حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرقتها الأنا

حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرقتها الأنا

  المختار عنقا الادريسي

    حين يكبر الصوت الواحد في حضرة باقي الأصوات

     لم يكن ماسيحدث لاحقا بمنفصل عما سبقه، بل كان في جانب منه امتدادا صامتا لذاك المسار الذي بدأناه معا. فلعل التجارب مثل باقي الكائنات الحية ، تحمل في داخلها بذور قوتها كما تحمل، أحيانا بذور اختلالها. فبعد أن خرجنا من العمل الجمعوي – كما سبقت الاشارة – تحت ضغط تضييق الفضاءات واتساع حلما ، كنا قد حملنا معنا شيئا اخر لم ننتبه اليه بالقدر الكافي، وهو الاحساس العميق بالحاجة الى الاستمرار بأي شكل من الأشكال. وحين وجدنا في العمل المجلاتي متنفسا جديدا ، كنا مجبرين على اعادة بناء ذاك الحلم بنفس الروح والطموح، وربما بنفس الحيوية والحماس، دون أن نطرح بما يكفي أسئلة التوازن داخل التجربة الجديدة. فبعد أن كانت ” أمل” في مرحلة التأسيس لبيت مفتوح للجميع، وكانت الكلمة لا تصاغ الا في حضرة الجماعة وتُرَاجَعُ بروحها، قبل أن تخرج للقارئ وهي تحمل أثر ذلك التعدد الذي كان مصدر قوتها، وبعد أن كان القرار – كيفما كان نوعه – لا يتخد الا بالاتفاق الجماعي. غير أنه مع تزايد الأعباء وتعقد المسؤوليات واتساع الامال، بدأ يظهر نوع من التفاوت في التوجه والتأثير، وهو أمر قد يكون طبيعيا في كل عمل جماعي ، لو أنه كان يُدار بما يكفي من الوعي والتبصر والحذر من الانزلاق فيما لم يُتفق عليه.

غير أنه مع توالي اصدار أعداد المجلة، لم يعد الاختلاف يُدار بنفس الأفق المعهود، ولم يعد النقاش الداخلي ينتهي دائما الى توافق فبدت بوادر الملامح الجديدة تظهر، في طرق تدبير الشأن الداخلي للمجلة:

 [ قرارات تُتخد على عجل، أو تحسم خارج فضاء التشاور المعتاد، تغذيها نبرة تميل الى الحسم الفوقي بدل التشاور والانصات، وكأن المشروع الذي كان يتسع للجميع بدأ يضيق على أصوات المجموعة المسؤولة عنها ] . في تلك اللحظة بالذات ،  بدأ يتشكل تحول دقيق ، معزز بالانتقال غير المعلن من منطق ” نحن ” الى رغبة أنا ” . وهو التحول الذي لم يكن فجائيا ، بل جاء في هيئة تفاصيل صغيرة قائمة على : طريقة عرض الرأي … ترتيب الأولويات … منح الشرعية لبعض المواقف دون غيرها . ومع تكرار هذه التفاصيل ، أخذت الأنا تكبر لا باعتبارها تعبيرا طبيعيا عن الذات ، بل باعتبارها مركزا يُعاد من خلاله تعريف المشروع كله . ولعل مازاد من تعقيد الوضع هو أن هذا التحول لم يقابل ، في بداية الأمر بموقف جماعي واضح ، فقد كان من بيننا من اثَر الصمت بدافع الحفاظ على ما تبقى من الانسجام ، ومن عبر عن تحفظه في حدود محتشمة . لكن غياب نقاش صريح حول هذا المستجد … التحول… التطرف ، ماجعل الأمور تسير في منحى تصاعدي يسمح باتساع مساحة القرار الفردي ، في مقابل تراجع تدريجي للروح التشاركية التي كانت ضمانة لاستمراريتنا .

