صبحي دقوري ماسخًا أنطوان بيرمان.. ملاحظات على ترجمة كتاب “محنة الأجنبي”
خليد كدري
لطالما راودتني فكرة ترجمة كتاب “L’Épreuve de l’étranger…” لأنطوان بيرمان (غاليمار، 1984)، الذي شغفت به شغفًا جمًّا، منذ أيام الجامعة، وحظي بمنزلة رفيعة عندي على الدوام، حتى إنني اقترحت على أحد أفاضل الناشرين العرب، قبل بضع سنوات، أن يقتني الحقوق اللازمة لترجمة العمل، فأبدى موافقته على ذلك من دون تردد. لكن القدر شاء غير ما أمَلته، إذ شغلتني الشواغل، علاوة على ما ابتليت به من فرط الحيطة، عن تصميم العزيمة وإمضاء الأمر في ساعة الحال، إلى أن بلغني خبر ترجمة الكتاب الفرنسي بالفعل من قِبَل صبحي دقوري، وصدور الترجمة عن دار النشر الأردنية “خطوط وظلال”، خلال الربع الأول من السنة الماضية (2025)، تحت عنوان “محنة الأجنبي: الثقافة والترجمة في ألمانيا الرومانطيقية [كذا]”.
لذلك تخليت تمامًا عن فكرة ترجمة الكتاب؛ ترجمة كنت سأبذل فيها وسعي لو اختارني لها القدر. وعزيت النفس بأن ما يهم هو ترجمة الكتاب على الوجه المأمول، بصرف النظر عن شخص مترجمه، وأن الرابح هو القارئ العربي في نهاية المطاف؛ لكنني حرصت، أيضًا، على اقتناء نسخة من ترجمة صبحي دقوري لعلّي أستفيد من أسلوبه ومنهجه المفترضيْن في العمل، وأنتفع بأنحاء تصرفه إزاء ما أشكل من المفردات والعبارات الأجنبية، وهو كثير. وكذلك الأمر كان؛ فماذا وجدتُ يا ترى؟
وجدت – ولا أبالغ – واحدةً من أسوأ الترجمات التي شهدتها اللغة العربية في عصرنا هذا، إن لم تكن أسوأها على الإطلاق؛ ترجمة أبعد ما تكون عن الترجمة البشرية المعروفة لنا، وأجدر بوصف الترجمة الآلية الخام غير المُحرَّرة – التي أعطيها هنا اسم “الجرّافة” −، وتنطوي من ثم على انتهاك جسيم لأخلاقيات الترجمة والنشر الثقافي، لما فيها من تضليل للقارئ العربي، وإساءة للعمل الأصلي، ومسّ بمصداقية دار النشر نفسها.
لا أتحامل على أحد، ولا أتخرّص على أي جهة، لكنني أرجو ممن يهمّه حاضر الترجمة العربية البائس، وكل ذي ضمير حي، أن يسمّي هذا العمل بالاسم الدال عليه، ويذكره بالصفة التي تليق به، بعيدًا عن صنوف المحاباة أو التعصب.
أقحمتِ “الجرّافة” معظمَ الاقتباسات الاستهلالية “épigraphes” في المتن، بعد أن طمست أسماء مؤلِّفيها؛ واختلقت عناوين فرعية لا أصل لها؛ وأهملت إبراز المفردات والعبارات المميزة في الأصل بالخط المائل؛ وأسقطت مفردات وعبارات لا حصر لها عسفًا، وكأنها غير موجودة، أو تركتها بلغتها الأصلية من دون ترجمة، ولكن مشوهة في أكثر الأحيان؛ ونقلت بعض الألفاظ الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية بدلًا من اللغة العربية؛ علاوة على أنها لم تميز قَطُّ بين المتن والهامش، إذ عاملت هامش كل صفحة كما لو كان مجرد امتداد لأواخرها، حتى إذا صادفت في طريقها هامشًا يشغل أكثر من صفحة، دكّته دكًّا، ثم بعثرت هتامة نصّه في مواضع شتى من المتن… وبسبب هذا التصرف الأخرق، خلت الترجمة العربية من هوامش الأصل الفرنسي كافّة!
