عائشة مكي.. سيرة قلم ولد من الألم

عائشة مكي.. سيرة قلم ولد من الألم

  المختار عنقا الادريسي

ملاحظة هامشية:

      والعالم يحتفل بيوم 8 مارس ارتأيت النبش الأولي في حياة سيدة الكتابة الصحفية النسائية – باللغة الفرنسية – المسماة عائشة مكي لتعميم الفائدة ، والاسهام في انصاف امرأة عاشت وماتت مهمشة ، بعد أن كرست كل حياتها للفئات المهمشة.

مدخل أولي

      تحتفظ الذاكرة الثقافية المغربية باسم الكاتبة والصحفية ” عائشة مكي ” باعتبارها احدى الشخصيات الفريدة والمميزة في تاريخ الصحافة المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية . فلم تكن مجرد صحفية تنقل الأخبار أو تتابع الوقائع القضائية ، بل كانت كاتبة ذات حس انساني عميق ، اختارت أن تجعل من الهامش الاجتماعي موضوعا لكتاباتها ، وأن تصبح صوتا للذين واللواتي لا صوت لهم.

     لقد شكلت تجربتها الصحفية – التي أحاول  حط الرحال عندها – نوعا من الكتابة الواقعية الانسانية التي تقف في المنطقة الفاصلة بين الأدب والتحقيق الصحفي ، حيث تتحول الكتابة الى قصة انسانية ، ويتحول المهمش الى بطل سردي يكشف عن أوجه خفية من المجتمع .

      وقد ارتأيت والعالم يحتفل باليوم العالمي للمرأة – 8 مارس – التوقف عند تجربة هذه الكاتبة والصحفية ، وجعل هذه المناسبة  شهادة أخلاقية على زمنها الذي اختارت أن تنظر اليه من خلال زاويته الأكثر هشاشة.

       1     طفولة على حافة القسوة

    ولدت عائشة مكي (اسمها الحقيقي: رقية فتحة) بمدينة تازة في شمال- شرق المغرب ، حوالي سنة 1950.

نشأت في أسرة فقيرة وعرفت منذ طفولتها ظروفا اجتماعية قاسية بما في ذلك الهشاشة الاقتصادية والعنف الأسري.

وكانت قد درست في مدرسة يهودية بالمدينة ، قبل أن تنتقل مع عائلتها لاحقا الى حي “كريان سنطرال” المعروف بالحي المحمدي بالدار البيضاء . وقد تركت تلك التجربة المبكرة أثرا عميقا في حساسيتها الانسانية وفي موضوعات كتابتها لاحقا . وقد تميز السياق الاجتماعي الذي ولدت فيه عائشة مكي بالصعوبة، حيث امتزج الفقر بالهشاشة الأسرية ، وهو ماسيترك أثرا عميقا في تكوينها النفسي ، فكبرت وهي تحمل حساسية خاصة تجاه الألم الانساني بصفة عامة . لقد كانت الحياة بالنسبة اليها منذ البداية درسا قاسيا ، تعلمت منه – مبكرا – كيف تنظر الى العالم بعين مختلفة : عين ترى ما لا يراه الاخرون . وهي التي عرفت منذ بداياتها الأولى أن المجتمع لا يتكون فقط من الواجهات المضيئة ، بل من عوالم خفية تعيش في الظل.

   2   الكتابة باعتبارها طريقا للنجاة

   حين دخلت عالم الكتابة ، لم تك عائشة مكي  تبحث عن مهنة فقط، بل كانت في بحث دؤوب لها  عن وسيلة لفهم خبايا الهوامش ،وربما لمصالحة نفسها مع الحياة. فاختارت أن تكتب بالفرنسية ، وهي اللغة التي كانت حاضرة بقوة في الصحافة انذاك ولم تكن هذه اللغة بالنسبة اليها مجرد أداة تقنية ، بل أصحت فضاء للتعبير عن فئة المستضعفين من البشر. فجاءت مقالاتها أشبه ماتكون بحكايا قصيرة عن الحياة اليومية ، وتناولت قضايا: [ امراة ضائعة في متاهة القضاء… شاب قادته الظروف الى الجريمة …  طفل وجد نفسه فجأة في مواجهة عالم قاسٍ … ]  ومن خلال هذه المناولات الصغيرة كانت ترسم صورة كبيرة للمجتمع المغربي.

