في ذكرى احتلال قصبة ابن أحمد امزاب
ترجمة وإعداد: أحمد لعيوني
يُمثّل هذا النص ترجمة مقتطفة من كتاب في المغرب مع الجنرال دَاماد للصحافي البريطاني ريجينالد رانكن، مراسل صحيفة “التايمز”، الذي رافق الحملة العسكرية الفرنسية في إقليم الشاوية خلال سنة 1908، في سياق التدخل العسكري الفرنسي بالمغرب قبيل فرض نظام الحماية. ويكتسي هذا المصدر أهمية خاصة بوصفه شهادة معاصرة صادرة عن مراقب أجنبي قريب من مراكز القرار العسكري، تنقل تفاصيل التحركات الميدانية، وأنماط المواجهة، وأشكال التفاوض مع القيادات المحلية، كما تعكس في الوقت ذاته تمثّلات الخطاب الاستعماري الأوروبي للمجتمع المغربي وبُناه القبلية.
ولا يقدّم النص وصفاً محايداً للوقائع فحسب، بل يكشف، من خلال لغته وسرده، عن منطق “التهدئة” العسكرية الذي حكم العمليات الفرنسية، وعن تداخل العنف بالقنوات الدبلوماسية والوساطات المحلية. ومن ثمّ، فإن قراءة هذا النص تقتضي التعامل معه بوصفه وثيقة تاريخية ذات حمولة خطابية، تستدعي المقارنة بمصادر مغربية وأخرى معاصرة، قصد بناء فهم نقدي متوازن للسياق السياسي والعسكري الذي كُتب فيه.
كتب الصحافي البريطاني:
“على الرغم من الإرهاق الذي خلّفته أحداث اليوم السابق، استأنفت الحملة العسكرية تَحرّكها في 9 مارس (1908)، متوجّهة نحو ضريح سيدي عبد الكريم، الذي كان – كما هو معلوم -هدف الحرْكة المنسّقة ليوم 18 فبراير. وما إن غادرنا المعسكر حتى ظهرت على المرتفعات المشرفة على وادي اعسيلة مجموعات من أنصار المغاربة. ولم يستدعِ الموقف سوى إعادة بعض القطع إلى مهمة الحرس الخلفي ونشرها في وضعية التأهب للقصف ؛ فتفرّق الخصم، وقد استحضر درس اليوم الفائت، وعبرنا الأودية والقمم دون أن نتعرّض لأي مضايقة تُذكر. وفي الوقت نفسه، تبادل فصيل من فرسان السْباحية، كان يؤمّن الجناح الأيمن للرتل، بعض الطلقات مع فرسان من قبائل الشاوية.
ولم يُسجَّل في ذلك اليوم سوى حادث واحد، تمثّل في وصول الصحافي الفرنسي السيد هويل، الذي سبق أن رافقنا في الشهر المنصرم من قصبة أولاد سعيد إلى الدار البيضاء، قبل أن يعود لاحقاً ويلتحق من جديد بمعسكر مولاي عبد الحفيظ. وقد قدِم إلينا مرتدياً لباساً عربياً، ممتطياً بغلة مكسوةً بغطاء قرمزي، ويتبعه خادم أسود يحمل راية بيضاء. وبعد أن مثُل أمام الجنرال (داماد) وأجرى معه حديثاً مقتضباً، عاد أدراجه نحو معسكر المغاربة. غير أن مهمته هذه لم تخلُ من نتائج، إذ لم تمضِ ساعات حتى رأيناه يعود هذه المرة مصحوباً بواحد وعشرين من الأعيان، جميعهم مسلّحون ببنادق، ويبدون أقرب إلى نزعة القتال منهم إلى الاستعداد للخضوع.
وأفادني السيد هويل أنه في اليوم السابق، وفي ذروة الاشتباك، حاول الوصول إلى الجنرال عبر اختراق الخطوط الفرنسية. وكان يرافقه عدد من المغاربة، غير أن مجموعتهم الصغيرة لم تفلت من يقظة المدفعية الفرنسية، التي أطلقت قذيفة شظايا دقيقة الإصابة، قُتل على إثرها الفارس الذي كان إلى جواره في الحال، فيما فزعت بغلته، فانتفضت وسقطت وألقته أرضاً. وفرّت الدابة عبر الحقول، تاركة صاحبها مكشوفاً أمام نيران الصف الأول من المشاة. ولحسن الحظ لم يُصَب بأذى، وتمكّن من اللحاق ببغلته زاحفاً وسط حقول الشعير، والنجاة بنفسه. وكان أكبر الأعيان سناً – وهو شيخ وقور يرتدي سلهاماً ناصع البياض (يقصد الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي، صاحب الطريقة الصوفية، وعامل مولاي عبد الحفيظ على إقليم الشاوية) – قد أجرى محادثة مع الضابط الترجمان الملحق بهيئة الأركان، قبل أن ينسحب رفقة السيد هويل.