ومهما بلغت حدة ألفاظي في وصف ترجمة صبحي دقوري، فإن ما قلته وسأقوله في جنبها ألطف بكثير مما ينبغي أن يقال. ودونكم الأمثلة الآتية التي تعكس بعض ما أتت عليه “الجرّافة”:
- 1. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 12):
«La constitution d’une histoire de la traduction est la première tâche d’une théorie moderne de la traduction».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 11):
«إن دستور تاريخ الترجمة هو المهمة الأولى لنظرية الترجمة الحديثة».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة بلا منازع، ولا سيما ترجمة كلمة “constitution” التي تعني هنا الإنشاء أو ما يقارب هذا المعنى، ولا تعني “الدستور”!
- 2. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 26)، من كلام أوغست ف. شليغل:
«Je crois que nous sommes sur le point d’inventer le véritable art de la traduction poétique…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 11):
«أعتقد أننا على وشك اختراع القوس الحقيقي للترجمة الشعرية…».
تعليق: فساد هذه الترجمة واضح أيضًا، إذ تحولت كلمة “art” إلى “قوس” بدلًا من فن أو صناعة! هل تعذر على المترجم التمييز بين كلمتي “art” و”arc”؟!
- 3. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 33-34):
«Comme on voit, la conquête des métriques étrangères, la francisation de la langue de Novalis, cela relève d’un certain jeu avec le langage et les langues».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 30):
«كما نرى، غزو المقاييس الأجنبية، فرنسة لغة نوفاليس، هذه مسألة معينة».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة أيضًا، ولا سيما ترجمة “métriques” التي تعني هنا أوزان الشعر، وليس “المقاييس”! علاوة على عبارة “cela relève d’un certain jeu avec le langage et les langues” التي تعني أن الأمرين المذكورين “يندرجان في ضربٍ من اللعب باللغة والألسن”، ولا تعني “هذه مسألة معينة”!
وفي موضع آخر من الترجمة (ص. 181)، تُرجمت كلمة “métrique” بـ”العدّاد”! وهذا هو المقطع الفرنسي الذي وردت فيه الكلمة (ص. 210):
«Cette conception se retrouve jusqu’au bout chez A. W. Schlegel, et elle est au cœur de sa pratique. Ainsi déclare-t-il dans un de ses cours: “La métrique (Silbenmass) n’est pas un ornement purement extérieur…”».
وقد ترجم صبحي دقوري المقطع على النحو الآتي:
«تم العثور على هذا المفهوم حتى النهاية في أ. و. شليغل، وهو في صميم ممارسته. هكذا يعلن في إحدى محاضراته: “العداد (Silbenmass) ليس زخرفة خارجية بحتة”…».
والأدنى إلى الصواب أن يُترجَم المقطع هكذا:
«يتجلى هذا التصور في جميع أعمال أ. ف. شليغل، وهو في صميم ممارسته. ولذلك يصرح في إحدى محاضراته قائلاً: “إن الوزن الشعري (زيلبنماس Silbenmass) ليس زخرفة خارجية بحتة…”».
- 4. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 62)، من كلام أوغست ف. شليغل أيضًا:
«D’autres nations ont adopté en poésie une phraséologie complètement conventionnelle…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 54):
«اعتمد السكان الأصليون الآخرون في الشعر عبارات تقليدية تمامًا…».
تعليق: فساد هذه الترجمة واضح أيضًا، ولا سيما ترجمة “nations” التي تعني هنا الأمم، وليس “السكان الأصليون”!
- 5. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 72):
«Nous tenterons de montrer que la traduction (en tant que mode de rapport avec l’étranger) est structurellement inscrite dans la Bildung. Et, dans un chapitre ultérieur, nous verrons que celle-ci, bien que commune à tous les écrivains et penseurs de l’époque, a atteint sa forme canonique chez Goethe».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 63):
«سنحاول إظهار أن الترجمة (كطريقة للعلاقة مع الأجنبي) منقوشة هيكليا في Bildung. وفي فصل لاحق، سنرى أن هذا الفصل، على الرغم من أنه مشترك بين جميع الكتاب والمفكرين في ذلك الوقت، فقد وصل إلى شكله القانوني في جوته».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة من دون شك، ذلك لأن الأصل الفرنسي يقول إن “البيلدونغ” هو المشترك بين جميع كتاب ومفكري الفترة المشار إليها، على حين تقول الترجمة إن هذا المشترك هو “الفصل” المذكور!
