صدمةُ بلحاج.. كيف دفعتْني للكتابة عن الفلاحين الأجانب بدكالة؟
المصطفى اجْماهْري
ثمة دائماً أسباب عديدة، موضوعية أو ذاتية، تدفع الباحث لتأليف كتاب. وهذا بالضبط ما حدث عند إعداد مؤلَّفي “حياة مستوطن في مازغان: مزارعون أجانب في دكالة”، وهو كتاب مُخصص للمزارعين الأوروبيين الذين استقروا في منطقة دكالة بالمغرب بين عامي 1885 و1975. وقد صدر الكتاب -الذي كتب مقدمته فؤاد العروي- عام 2012 ضمن سلسلة “دفاتر الجديدة”.
لقد تبلورت الفكرة الأولية في ذهني قبل عقود، إذ كنت أعلم أنه لم يُنجز، تقريبا، أي عمل حول هذا الموضوع، وأنه لا يزال بإمكاني إتاحة الفرصة للحديث لعدد من المزارعين الأجانب القدامى -ولا سيما الفرنسيين والإسبان والسويسريين- ممن وُلدوا أو نشأوا على الأرض التي عاشوا فيها بدكالة.
اللقاء مع بلحاج
غير أنني، ومن جانبي، كنتُ أحمل دافعاً آخر -ربما كان جوهرياً- لم يغادر ذاكرتي قط. حدث ذلك عام 1978، ففي تلك السنة، لم أكن قد شرعتُ بعد في إعداد “دفاتر الجديدة” أو فكرتُ في الكتابة عن تاريخ هذه المدينة. كنت أكتب آنذاك نصوصاً أدبية باللغة العربية وأنشرها في الصحف اليومية. وفي ذلك العام تحديداً، التقيتُ بتقني شاب يعملُ في مكتب الاستثمار الفلاحي لدكالة، وكان عضواً في اللجان المكلفة باسترداد الأراضي التي كانت بحوزة المستوطنين الأوروبيين. شرح لي الرجل أن أعضاء اللجنة كانوا يتوجهون إلى المزرعة المعنية، ويجرون جرداً لجميع الممتلكات، ثم يحررون محضراً رسمياً في ختام عملهم. وفور ذلك، كان رئيس اللجنة يُبلغ المستوطن بموعد إخلاء المزرعة واسترداد الدولة لها. كان يُطلب من المستوطن وعائلته مغادرة المكان في الموعد المحدد، مع ترك المزرعة والأدوات والجرارات والمزروعات والمحاصيل وراءهم. مقابل ذلك، كانت الإدارة تدفع للمزارع تعويضاً وفقاً للإجراءات الإدارية المعمول بها.
روى لي ذلك التقني، المدعو أحمد بلحاج – وهو من منطقة الشاوية- أنه في أحد الأيام، وبينما كانت اللجنة قد حددتْ موعداً مع أحد المستوطنين لاستلام ضيعته، طرأ عطل ميكانيكي على سيارة الخدمة، مما أدى إلى تأخر أعضاء اللجنة كثيراً في الوصول إلى الموقع المعني. وفي غضون ذلك، كان المستوطن قد أعدّ حقائبه ومقتنياته الشخصية داخل عربة التخييم المركونة على جانب الطريق، وكان مستعداً للمغادرة فور توقيعه على محضر تسليم الضيعة. غير أنه، ونظراً لتأخر اللجنة وللتخفيف من وطأة الانتظار الطويل، أخذ معولاً وبدأ في إزالة الأعشاب الضارة من حقل للذرة كان قد زرعه بمحاذاة الطريق. وعند وصولهم، وقف التقني بلحاج وبقية الأعضاء يتأملون المشهد المدهش الذي كان يتكشّف أمام أعينهم. حينها، شعر بلحاج بأن شيئاً ما يتحرك في أعماق تفكيره، إذ أثار ما رآه في نفسه سلسلة من التساؤلات: كيف يمكن لشخص يُطلب منه إخلاء المكان نهائياً أن يفكر في تشذيب أرض سيرحل عنها في اللحظة؟ لقد كان بلحاج -المنحدر من بيئة وثقافة مختلفتين- يتوقع أن يُواجه مستوطناً مستاءً من هذا الانتظار الطويل المفروض عليه، وساخطاً للغاية على العملية برمتها لدرجة قد تدفعه لتدمير كل شيء، على غرار ما فعله البرتغاليون قديماً حين دمروا قلعة مازغان قبل مغادرتها. كان بإمكان هذا المستوطن أن يتبنى مبدأ “بعدي الطوفان” ويترك المحصول المستقبلي يذبل ويضيع، بدلاً من أن يستفيد منه غيره، لكن الأمر لم يكن كذلك في ذلك اليوم. لقد ترك ذلك المشهد بلحاج غارقاً في التفكير ومأخوذاً بالدهشة لفترة طويلة.
كان مشهداً مؤثراً للغاية بالنسبة له أن يرى ذلك الرجل وهو لا يزال يعتني بالأرض التي كان على وشك مغادرتها، تلك الأرض التي كرّس حياته لاستصلاحها، وظل يرعاها حتى اللحظة الأخيرة. بدا أن ذلك المستوطن يضع نصب عينيه واجباً أخلاقياً يتمثل في تسليم المزرعة في حالة ممتازة لمن سيخلفونه، إذ كان يؤمن بلا شك بأن عمله سيستمر ويؤتي ثماره. أليس المزارع في المقام الأول هو من يُسخّر كل معارفه وطاقاته لهدف جوهري هو إطعام الآخرين؟ وتلك هي قمة النبل في مهنة الزراعة.