وهكذا بدأت تتكشف المفارقة التي كانت تحملها الكثير من التجارب المتشابهة  – التي كنا نُعِيبُها على مسؤوليها  –  : فالمشروع الذي وُلد من رحم الجماعة وبُنِي على قيمها ، بدأ يعاد تشكيله بمنطق لا يعترف الا بسلطة فردية . فلم يعد – من الأهمية بمكان – طرح السؤال الجوهري : كيف نحافظ على الحلم المشترك ؟ بل أصبح محددا بشكل ضمني في : من يملك حق تحديد ملامح وحدود هذا الحلم التشاركي ؟

 انها لحظة دقيقة في حياة أي تجربة مجلاتية : لحظة لا ينهار فيها المشروع غير أنه يفقد شيئا من روحه الأولى . لحظة يصبح فيها الشكل قائما ، بينما المعنى الذي كان يُسْنِده صار اخذا في التاكل. ومن هنا ، لم تعد الأزمة مجرد اختلاف في وجهات النظر بل تحولت الى سؤال أعمق بكثير : هل يمكن لمشروع ثقافي جماعي أن يكبر… يتطور …يستمر وهو يفقد شرطه الأساسي المتمثل في الاعتراف بالجماعة نفسها؟

ذلك هو السؤال الذي سيجد صداه لاحقا ، في الصمت… الغضب … الانسحاب ، وفي  الاحساس العام بأن الحلم الذي جمعنا ، لم يعد هو نفسه كما صار.

             الرسالة الرابعة

حين تتعب الكلمات وتفقد جدواها ان أخطر مافي الأمر ليس ما يخسره المثقف من موقعه الأخلاقي ، بل ما قد يصيب كلماته من وهن خفي. فحين يساوم على ضميره ، تبدأ كلماته في فقدان حرارتها ، وتتحول من الشهادة الى التبرير . وعندئد تبدأ مرحلة أخرى أكثر عمقا …  مرحلة تعب الكلمات ولحظتها يشعر المثقف بأن الكلمات التي طالما امن بها بدأت تفقد بريقها ، لا لأنها استنفذت معناها ، بل لأن الواقع من حولها صار أقل وفاء لها .   فيتساءل المرء في صمت مطبق :

      *  ماجدوى كل هذه الكلمات اذا كانت  لا تغير شيئا ؟

     *   ماقيمة الكتابة اذا كانت الحقيقة  تُسمع أحيانا كهمس خافت وسط ضجيج المصالح والادعاءات؟

لقد تعلمت مع الزمن – صديقي المحترم – أن الكلمات كالبشر ، تتعب هي الأخرى . تتعب حين تُستعمل لغير معناها ، وحين تتحول الى زينة لغوية في مجالس الثقافة. أو الى شعارات ترفعها الألسن بينما تخالفها

الأفعال . وحين يحدث ذلك ، يشعر المثقف بنوع من الخيبة الهادئة . ليست خيبة الاكتشاف ، اكتشاف أن الطريق بين الفكرة وتجسيدها في الواقع أطول بكثير مما كانا

نتصور . غير أن التعب – هنا – لا يعني نهاية الطريق . لأن الكلمات الصادقة ، حتى حين تتعب فانها لا تموت .وانما تنسحب تدريجيا الى ردهات الصمت ، لتستعيد فيها ومن خلالها ذاك النقاء الذي افتقدته ذات زمن ، قبل أن تعود من جديد .

ولهذا ربما كان الصمت أحيانا امتدادا للكلمة وليس نقيضا لها . فحين نختار الانسحاب … الاستقالة … الصمت ، فما ذاك الا للتأمل واعادة ترتيب المعنى في الدواخل . وأن القرارات التي تتولد من الصمت العميق ، غالبا ماتكون أكثر صدقا وأقل ادعاء . فهي لا تبحث عن التفرد ، ولا تتطلب الاعتراف السريع ، بل تسعى فقط الى أن تبقى وفية لشيء بسيط ونادر في هذا العالم ، انه صدق الالتزام وسمو الحقيقة ، ولاشيء غير الحقيقة .

ولهذا ياصديقي حين تشعر – يوما ما – بأن كلمات الاخر قد تعبت فلا تتعجل بالحكم عليها بالفشل . فربما كانت فقط في أمس الحاجة الى فسحة من السكون – تطول أو تقصر – لتعود بعد ذلك أكثر وضوحا … صفاء … بلاغة، وأقرب الى الروح التي ولّدتها ذات زمان مضي بغير رجعة.

طنجة في 24 مارس 2026

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!