- 6. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 72-73):
«Nous ne prétendons pas ici procéder à une analyse sémantico-historique du concept de Bildung, mais en proposer une sorte de profil idéal, à partir des divers sens qu’il revêt, notamment, chez Herder, Goethe, Hegel et les Romantiques».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 63 أيضًا(:
«نحن لا ندعي هنا إجراء أي تحليل دلالي تاريخي لمفهوم Bildung، ولكن لاقتراح نوع من أنا بيلد، صورة، Einhildungkraft، خيال، أوشي! روث، تطوير، Bi!dsa،n keit ، مرونة، “قابلية للتشكيل”، إلخ. من الملف الشخصي المثالي، بناء على المعاني المختلفة التي يفترضها، لا سيما في هيردر وجوته وهيجل والرومانسيين».
تعليق: هذه الترجمة فاسدة للغاية. ونكتفي في شأنها بملاحظتين: أولاهما، ترجمة عبارة”profil” ” بـ”الملف الشخصي” بدلًا من النموذج المثالي أو ما يقارب هذا المعنى؛ وثانيتهما، ترجمة هامش الصفحة (72) من الأصل الفرنسي – الذي يتضمن تعليقًا على فقرة سابقة − وإقحامه في متن الترجمة العربية عسفًا، وهو هذا:
«Bild, image, Einbildungskraft, imagination, Ausbildung, développement, Bildsamkeit, flexibilité, “formabilité”, etc».
والنتيجة − كما نرى − هي ذروة العبث! وليت شعري ما معنى “أنا بيلد” و”أوشي!” و”روث”؟!
- 7. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 74)، من كلام نوفاليس:
«Il souleva le voile de la déesse de Saïs. Mais que vit-il? Il vit – miracle des miracles – lui-même».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 65):
«رفع حجاب إلهة سايس. لكن ماذا يختبر؟ إنه حي – معجزة المعجزات− نفسه».
تعليق: فساد هذه الترجمة لا يحتاج إلى بيان، ذلك لأن العبارة “Mais que vit-il?” تعني “لكن ماذا رأى؟”، وليس “لكن ماذا يختبر؟”! كما أن العبارة “Il vit lui-même” تعني “لقد رأى نفسه”، وليس “إنه حي نفسه”!
- 8. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 102):
«Ce fonds, dans le cas des cultures, doit être lui-même une culture…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 88):
«هذا الصندوق، في حالة الثقافات، يجب أن يكون في حد ذاته ثقافة…».
تعليق: هذا عبث آخر في الترجمة، ذلك لأن كلمة “”fonds، في هذا السياق، تعني الأساس أو القاعدة، وليس “الصندوق”!
- 9. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 121):
«Mais c’est que la philosophie est devenue ici le philosopher…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 104):
«لكن الحقيقة هنا هي أن الفلسفة أصبحت الفيلسوف…».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة أيضًا، ذلك لأن عبارة ” “le philosopherتعني التفلسف أي ممارسة الفلسفة أو التفكير الفلسفي، وليس “الفيلسوف”!
- 10. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 125):
«Synthèse fichtéenne».
بينما نقرأ في في ترجمة صبحي دقوري (ص. 107):
“تخليق fichtean”!
تعليق: بصرف النظر عن فساد الترجمة، لِمَ تحولت كلمة “fichtéenne” (نسبة إلى فيختهFichte ) إلى “fichtean”؟
ولقد تكرر هذا العبث في مواضع أخرى من الترجمة، حيث نقرأ فيها على سبيل المثال (ص. 189):
“يرتبط محركpolytranslator بمحرك متعدد اللغات…”!
وحين نعود إلى الأصل الفرنسي (ص. 219)، نجد العبارة الآتية:
«la pulsion polytraductrice se lie à une pulsion polyglotte…».
وبصرف النظر عن فساد الترجمة، هنا أيضًا، لِمَ تحولت كلمة “”polytraductrice إلى “polytranslator”؟
فهل برنامج “الجرّافة” العجيب هو الذي استبدل هذه الألفاظ الإنجليزية بمقابلاتها العربية، مع أنها غير موجودة في الأصل الفرنسي، أم أن “الجرّافة” باشرت عملها انطلاقًا من الترجمة الإنجليزية لا من الأصل الفرنسي؟
وإذا صح الاحتمال الأخير، فكيف نقرأ العبارة المثبتة تحت عنوان الترجمة العربية: “ترجمه عن الفرنسية: صبحي دقوري”؟!
