؟ تراجع أحدهما يعوّضه زيادة تعاون الآخرين.
الآخرون الضّعفاء لهم وجهة ثانية أكثر رهافة، وأقلّ فظاظة من الكائنات القويّة. تواصل عزلة اللاّ-شعلة اصطدامها بعزلة الشّعلة. يحظى كل موضوع في العالم بالحبّ جرّاء قيمته، يستحقّ عدمه الذّاتي. يصبّ كل كائن وجودا،شيئا من الوجود، طيف وجوده، في لا وجوده الذّاتي.
إذن، في إطار رهافة توافقات يتطلّع فيلسوف فائق الرّؤى بين الكائنات و اللاّ-كائنات، بوسع كائن عين قطّة تعويض وجود شمعة. بدا مشهد دي كامويش كبيرا جدا وهو بصدد الكتابة ليلا! مشهد من هذا القبيل يمتلك زمنه الخاص (5). تتوخّى القصيدة نفسها بلوغ خاتمتها، ويسعى الشّاعر إدراك هدفه. كيف لا نرى بأنّ عين قطة تمثّل مصدرا ضوء خلال لحظة قصور الشّمعة؟ بالتّأكيد لم تشعر قطّة دي كامويش بالفزع حينما تعطّل عمل الشّمعة. تعتبر القطّة، هذا الحيوان المصباح الليلي، كائنا يقظا يراقب خلال نومه ويواصل سمره في إطار توافق ضوئي مع وجه الشّاعر المضاء عبقرية.
حاليا بفضل صورة مفرطة امتلكنا حساسية حيال دراما ضوء صغير، ويمكننا التحرّر من امتيازات حتمية صور مرئية. الحلم منعزلا وهادئا أمام شمعة، يشعر صاحبه فورا بأنّ هذه الحياة المتوهّجة كذلك حياة تتكلّم. يعلّمنا الشّعراء أيضا الاصغاء.
الشّعلة الضوضاء، الشّعلة الأنين. كائن يكابد، تنبعث همسات كئيبة من تلك النّار. كل ألم صغير بمثابة ألم عن العالم. يعثر ثانية قارئ لمؤلّفات فرانز فون بادر Baader، عن شظايا الوميض بشكل مصغّر وصامت، عبر صرخات شمعته. يسمع صوت الكائن الذي يحترق،من خلال دلالات كلمة” schrack’‘)الطّقطقة( التي أخبرنا أوجين سوزيني بأنّها غير قابلة التّرجمة من اللّغة الألمانية الى الفرنسية (6). من الغريب ملاحظة ارتباط الموضوعات التي لاتقبل التّرجمة من لغة الى ثانية، بظواهر الصّوت والرّنين.يمتلك الفضاء الصّوتي للغة أصداءه الخاصّة به.
لكن هل ندرك حقّا استيعاب بين طيّات لغتنا الأمّ مختلف الأصداء البعيدة التي يتردّد صداها في جوف الكلمات؟ حينما نقرأ الكلمات، نراها ولانستمع إليها. كم الإيحاء الذي جسّده لديّ معجم المحاكاة الصّوتية الفرنسية لشارل نوديي، بحيث تعلّمت منه أن أستكشف بالأذن تجويف مقاطع البناء الصّوتي لكلمة. كم كنت مندهشا ومنذهلا، عندما أدركت بأنّ كلمة وميض بالنسبة لأذن شارل نوديي، محاكاة صوتية للهيب شمعة! حتما تتأثّر العين، ويرتجف الحاجب لحظات ارتعاش الشّعلة. لكنّ الأذن التي منحت نفسها كليا إلى وعي الاصغاء التقطت سلفا انزعاج الضّوء. نحلم، ولانشاهد قط. ثم ها هو مجرى أصوات الشّعلة يتدفّق سيّئا، تتصلّب مقاطع لهيب الشّعلة. نصغي فعلا: الشّعلة تومض. ينبغي على الكلمات الأوّلية محاكاة مانسمعه قبل ترجمة مانراه. تتصادم المقاطع الصّوتية الثّلاث للهيب الشّمعة الذي يومض، كما تتصادم الواحدة مع الأخرى. يرفض كلّ مقطع (cli,gno,ter) الانصهار في الثّاني. يندرج انزعاج الشّعلة ضمن عداوة ثلاث مقاطع صوتية. لا يتوقّف حالم الكلمات عن إبداء تعاطفه نحو هذه المأساة الصّوتية. تعتبر كلمة وميض (clignoter) إحدى الكلمات الأكثر ارتجافا في اللّغة الفرنسية.
