مونديال الغطرسة: عندما تتحول الملاعب إلى مستعمرات أمريكية
مسعود بنعاشور
بينما تنطلق اليوم منافسات كأس العالم، يبدو أن الإدارة الأمريكية لم تضع في حسبانها إنجاح العرس الكروي بقدر ما انشغلت بتحويله إلى النسخة الأكثر عنصرية وفوقية في تاريخ اللعبة.
تتجلى هذه الفوقية في سلسلة من الإجراءات التعسفية، فالإمبراطورية التي تدعي الانفتاح، طردت الحكم الصومالي عمر أرتان، المتوج كأفضل حكم في إفريقيا والحامل لجواز سفر دبلوماسي، فور وصوله إلى ميامي. ولم تسلم البعثة الإيرانية من التضييق، إذ نُقل معسكرها قسراً إلى المكسيك، وحُرم طاقمها الفني من التأشيرات، وفُرض على اللاعبين شرط “الدخول والخروج في نفس يوم المباراة” لإنهاكهم بدنيًا، بالتوازي مع إلغاء تذاكر مشجعيهم لحرمانهم من أي دعم جماهيري.
التعامل الأمني الفج طال الجميع، فقائد المنتخب العراقي أيمن حسين خضع لاستجواب مهين لسبع ساعات في مطار شيكاغو، وطُرد مصور الفريق فور هبوطه. أما لاعبو السنغال، فقد عُوملوا كجناة وجُرِّدوا من ملابسهم للتفتيش على مدرج المطار، وهو ذات الإذلال الذي تكرر مع منتخب أوزبكستان في نيويورك.
العقوبات الجماعية شملت الجماهير أيضا، إذ حُرم نحو 90 مشجعاً مغربياً من التأشيرات بذريعة “الخوف من الهجرة”، متجاهلين سجل رحلاتهم الموثق في مونديالي روسيا وقطر وأولمبياد باريس، مما كبدهم خسائر مالية فادحة. وقبلها، رُفضت تأشيرة اللاعب المغربي زكرياء الواحدي المحترف في أوروبا، لمجرد أن موظف السفارة اعتبر لحية والده مؤشراً للاشتباه. وفي سياق متصل، واجه المنتخب الجنوب إفريقي مماطلة مخزية لأشهر، دفع بوزير الرياضة هناك للتصريح علنا بأنه تعرض للاستهزاء. ولم تقتصر المقصلة على الرياضيين، بل طالت الصحافة الرياضية الإفريقية والإيرانية لحجب الرواية الأخرى عن المونديال.
يربط البعض هذه الممارسات بأولمبياد برلين النازي عام 1936، لكن المقارنة تظلم التاريخ؛ فألمانيا آنذاك لم تكن قد بدأت بعد حروبها التوسعية أو إباداتها الجماعية. إنها دعابة سوداء تهدف لتسليط الضوء على بربرية الإمبراطورية الأمريكية التي اقترفت خلال الأشهر الماضية فقط جرائم واختطافات طالت رؤساء دول، ناهيك عن دعمها المطلق والمستمر للإبادة الجماعية في غزة بسلاحها وتكنولوجيتها.
هذا المونديال يُدار بعقلية سيادة الرجل الأبيض التي تقصي شعوب الجنوب العالمي (كإيران، هايتي، السنغال، وساحل العاج). نظام يمتلك معتقلات يموت فيها البشر بصمت، ويمارس خطاباً عنصرياً يدعي حماية “الحضارة الغربية” من غير البيض، وهو بالتالي غير مؤهل أخلاقياً لاستضافة حدث عالمي متعدد الثقافات.
المفارقة الصارخة تكمن في صمت الإعلام الغربي الليبرالي. أين التحقيقات التلفزيونية حول انتهاكات حقوق الإنسان في أمريكا؟ أين الافتتاحيات الغاضبة عن عنف السلاح والفقر الأسود؟ أين شجاعة المنتخبات التي تبخرت بعد أن رأيناها في قطر وروسيا والبرازيل؟ إنه النفاق الليبرالي في أبهى تجلياته؛ إذ يبدو التضييق على الحريات الشخصية في روسيا أو قطر بنظرهم أبشع بكثير من إبادة جماعية تُرتكب بحق الفلسطينيين، الذين يراهم الفكر الإمبراطوري مجرد “معذبين في الأرض” أو دون البشر.
في عام 2017، هدد رئيس الـ FIFA جياني إنفانتينو بسحب البطولة من أي دولة تمنع الجماهير أو الفرق المتأهلة من الدخول. واليوم، يتحول “إنفانتينو” إلى تابع جبان، يبرر المنع بأنه سيادة داخلية للمستضيف. لقد فرضت الـ FIFA قوانين استثنائية (تشمل آلاف الصفحات لتسهيل التأشيرات وحرية الصحافة) على جنوب إفريقيا والبرازيل، لكنها تنحني اليوم أمام أمريكا، لأن المنظومة تؤمن أن سلطة الإمبراطورية البيضاء شرعية ومقدسة بطبيعتها ولا تحتاج لرقابة.
إن هذا الفشل الذريع لن يحرك ركود الـ FIFA، لكنه يذكر العالم بأن هذه الإمبراطورية كيان غير شرعي ومفلس أخلاقيا، وسقوطها الحتمي سيعني حتماً نهاية الـ FIFA كأداة من أدواتها.
الملعب كمرآة للمركز والأطراف
لا يمكن قراءة هذا السقوط الأخلاقي في ملاعب المونديال بمعزل عن العقلية الجيوسياسية التي تدار بها الساحة الدولية. إن تحويل التأشيرة الرياضية إلى سلاح عقابي ليس مجرد إجراء أمني مغالٍ فيه، بل هو إعادة إنتاج لسياسة المركز والأطراف الاستعمارية، حيث يُسمح لـ “المركز” (الغرب ورأس المال) بعبور الحدود وسحق السيادات، بينما يُطالَب “الأطراف” (شعوب الجنوب العالمي) بتقديم صكوك الغفران وإثبات “آدميتهم” وقيمهم الحضارية عند أعتاب المطارات لمجرد رغبتهم في ركل كرة من الجلد.
إن النفاق الرياضي الدولي اليوم يبرهن على أن كرة القدم، التي طالما قُدّمت كأداة لتوحيد الشعوب، قد جُرِّدت من براءتها لتصبح أداة للهيمنة الناعمة. حين يطرد الحكم الإفريقي ويُفتش اللاعب المسلم، وتُلغى تذاكر الجماهير الشابة بناء على قراءات عرقية، فإن الرسالة الأمريكية الضمنية للعالم واضحة: “المستطيل الأخضر ملك لنا، وأنتم مجرد كومبارس لتأثيث المشهد وضمان العائدات الإعلانية“. لكن هذا الإفراط في استخدام القوة يعكس في جوهره ذعرا إمبراطوريا من عالم متعدد الأقطاب يتشكل في الأفق، عالم لم تعد فيه الهيمنة الغربية قدرا محتوما، حتى وإن انحنت لها واجهات المؤسسات الرياضية الفاسدة كالـ FIFA.