   3   الصحافة بوصفها انصاتا للهامش

    لقد بدأت حياتها الصحافية متعاونة مع جريدة “الرأي” الناطقة بالفرنسية، وبعدها انضمت الى الاذاعة والتلفزة المغربية بالرباط، مابين 1971 و 1973، لتعود بسرعة – بعد ذلك – الى يومياتها المكتوبة مابين 1977 و 1992 بالعمود الصحفي الشهير بجريدة “الرأي”   Au ban de la sociét،  وهو نافذة مفتوحة اختارت من خلاله  أن تنظر الى المجتمع من زاوية الهامش. لأنها لم تكن مهتمة كثيرا بالخطابات السياسية أو الصراعات الكبرى، بقدر ماكانت منصبة في اهتمامها على الانسان البسيط الذي يعيش في الظل ، وتؤمن بأن الفهم الحقيقي للمجتمع يبدأ من فهم معاناة أفراده الأكثر ضعفا. وتقدم من خلاله معيقات الحياة التي تعترض الاشخاص الذين لا مأوى لهم، وعلى رأسهم العاهرات والخادمات الصغيرات اللواتي كن يتعرضن للأذى، والنساء ضحايا العنف ومدمني المخدرات ولأنها كانت مشبعة بالتعاطف الانساني العميق، فقد اتجهت مقالاتها الى الاماكن التي قلما تصل اليها الأضواء:

 [ أروقة المحاكم … غرف التحقيق… قصص النساء المنسيات… حكايات السجناء… ماسي كل من دفعتهم الظروف الى حافة المجتمع.. ] ولم تكن تكتب عن  هؤلاء بوصفهم مادة خبرية فحسب، بل بوصفهم حيوات انسانيةكاملة تستحق أن تروى، فتحولت كتاباتها الصحفية الى مايشبه دفتر اعترافات للمجتمع الخفي أو الهامشي

   4   حين تصبح الحياة نصا مكتوبا

    لقد استمرت عائشة مكي في كتابة مقالاتها الأسبوعية باللغة الفرنسية بجريدة الرأي، من أكتوبر 1977 الى غاية وفاتها في ماي 1992، التي المقالات التي  جمعها  عبد الجليل الحجمري أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة – حسب ما أورده   عبد الرحيم حزل  –  في 800 مقالة ، أخد منها 80 مقالة وأصدرها في كتاب هو عبارة عن سيرة غيرية، تحت عنوان:

  [ابك ياعائشة… الأعمدة المفقودة]. ويضيف عبد الرحيم حزل أنه كتب عنها مقالة مطولة نشرها بجريدة الاتحاد الاشتراكي، جاءت تحت عنوان: [الاستغلاليون الذين استغلوا عائشة مكي].

واليوم ونحن نعيش ذكريات الثامن من مارس، نقول بأن عائشة مكي: كتبت عن الانسان المهدد بالهشاشة، ثم أصبحت حياتها شاهدا على تلك الهشاشة.

 كتبت عن العزلة الاجتماعية ، ثم عرفت  في سنواتها الأخيرة شيئا من  تلك العزلة.

وبذلك تكون قد كتبت قصتها دون أن تدري وكأنها نص سردي مفتوح. فالمواضيع التي كتبت عنها مايزيد عن 15 سنة بأسلوب مميز، ينطلق من تحويل كل حدث صحفي الى تجربة انسانية تغوص في عوالم الطبقات المهمشة… النساء… الأطفالالسجناء… لمحاولة فهم من يعيشون خارج الضوء الاعلامي، وكل من لا تُسْمَعُ همساتهم. قبل أن تنتقل الى العالم الاخر لملاقاة ربها وهي وحيدة في مسكنها، الأمر الذي لم يكتشف الا بعد أسبوعين من توقفها عن العمل في 16 ماي 1992.

     5    خاتمة تأملية

      وبعيدا عن الجدل المرتبط بسيرتها الشخصية، يبقى من المؤكد أن تجربة عائشة مكي محطة مهمة في تاريخ الصحافة المغربية المكتوبة بالفرنسية. فقد منحت صوتا للفئات المهمشة، وفتحت المجال أمام حضور نسائي أكثر قوة في الصحافة، ومزجت ببن الحس الصحفي والبعد الأدبي بطريقة نادرة. وعموما فان قصة حياتها تعلمنا شيئا أعمق، يتلخص في أن المِرْاة تعكس أيضا روح من يكتب.

والكتابة عندها عن الألم والهشاشة ليست مجرد نقل للحقائق، بل هي تجربة تجعل القلم والكاتبة في مواجهة مباشرة مع صمت العالم وقسوة الحياة. عاشت معها  عائشة مكي حياتها بين صفحات جريدة الرأي” l’opinion، وظلال الانسان المجهول، لترينا أن كل قلم يكتب عن الاخرين قد يحمل جزءا من المصير نفسه وأن الصحافة ليست مجرد سرد للاخرين، بل شهادة على هشاشة الوجود الانساني. وقصتها تلك هي تذكير بأن الحكايات الكبيرة لا تروى دائما من مركز الضوء، بل غالبا ما تأتي من حافة الظل حيث يعيش الانسان بصموده… أنفته… شموخه… ألمه.

       طنجة في 8 مارس 2026

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!