آه! تنساب هذه التّأملات الشّاردة بعيدا جدا. لا يمكنها الانبثاق سوى مع ريشة فيلسوف تائه خلف رؤاه. يتجاهل العالم الحالي حيث الوميض إشارة يدرسها الأطبّاء النّفسانيون، و”الإشارة”آلية تنصاع إلى أصبع سائق السيّارة. غير أنّ الكلمات، عندما تمنح ذاتها الى أشياء كثيرة، تفقد ميزة وفائها. تنسى الشّيء الأوّل المألوف جدا ويحظى بألفة أولى. الحالم أمام شمعة أو قنديل، هو حالم يتذكّر صحبته لمصباح ضوء صغير يختبر ثانية البساطة الأولى حين قراءته شارل نوديي.
مثلما أشرت في التّوطئة، يصبح حالم الشّعلة بسهولة مفكّر شعلة. يتوخّى فهم السّبب الذي جعل فجأة كائن الشّعلة الصامت يئنّ. هذه الطّقطقة بالنسبة لفرانز فون بيدير : ”تسبق كلّ التهاب، كيفما جاء سواء صامتا أو صاخبا”. إنّه نتاج ”تلامس مبدأين متعارضين حيث الواحد منهما يضغط على الثّاني أو يكون تابعا له”. دائما يلزم على الشّعلة أثناء احتراقها الالتهاب ثانية، الحفاظ على قيادة ضوئها، ضدّ مادة خشنة. إذا امتلكنا أذُنا أكثر رهافة، سنصغي لمختلف أصداء هذه الانفعالات الحميمة. تمنح الرّؤية اتّحادات غير مكلّفة. في المقابل، يستحيل اختصار هزيز الشّعلة. تخبرنا الأخيرة عن مختلف النّضالات التي تقتضي الإصرار عليها من أجل الحفاظ على وحدة.
لكنّ أفئدة متوتّرة أكثر لا تهدأ مع نظرات كونية، تدرج ويلات شيء معيّن داخل جهنم كونية. بالنّسبة لحالم الشّعلة، المصباح رفقة موصولة بحالات روحه. إذا ارتجفت، فلأنّها تدفع قلقا يعكّر صفو كلّ زوايا الغرفة. خلال لحظة وميض الشّعلة، هاهو الدّم نفسه يومض داخل فؤاد الحالم. الشّعلة متوتّرة، والنَّفَس له رعشاته داخل حلق الحالم. إنّ حالما، متوحّدا فيزيائيا جدا مع حياة الأشياء، يضفي تهويلا على عديم القيمة .تغدو لمختلف تلك الأشياء دلالة إنسانية عند هذا الحالم عبر تأمّله الشّارد المتأنّي. يمكن ببساطة شديدة تجميع وثائق عدّة حول التوتّر البديع للضّوء النّاعم. يوحي لهيب شمعة ببشائر. أقدِّم مثالا سريعا.
خلال ليلة رعب، يتسلّلٌ مصباح أوغست ستريندبرغ :
“سأفتح النّافذة. يهدِّد تيّار هوائي إطفاء المصباح.
يشرع المصباح في الشّدو، الأنين، والنّحيب”(7).
أعيد التّذكير بأنّ هذه الحكاية كتبها ستريندبرغ مباشرة بالفرنسية. تصدر الشّعلة نحيبا، مادامت تنطوي على وَجَعٍ طفولي، بالتّالي تعمّ التّعاسة مختلف أرجاء الكون. يدرك ستريندبرغ مرّة أخرى بأنّ مختلف كائنات العالم تتكهّن له بمحن. أليس النّحيب وميضا على النّمط البسيط، مع عينين مغرورقتين دموعا؟ أليس تعبير دموع في الصّوت، محاكاة صوتية لشعلة سائلة نجد الإشارة اليها بين الفينة والأخرى، ضمن فلسفة النّار؟
في صفحة أخرى من نفس الحكاية (ص 205)، يشتبه ستريندبرغ في سوء نية الضّوء : يستحضر صخب الشّمعة محنة (8) :”أوقدت شمعة كي أقضي وقتا في القراءة. يسود صمت كئيب، وأسمع نبض قلبي. يهزّني ضجيج خافت حادّ أشبه بشرارة كهربائية. ما هويّة ذلك؟ كتلة كبيرة من حمض الشّمع تهاوت أرضا. مجرّد ذلك، شكّل تهديدا بالموت”.