- 11. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 141):
«Ces formes, libérées de la “tyrannie” du contenu, le sont également du joug de l’imitation».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 121):
«هذه الأشكال المحررة من طغيان “المحتوى”، هي أيضا طغيان نيرIMI ».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة بلا منازع، لا لأنها تصرفت عسفًا في محلّ المزدوجتين فحسب، بل لأنها قابلت عبارة joug de l’imitation”” − أي “نير المحاكاة” − أيضًا بعبارة “نير IMI” التي لا ندري من أين جلبها المترجم!
- 12. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 183):
«Il n’en reste pas moins que cette théorie spéculative détermine à sa façon la pratique traduisante d’A. W. Schlegel et de L. Tieck…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 157):
«تبقى الحقيقة أن هذه النظرية المضاربة تحدد بطريقتها الخاصة ممارسة الترجمة لـSchlegel W. A وTieck L….».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة كذلك، وبخاصة ترجمة الصفة “spéculative” التي تدل هنا على التأمل أو الاستبصار، وليس “المضاربة” وما إليها من معاني البيع والشراء.
- 13. نقرأ في الأصل الفرنسي (ص. 217):
«… tandis que l’entreprise d ’A. W. Schlegel se réalise…».
بينما نقرأ في ترجمة صبحي دقوري (ص. 188):
«… في حين أن شركة أ. W. تم تحقيق شليغل…».
تعليق: هذه ترجمة فاسدة للغاية، ولا سيما ترجمة كلمة entreprise”” التي تعني هنا المسعى أو المشروع، وليس “الشركة”!
ولا تخلو صفحة واحدة من ترجمة صبحي دقوري من فظائع وأمور شديدة الشناعة، وهذه طائفة منها:
- 14. تشتمل إحدى حواشي الأصل الفرنسي − في سياق المقارنة بين أسلوبي نوفاليس وشليغل − على عبارة «le “trait” français» (ص. 145) التي تشير إلى أحد أساليب التعبير الأدبي الفرنسية الشهيرة في القرن الثامن عشر. أما صبحي دقوري، فقد أبى إلّا أن يقذف القارئ العربي بهذه الترجمة المفزعة: «”الطباشير” الفرنسي»! (ص. 124). فهل تعذر عليه التمييز بين كلمتي “trait” و”craie”، كما تعذر عليه التمييز بين كلمتي “art” و”arc”، أم أن العيب إنما يكمن في “الجرافة” التي ترمينا، على سبيل المثال، بترجمة “القرن الخامس عشر”، كلما صادفت في طريقها عبارة XVIIIe siècle””، أي القرن الثامن عشر!
ويخلط المترجم، هنا أيضا، بين المتن والهامش!
- 15. يحمل أحد فصول الكتاب الفرنسي عنوان: “Herder: fidélité et élargissement”، أي “هردر: الأمانة والتوسع”؛ أما صبحي دقوري، فلم يتردد في ترجمة العنوان على النحو الآتي: “الراعي: الولاء والتوسع”، قاذفًا القارئ العربي، هذه المرة، بترجمة اسم العلم “”Herder نفسه – يا للهول! − ، إذ جعله “الراعي” (ص. 54) وفقًا للاشتقاق الجرماني القديم!
فما الذي يمنع المترجم العربي الناشئ، يا ترى، من احتذاء مثال صبحي دقوري، فيترجم اسم العلم “أفلاطون” بـ”العريض”، ما دام أن هذا هو معنى “Πλάτων” في اللغة اليونانية؛ أو يترجم اسم العلم “تولستوي” بـ”الضخم”، ما دام أن هذا هو معنى Толстой”” في اللغة الروسية؛ أو يترجم اسم العلم هايدغر بـ”البوري” (نسبة إلى البور من الأرض)، ما دام أن هذا هو معنى “Heidegger” في اللغة الألمانية؟!
- 16. ينقل المترجم اسم العلم Lacoue-Labarthe”” هكذا “الدكتور لاكو لا بارت” (ص. 30) بدلًا من “فيليب لاكو-لابارت”! والظاهر أن “الجرّافة” لم تميز، هنا أيضًا، بين الحرفين “Ph.”، اللذين يختصران الاسم الشخصي “فيليب”، وبين الحروف “PhD” التي يشار بها إلى شهادة الدكتوراه المعلومة على سبيل الاختصار!
ويخلط المترجم، هنا كذلك، بين المتن والهامش!
