عن اللهيب المسرحي توقفت
العربي سلام
انطباع قارئ مسرحي في زمن تتآكل فيه المعاني، وتتعدد المصالح الشخصية جد ضيقة؛ بعيدا عن روح الإنسانية، والتآزر الأخوي والعملي والمهني. هكذا شعرت حينما فتحت صفحات كتاب “لهيب الركح المسرحي” لنجيب طلال. لكن ازداد إحساسي بين بعض الصفحات التي غصت فيها، بإحساس فعل مشترك بين المحسوس والحاس ، لأرتمي في لجة تفكير من نوع خاص. ارتماء لاشعوري في أحضان ذكريات صارت تشكل قطعة من حياتنا وجزءا يصعب إلقاؤه جانبا، وخاصة مسرحية “ظرف مؤقت” للراحل المنسي سعيد سمعلي قيد حياته، في إحدى اللازمات “حتى آخر رمقانا نحترق وببترولنا نفسه” ومن ثمة لا تعدو المسألة تلازما حقيقيا للمحسوس، ولكن نحن أمام تقابلات غـرائبية بين المادة (الكتاب) واستحضار ما عشناه “مسرحيا” والذي أعاد بنا لنبش كل اللقطات والصور التي احتلت موقعا في نقطة من نقاط ذاكرتنا ممارسة وعلائق بالفنانين والمسرحيين عبر ربوع الوطن (مسرحيا) لأقف أمام مرآة اللهب: ليس اللهب الظاهر على الخشبة فحسب، بل اللهب الخفي في النفس، في الجسد، في الروح المسرحية نفسها. فصاحب “الكتاب” لا يكتفي بسرد أحداث حياة الفنان أحمد جواد، بل يغـوص في الحريق الداخلي الذي يشتعل بلا توقف، ذلك الحريق الذي يصنع المسرح من لحم وعظم، ويترك أثره على كل من يشاهد.
الكتاب يضعنا أمام سؤال فلسفي صارخ: ما الثمن الحقيقي للشغف؟ هل يمكن أن يكون الفن، بهذا القدر من الجمال، قاتلاً أيضًا؟ كل تبيوباته تحوّل النار إلى رمز، النار التي تحرق الجسد، وتضيء الروح، وتدفع الفنان إلى حدود الألم والتجربة القصوى. في هذا السياق، يتحول مصير أحمد جواد إلى تراجيديا حية، حاملة معنى مزدوجًا: عشق المسرح حتى الاحتراق، والانتحار كصدى لحرارة لم يحتملها الجسد البشري. في متاهات الضجر.والأعطاب المقترنة بالأعصاب وبالعبث. وبلذة ناقصة ؛ مربكة. في معمعان الإحساس كفنان ومبدع.
لكن ما أدهشني أكثر هو أن الأخ طلال لم يكتف بالجانب الفردي للفنان، بل أدرج شهادات من مبدعين وصحفيين، كأنهم أشباح مسرحية تتابع المشهد من وراء الستار، تضيف طبقات من المعنى، وتؤكد أن الركح ليس مجرد خشبة، بل حياة تُعاش بكامل جسدها وروحها.
بعد أن أغلقت الكتاب، شعرت بشعور مزدوج: رهبة من حرارة الإبداع، وتأمل عميق في حدود الجسد البشري أمام النار الداخلية للفن. “لهيب الركح المسرحي” ليس مجرد كتاب؛ إنه طقس فلسفي وتجربة وجودية تتبعد أن أغلقت الكتاب، شعرت بشعور مزدوج: رهبة من حرارة الإبداع، وتأمل عميق في حدود الجسد البشري أمام النار الداخلية للفن. “لهيب الركح المسرحي” ليس مجرد كتاب؛ إنه طقس فلسفي وتجربة وجودية تترك القارئ متوهجًا، مستشعرًا كل خفقة قلب، وكل وهج نار، لكل فنان يختار الركح ليتألق بفنه وجسده، وخاصة حينما ننظر لما وراء سرديات ما خطه الناقد نجيب طلال بشمول تأريخي وإنساني زاده التمكّن السردي إشراقا. ولاسيما ونحن نقرأ ما بين أسطر “لهيب الركح المسرحي” بحمولته المعرفية، والإنسانية تجاه الراحل أحمد جواد كتكريم ولو في مثواه، تكريم مشروع ببناء على الصداقة المتينة، التي تراعي شروط القـراءة البناءة المجدية، ولن نقول: الأخلاقية ـ لأن ھـذا المفھوم فيه التباس.