بالتّأكيد، نفسية ستريندبرغ مرهفة الحساسية، تنتبه إلى أبسط مآسي المادّة. أيضا يثير فحم الكوك في موقده، تنبيهات حينما يتفتّت أكثر بالاحتراق، وتلتحم الرّواسب بكيفية سيّئة. لكن تغدو الكارثة أكثر نعومة وأكبر في الوقت نفسه حينما تأتي من الضّوء.ألا يمنح المصباح والشّمعة نارا أكثر إنسانية؟ أليست النّار مصدرا لأكبر قيمة، مادامت تمنح ضوءا؟ اضطراب على مستوى قيم الطبيعة يمزّق فؤاد حالم يطمح كي يعيش في سلام مع الكون.
تجب الإشارة إلى انتفاء أثر تمرين رمزي، في خضمّ توتّر ستريندبرغ أمام شقاء الشّعلة. الحدث هو كلّ شيء. يتحدّد مهما كان صغيرا، باعتباره بروزا للرّاهن. نلغي بسهولة صبيانية هذه السخافة ثم نندهش للمكانة التي تشغلها بين طيّات سرد مفعم بالآلام المنزلية الفعلية. لكن الحقيقة هنا؛ تضاعِف الحقيقة الأدبية الحقيقة النّفسية التي يختبرها الكاتب. يؤمن ستريندبرغ بأنّ واقعة عديمة الأهمية يمكنها إثارة القلب الإنساني.بناء على خوف صغير، يعتقد بطرحه الخوف ضمن عزلة القارئ.
طبيعيا لا يصادف الطّبيب النفساني صعوبة بخصوص تشخيص انفصام الشّخصية حينما يقرأ سرديات ستريندبرغ. لكنها تطرح إشكالية،عندما تأخذ شكلا أدبيا: ألا تحدِثُ هاته الكتابات انفصام الشّخصية؟ حين قراءة كتابه ”الجحيم”، يعيش القارئ ساعات من انفصام الشّخصية؟ يدرك ستريندبرغ بأنّه حين الكتابة في إطار عزلة مطلقة يتواصل مع آخَرِ عدد كبير من القارئين المنعزلين. يعلم بانطواء كلّ روح، على ما وراء يتجاوز أيّ تبرير عقلاني، مجال يبقي على استمرار أكثر المخاوف صبيانية. متيقّن من إمكانية بثِّ أحزانه أمام الشّعلة. اقتفى في كتابه ”الجحيم”، أثر الشّعار الذي أكّده في سيرته الذّاتية:” امضِ وسيشعر الآخرون بالخوف”(9).
حينما تندفع ذبابة نحو شعلة شمعة او قنديل، فالتّضحية صارخة، تصدر الاجنحة طقطقة، وتعيش النّار رعشة. يبدو بأنّ الحياة تتفرقع داخل فؤاد الحالم.
تبدو نهاية حشرة العثة أكثر نعومة، وأقلّ ضوضاء. تحلّق دون ضجّة، بالكاد تلامس الشّعلة ثم تلتهب. بالنِّسبة لحالم يحلم بكيفية كبيرة، تأخذ التّأويلات مناحي بعيدة رغم بساطة الواقعة. هكذا كتب كارل غوستاف يونغ مبحثا كاملا كي يتطرّق إلى هذه المأساة تحت عنوان: ”غناء العثة”. وقد استشهد بقصيدة لشاعرة اسمها ”ميس فرانك ميلر”،مصابة بانفصام الشَّخصية، دراسة شكّلت نقطة بداية الطّبعة الأولى من عمله: ‘تحوّلات النّفس ورموزها”(ترجمة،1953، ص 156 ومايليها).
هنا أيضا، تضفي القصيدة دلالة مصيرية على واقعة بلا أهمية. تضخّم القصيدة كلّ شيء. يتطلّع الكائن الصّغير صوب الشّمس، شعلة الشّعل، وقد بقي طويلا منطويا في شرنقته، بحثا عن التّضحية الأسمى والعظيمة.
تشدو العثة المصابة بانفصام الشّخصية، على النّحو التّالي:
”أشتاق إليك مع أوّل استفاقة وعيي باعتباري يرقة. حلمت بك أنتِ فقط حينما كنتُ شرنقة. غالبا يموت عدد لا يحصى من أشباهي حين الطّيران نحو أبسط شرارة صادرة منك. ساعة أخرى، وسأتخلّص من ضآلة وجودي. لكنّ مجهودي الأخير، مثلما الحال مع رغبتي الأولى، ليس له من هدف ثان غير الاقتراب من عظمتكِ. إذن، وأنا ألتقيكِ خلال لحظة انجذاب، سأموت سعيدة، فللمرّة الأولى، أمكنني تأمّل منبع الجمال والدّفء والحياة، عبر بهائه الأمثل”.