لقد دفعتْني تلك الحكاية، التي رواها لي مُحدثي، إلى التأمل في هذا الأمر. ولا بد من الاعتراف بصراحة بأننا -في ظل ثقافتنا المحلية التي يميل فيها البعض إلى المصالح قصيرة الأمد والربح السريع- لم نكن لنتخيل أن يقوم شخص بمثل هذه الأفعال، في وقت لم يعد ينتظر فيه شيئاً من أحد، بل وكان يغادر المكان والأسى يعتصر قلبه. لقد كان بعض هؤلاء المستوطنين مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بتلك الأرض التي قاموا في البداية بتنظيفها من الأحراش وإزالة الحجارة منها قبل استصلاحها، ومن ثم لم يكونوا يعتبرون أنفسهم مجرد مستغلين للشعب المغربي.
عندما شرعتُ – بعد فترة طويلة، وتحديداً في عام 2011 – في إجراء بحث حول المزارعين الأجانب في منطقة دكالة، أتيحت لي فرصة التحدث مع نحو عشرين منهم، وكان معظمهم متقدمين في السن، وقد لمستُ، من خلال أحاديثنا، مدى احترامهم للمغرب وللبيئة التي عاشوا فيها. وعقب ذلك، قمتُ بجولة في منطقة دكالة لتفقد مزارعهم السابقة، أو ما تبقى منها، فصُدمتُ حين رأيت أن تلك المزارع المستردة قد آلت إلى حالة يرثى لها: منازل مدمرة أو مسواة بالأرض تماماً، ومخازن مهدّمة، وتوربينات رياح أُزيلت، وآبار سُدّت، وأشجار قُطعت، وحقول أُهملت. فبعد رحيل الأجانب في حقبتي الستينيات والسبعينيات، لم تعد تلك الأراضي تعكس سوى مشهدٍ كئيبٍ من الخراب والوحشة…
لماذا لم ينجح مواطنونا في إدارتها بشكل أفضل، أو حتى الحفاظ على مستواها السابق؟ لم تعد الإجابة مهمة الآن، فالواقع المرير ماثلٌ أمام أعيننا.
ألم يكن ثمة بديل آخر يمكن طرحه على المزارعين الأجانب آنذاك، بدلاً من الاكتفاء باسترداد تلك المزارع وحسب؟
شهادة الوزير
طرحتُ هذا السؤال على وزير مغربي سابق ينحدر من مدينة الجديدة (السيد م. ع.)، وكان عضواً في الحكومة خلال حقبة الستينيات. فأوضح لي أن السلطة المركزية آنذاك كانت تدرك الأمر تماماً، إلا أن الرأي العام في ذلك الوقت كان يعارض بشدة بقاء المزارعين المستوطنين، إذ كانت هناك -على حد تعبيره- ضغوط اجتماعية وسياسية هائلة تُمارس على السلطة التنفيذية للإسراع في استرداد الأراضي دون أي مجال لتقديم تنازلات.
كما أسرَّ لي هذا الوزير بأن الحكومة كانت تعلم يقيناً أن عملية الانتقال إلى الأيادي المغربية لم تكن مضمونة بعدُ بسبب نقصٍ فادح في الخبرة الفنية، فالمزارعون المحليون لم يكونوا قد اكتسبوا آنذاك المعرفة أو الخبرة اللازمة لإدارة ضيعات زراعية كبرى. ولم يكن بوسع الدولة حينها سوى تمديد الفترة الزمنية لعملية استرداد الأراضي، وهكذا لم يغادر آخر مستوطن في منطقة دكالة -الذي كان يمارس زراعة الخضروات في أراضي منطقة الولجة- إلا في عام 1975.
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح “مستوطن” (colon) المستخدم في كتابي المذكور لا يحمل أي دلالة قدحية، بل يصف واقعاً تاريخياً وإدارياً محدداً. فقد كان هو المصطلح الرسمي الذي تستخدمه إدارة الحماية نفسها. وفي تلك الحقبة، كان بعض المستغلين الزراعيين يُذيلون وثائقهم الرسمية بعبارة صريحة تشير إلى صفتهم كـ “مستوطنين”. وعلاوة على ذلك، استخدمت الهيئات التمثيلية المحلية هذا المصطلح في سياق مؤسساتي، كما هو الحال بالنسبة لجمعيات المزارعين في منطقة دكالة التي حملتْ أسماء رسمية مثل “جمعية مستوطني البئر الجديد” أو “جمعية مستوطني سيدي بنور”.
وأخيراً، حظي هذا المؤلف -الذي نفدت طبعته حالياً- بتقدير دولي، إذ صُنف ضمن قائمة أفضل 50 كتاباً حول موضوع “المزارعين” على المنصة الببليوغرافية الأمريكية Grafiati. ويضع هذا المرجع العالمي الكتابَ جنباً إلى جنب مع أعمال علمية لمؤلفين مرموقين مثل جان لوي ماري، وإيزابيل بوسار، وجورج بوشار، وبيير مولر. ومن خلال مقاربة ثلاثية الأبعاد تجمع بين التاريخ والذاكرة والتوثيق، يُسلط الكتاب الضوء على مسار المستغلين الزراعيين الأوروبيين الذين استقروا في المنطقة على مدى قرن كامل، وصولاً إلى مرحلة تأميم الأراضي من قبل الدولة المغربية في سبعينيات القرن الماضي. وقد أُثري الكتاب بنحو عشرين شهادة حية، كما حظي بترجمة إلى اللغة العربية أنجزها الأستاذ مصطفى الطوبي، من جامعة أكادير، عام 2017، وصدرت ضمن سلسلة “الزمان”.