- 17. تشتمل الترجمة العربية على عدد من العناوين التي لا وجود لها في الأصل، وإنما هي عبارات انتزعها المترجم من كلام المؤلف الفرنسي واقتباساته عسفًا، وأساء ترجمتها للغاية، قبل أن يجعل منها عناوين مستقلة تصفع الحس السليم صفعًا لغرابة المواضع التي سيقت إليها، وهي هذه: “العصور القديمة” (ص. 67)؛ و”القيد هو ما يميز التجربة عن Bildung” (ص. 70)؛ و”ثورة رومانسية وتنوع لا نهائي” (ص. 104، ومثله في ص. 117)؛ و”حقيقة أن التفكير يرتقي إلى كرامة المبدأ” (ص. 106)؛ و”الشعر العالمي التقدمي” (ص. 114)؛ و”من الترجمة يأتي العلم” (ص. 256)؛ ثم “التنظيف هو أصعب شيء” (ص. 223).
وبصرف النظر عن الاختلاق والعسف، نلفي ترجمة العناوين المذكورة شديدة الفساد. وحتى لا نطيل، نكتفي بأمثلة من قبيل: “versabilité infinie” التي تُرجِمت بـ”التنوع اللانهائي” بدلًا من “قابلية التحوّل اللامتناهية”، و”la dignité d’un principe” التي تُرجِمت بـ”كرامة المبدأ” بدلًا من “منزلة مبدأ” أو “مقام مبدأ”… علاوة على العنوان الأخير: “التنظيف هو أصعب شيء”، الذي ليس سوى ترجمة مشوهة لعبارة فرنسية أطول (من كلام هولدرلين)، وهي هذه:
«le libre usage de ce qui nous est propre est ce qu’il y a de plus difficile».
والأدنى إلى الصواب أن تُترجَم العبارة هكذا: “إن الاستخدام الحر لما هو خاص بنا هو الأمر الأصعب”. فليت شعري أي علاقة لهذا القول بـ”التنظيف”؟!
- 18. أقحمتِ “الجرّافة” معظمَ الاقتباسات الاستهلالية “épigraphes” في المتن − كما تقدمت الإشارة − بعد أن طمست أسماء مؤلِّفيها (انظر الترجمة العربية: ص. 39، ص. 76، ص. 120؛ وقارن بالأصل الفرنسي: ص. 43، ص. 87، ص. 140)، ويتعلق الأمر بكل من نيتشه وغوته وفاليري، على التوالي. ولم ينج من العسف المذكور سوى اقتباسين، أحدهما لـ”مدام دو ستايل” (كذا؛ والصواب: “السيدة دو ستال”) التي اقتبس المؤلِّف الفرنسي، من كتابها “De l’Allemagne” (أي “في [شأن] ألمانيا” أو “عن ألمانيا”…)، كلامًا عن الترجمة عند الألمان. لكن المترجم العربي أبى إلّا أن يترجم عنوان الكتاب هكذا: “من ألمانيا” (ص. 9)!
- 19. عمدت “الجرّافة” إلى عنوان الفصل التاسع، المثبت في رأس الصفحة (221) من الأصل الفرنسي، فأقحمته في المتن، وهو هذا W. Schlegel : la volonté de tout traduire””، ثم قذفت القارئ العربي بهذه الترجمة السريالية: “قد دبليو شليغل: الرغبة في ترجمة كل شيء 22 لتر”!
وهكذا تحول رقم الصفحة (221)، بعد إقحامه في المتن، إلى “22 لتر”! ولا تفسير لهذا العجب سوى أن برنامج “الجرّافة” لم يميز بين العدد (1) والحرف اللاتيني (L)!
وبعد، أذكّر بأن ما أوردته ليس سوى غيض من فيض المصائب التي جناها المترجم على كتاب أنطوان بيرمان. ولولا شغفي القديم بهذا الكتاب، ورغبتي في ترجمته، ذات يوم، وإشفاقي على كثير من قراء العربية المتاعيس، لما فكرت في كتابة هذا المقال، إذ أربأ بنفسي عن “نقد” ما لا يستحق أن يُلتفَت إليه لشدة إمعانه في العبث الذي ليس بعده عبث!
ومع هذا كله، حرص صبحي دقوري على إهداء عمله إلى المترجم السوري الكبير الأستاذ سامي الدروبي − رحمه الله − “اعترافا بالفضل وتأكيدا للامتنان والإعجاب” (ص. 5)! ولا حول ولا قوة إلا بالله…