هكذا جاء نشيد العثة، بمثابة رمز حالمة توخّت الموت بين أحضان الشّمس. لم يتردّد يونغ قط في الرّبط بين قصيدة المصابة بانفصام الشخصية مع مقاطع شعرية يتطلع من خلالها فاوست ويحلم بالتّواري بين طيّات نور الشّمس:
آه! لو امتلكت أجنحة قصد التّحليق من فوق تراب الأرض.
ثمّ أتعقّب بلا توقّف رحلتها!
سأرى أبديّا، في إشعاع الصّوت، عالما صامتا ممتدّا تحت قدميّ.
ينبعث داخلي اندفاع جديد.
أنطلق دائما بعيدا جدا كي أرتشف من ضوئه الأبديّ.
لن نتردّد في الانسياق خلف يونغ عبر الصّلة التي عقدها بين قصيدة انفصام الشخصية وكذا قصيدة غوته نتيجة معاينة هذا التّعظيم لشأن صور هي ديناميكيات أكثر ثباتا بالنّسبة للتأمّل الشّارد الأدبي. يمثّل ذلك شهادة عن المجد النّفسي للتأمّل الشّارد المكتوب.
تناول غوته في مجموعته الشعرية ”الديوان”(ترجمة أندري ليشتنبيرجر)، تضحية الفراشة في الشّعلة، كموضوعة حنين طوباويّ:
أودّ الثّناء على الحيّ
المشرئبّ وجهة الموت في الشّعلة خلال طراوة أماسي الحبّ
……………………..
تدركُ شعورا غريبا
حينما تتوهّج الشّعلة الصّامتة
لن تظلّ قط محتجَزا في ظلام قاتم
ثُمّ يسحبكَ أمل جديد نحو فرح أكبر
تهرع إلى التّحليق مسحورا،
وأخيرا، رفيقا للنّور،
ها أنت، فراشة تحترق.
تمثَّل غوته مصيرا من هذا القبيل في إطار مقولة كبيرة: ”أن تموت وتصير”.
بما أنّكَ لم تستوعب هذا: الموت والصّيرورة!
فلا زلتَ مجرّد زائر ملتبس
فوق أرض مظلمة.
انطوى تقديم هنري ليشتنبرغر للديوان، على تأويل واسع للقصيدة (10). المنحى الباطني للقصيدة الشرقية: ”اعتبره غوته شبيها بالباطنية القديمة عند الفلسفة الافلاطونية والهيراقليطيسية. انكبّ غوته على قراءة نصوص أفلاطون و أفلوطين، فأدرك بوضوح القرابة التي تصل بين الرّمزية الإغريقية والشّرقية. هكذا اكتشف هويّة موضوع صوفية الفراشة التي ترتمي في لهيب شعلة ثم الأسطورة الإغريقية عن فراشة شكّلت رمزا للنّفس، وقدّمت لنا النّفسية في شكل فتاة شابّة أو فراشة، أمسك بها إيروس واعتقلها، ثم احترقت بنار شعلة”.
ترتمي حشرة العثة وسط لهيب الشّمعة، إنّه انتحاء ضوئي إيجابي، يخبرنا المحلّل النّفسي الذي يأخذ في اعتباره القوى المادّية، بينما تعكس عقدة أمبادوقليس حسب رأيي الطّبيب النّفسي الذي يسعى إلى قراءة الإنساني عند أصل الدّوافع الأولى. والجميع على صواب. لكنّه التأمّل الشّارد من جعل الجميع متوافقا مادام الحالم يرى العثة خاضعة إلى دافع نزوعها القهري، وغريزة موتها، ويقول أمام الصّورة، لماذا لست أنا؟ مادام العثة تجسّد أمبادوقليسا صغيرا، فلماذا لاأغدو أمبادوقليس على طريقة فاوست، كي أكتسح الشّمس والنّور، عبر الموت بالنّار.
أن يتأتّى للفراشة حرق جناحيها بالمصباح دون الانتباه الى إطفاء المصباح، قبل حدوث المأساة، هنا يكمن خطأ كوني لا يثير حساسيتنا. مع ذلك، هل يوجد شيء يفوق رمزية كائن أقدم على حرق جناحيه! بالتّالي لا تتوقّف روح حالمة عن تأمّل هذا الاحتراق للزّينة والكينونة. عندما ترى بولينا بطلة رواية بيير جان جوف نفسها جميلة للغاية قبل حضورها أول حفلة، ثمّ أرادت أن تكون نقيّة مثل راهبة ومع ذلك تغوي كلّ الرّجال، فقد ااستحضرت حينها موت فراشة في حضن لهيب شعلة:
”لكن، عزيزتي الفراشة، احذري الشّعلة، مرّة أخرى ستموت واحدة فورا مثلما حدث خلال تلك اللّيلة. تعود إلى النّار رغما عنها، غير مدركة لأثر هذه النّار واحتراق نصف جناحها سلفا،ها هي تعود وتقترب ثانية، لكنّها النّار ثمّ النّار أيّتها الفراشة التّعيسة”(11).
بولينا امرأة نقيّة، لكنّها شعلة. تطلّعت نحو أن تكون مغوية، ثمّ وقعت نفسها في هذا الإغواء. إنّها جميلة للغاية! جمالها الشّخصي نار تغويها. تشتغل منذ هذا المشهد الأوّل، مأساة موت النّقاء خطأ. رواية جان جوف بمثابة رواية مصير. الموت نتيجة الحبّ، من خلال الحبّ، مثلما تختبر الفراشة مع الشّعلة، أليس ذلك تحقيقا للتّآلف بين إيروس وثاناتوس؟ ينتظم خيط السّرد عند جان جوف خلال الآن ذاته تبعا لغريزتي الحياة والموت. غريزتان تبدوان غير متعارضتين ضمن سياق جان جوف من خلال عمقهما وكذا أوّليتهما. لقد أوضح هذا المحلّل النّفسي للأعماق بنفاذها نحو إيقاعات مصير معيّن، إيقاعات تضفي حياة على ثورات مستمرّة.
تحيل الصّورة الأولى على مصير نسائي اختاره جان جوف،هي صورة فراشة احترقت بالشّعلة ليلة أول حفلة.
وددت تعقّب حالمي الشّعلة الأكثر تباينا، حتّى الذين يتأمّلون موت الفراشات المنجذبة إلى الضّوء. لكنّها تأمّلات شاردة لم أساهم فيها. اختبرت فعلا نوبات دوخة، يستهويني الخلاء مثلما يرعبني. بيد أنّي لم أعرف في غضون ذلك دَوْخات أمبادوقليسية.
عزلة الموت موضوع تأمّلي كبير بالنّسبة لحالم منعزل كما الشّأن معي. يلزمني إذن، حتى أنهي هذا المبحث، الحديث ثانية عن الكيفية التي تبنّيت بها التأمّلات الشّاردة الهادئة والبسيطة مثلما تكلّمت عنها في البداية.
حلم جان كاسو دائما بتناول الشّاعر الكبير أوسكار فلاديسلاس ميلوز، من خلال هذا الإشكال الجدير طرحه بسموٍّ:” كيف يسير أمر عزلتك؟”.
يحتمل هذا السّؤال ألف جواب. عند أيّ مركز للنفس، وزاوية في القلب، ومنعطف للفكر، يكون منعزل كبير وحيدا، فعلا وحيدا؟ منزويا أو متأسّيا؟ ما الملاذ والغرفة التي يشعر معهما الشاعر بعزلة حقيقية؟ عندما تتغيّر مختلف الأشياء حسب مزاج السّماء وكذا ألوان الرّؤى، ينبغي على كلّ انطباع بخصوص عزلة منعزل كبير العثور على صورته. تعتبر”انطباعات” من هذا القبيل صورا. يستدعي المقام تخيّل العزلة قصد اكتشاف ذلك، من أجل عشقها أو رفضها، أن تكون هادئا أو شجاعا. حينما نسعى إلى تطبيق التّحليل النّفسي على هذا المضيء-المعتّم النّفسي حيث يستضيئ كما يتعتّم الوعي بوجودنا، يجدر مضاعفة الصّور، تثنية كل صورة. يؤمن أحيانا رجل منعزل، في غمرة مجد عزلته، بإمكانية التّعبير عن ماهية العزلة. غير أنّ كلّ واحد منّا يتصوّر عزلته. لايمكن للحالم بين أحضان العزلة أن يعرض أمامنا سوى بعض الصّفحات عن ألبوم صور المضيء-المعتّم المرتبط بالعزلة.
فيما يخصّني، نتيجة علاقتي بالصّور التي بلورها الشّعراء وكذا تناول عزلة الآخرين، أجدني وحيدا ضمن سياق عزلة الآخرين. وحيدا، بعمق وحيدا حيال عزلة شخص آخر.
لكن تلزم، بالتّأكيد، سرّية التماس هذه العزلة، تحديدا عزلة صورة. إذا توخّى الكاتب المنعزل إخباري عن حياته بل كلّ حياته، يصبح فورا غريبا بالنّسبة إليّ. دواعي عزلته مختلفة تماما عن أسباب عزلتي. لاتمتلك العزلة تاريخا. لقد انطوت صورة أولى على مجمل عزلتي.
هاهي إذن الصّورة البسيطة، اللّوحة المركزية داخل إطار المضيء-المعتّم للرّؤى والذّكرى. يجلس الحالم أمام طاولة، متواريا بين زوايا غرفته العلوية، يوقد مصباحا أو قنديلا أو شمعة. ها أنا أتذكّر، أعثر على نفسي ثانية: فأنا حارس ليلي مثله. أدرس مثلما يدرس. العالم بالنّسبة إليّ، كما الحال معه، كتاب عسير تضيئه شعلة قنديل. هذا القنديل، باعتباره رفيق العزلة ولاسيما الاشتغال في عزلة، لايضيئ غرفة فارغة بل كتابا.
أنا وحيد ليلا، أمام كتاب تضيء صفحاته شعلة، كتاب وشعلة، واحة ضوئية ثنائية، ضدّ ثنائية الفكر واللّيل.
أدرس! أنا مجرّد فاعل لفعل درس.
لا أجرؤ على التّفكير.
قبل التّفكير، ينبغي البحث.
وحدهم الفلاسفة يفكّرون قبل أن يدرسوا.
لكنّ الشّعلة ستنطفئ قبل استيعاب مضمون الكتاب الصّعب. مما يحتمّ ضرورة استثمار مختلف زمن لهيبها، ساعات كبيرة للحياة المثابرة. أحلم بدل أن أدرس بمجرّد التّحليق بعيني ورفعها عن صفحات الكتاب.
هكذا تتمايل السّاعات خلال سهرة العزلة بين مسؤولية المعرفة وحرّية التأملات الشاردة، حرّية مريحة جدا لإنسان منعزل.
تكفيني صورة حارس الشّعلة كي أبدأ هذه الحركة المتموّجة للأفكار والتأمّلات الشّاردة. نعم، سأغدو مضطربا إذا أخبرني الحالم المتموقع في مركز الصّورة عن أسباب عزلته، بعض الحكايات البعيدة عن خيانات الحياة. آه! يكفيني ثِقَل ماضي الشّخصي ولست محتاجا إلى صور الآخرين كي أعيد تلوين صوري. أحتاج إلى تأمّلات الآخرين قصد تذكّر عملي رفقة تلك الإضاءات الخافتة، وأتذكّر أنّي بدوري كنت حالم شعلة.
هوامش:
مصدر المقالة:
Gaston Bachelard :la flamme d’une chandelle.(1961)pp :34-51
(1) ألبير بيغان : الرّوح الرّومانسية والحلم،ص 28 .
(2) جون دو بوشير : آخر قصائد العتمة،ص 148
(3) تريستان تزارا: حيث يشرب الذئاب، ص 15
(4) تيودو دو بونفيل : حكايات بورجوازي،ص 194
(5) ليست القطّة كائنا خجولا. نعتقد ببساطة كبيرة أنّ كل ضعيف يعتبر هشّا. لذلك يتّجه تفكير سيّد الغرفة إلى إطفاء الضوء حينما يلاحظ خوف الخنفساء المضيئة. الإحالة على”سيّد الغرفة، أفكار جديدة حول مصادر الضوء”(1634،ص 60) .
(6) أوجين سوزيني، فرانز فان بادر والمعرفة الصوفية، (فران،ص 321 ).
(7) أوغست ستريندبرغ : الجحيم،منشورات ستوك ص 189 .
(8)”في منطقة لومبارديا، زفرات الشجر هي نذير شؤم”(أنجيلو دو غوبيرناتيس،أسطورة النباتات، ص 266 ) .
(9)اوغست ستريندبرغ : الكاتب،ترجمة، ستوك،ص 167 .
(10)غوته، الديوان، ترجمة هنري ليشتنبرجر،ص 45 -46
(11)بيير جان جوف : بولينا،ص 40.