إن هذا الشاب الجريء، الذي نال ميدالية شرف تقديراً لشجاعته خلال الدفاع عن القنصلية الفرنسية بالدار البيضاء في أغسطس 1907، اضطلع بدور وسيط مفيد، وإن كان بالغ الخطورة عليه شخصياً، بحكم تنقّله المستمر بين الطرفين. وليس من المستغرب، تبعاً لذلك، أن يُساء تأويل سلوكه من طرف بعض مواطنيه من ضيّقي الأفق أو المهووسين بالأحكام المسبقة. وهكذا كنت شاهداً على أحد المراسلين الفرنسيين يهاجمه بعبارات نابية وينعته بالخيانة، قبل أن يتدخّل ضابط من مصلحة الاستعلامات ليضع حداً لهذه المهاترة، ملاحظاً على “الوطني” المفرط في حماسه أنه يفتقر إلى اللياقة بقدر افتقاره إلى حسن التقدير، وملتمساً منه الكفّ مستقبلًا عن الخوض في شؤون سياسية لا تدخل ضمن اختصاصه.
وفي اليوم التالي، الموافق لـ 10 مارس، جرى إرسال الأمتعة تحت حراسة عبر السهل في اتجاه سيدي العايدي، حيث ينبع وادي ميلس من المرتفعات، في حين واصل القسم الرئيسي من الحملة تقدّمه نحو قصبة ابن أحمد، على أن يلتحق لاحقاً بالقافلة. وقد لقيَتنا المجموعات السكانية التي صادفناها خلال المرحلة الأولى من المسير استقبالًا حسناً، إذ قدّموا لنا الزبدة والبيض والدجاج، بل وأبدوا استعداداً للدخول في حديث معنا. وكنت أسير آنذاك رفقة سرية من الرماة، فسمعت امرأة توجّه إليهم عبارة مهينة ؛ فأوضح لي ضابط من الأهالي أنها كانت تسألهم عمّا إذا كانوا جميعاً من اليهود، بعدما بلغها أن الجنود الفرنسيين ينتمون إلى تلك “السلالة المذمومة”. وعلى مقربة، كان شيخ طاعن في السن يمدّ وعاءً خشبياً طلباً للصدقة. وعلى الرغم من أن الرماة لا يتقاضون، حتى في زمن الحرب، سوى عشرين سنتيماً أجراً يومياً، فإن عدداً منهم ألقى بسخاء بعض القطع النقدية في إناء المتسوّل.
وعند اقترابنا من القمّة العالية التي تسبق قصبة ابن أحمد، لاحظنا حشداً كبيراً من الفرسان في أعلاها، ما لبثوا أن انحدروا لملاقاتنا. وكانت خيوط من الدخان الأبيض تتصاعد من بنادقهم، مصحوبة بدويّ متزايد؛ فانتشرت قوات الزواف التي تُشكّل الطليعة، في حين شرعت بطارية المدفعية في القصف نحو القمّة.
ويبدو أن الراية العسكرية للجنرال كانت تمارس جاذبية خاصة على فرسان الشاوية، إذ تمكّن أحدهم من التسلّل دون أن يُلحظ حتى مسافة مائتي متر من هيئة الأركان، وأطلق عدة طلقات دون أن يُصيب أحداً، قبل أن تتمكّن فصيلة الحراسة من شلّ حركته.
وخلفنا، كانت الساكنة قد غادرت دواويرها، وجلس الرجال والنساء والأطفال في نصف دائرة يتابعون أطوار المشهد. ولا شك أنهم كانوا يتمنّون النصر لأقاربهم وحلفائهم، وأن الله تلقّى في ذلك الصباح عدداً غير قليل من الدعوات بأن تصيب الرصاصات المغربية أهدافها.
وكان الزواف يطلقون النار على شكل دفعات، وهي طريقة تبدو غير ملائمة لمواجهة فرسان متفرّقين. وقد يوحي هدير المدفعية ونيران البنادق الكثيفة باندلاع معركة حقيقية، غير أن تعدد المرتفعات وطبيعة التضاريس جعلا القصف المغربي عديم الأثر تقريباً؛ فلم يُصب أي جندي فرنسي. وما إن تقدّم الزواف حتى تفرّق الخصم، وانتهت هذه المناوشة المحدودة الخسائر.
ومن أعلى القمّة التي جرى الاستيلاء عليها بسهولة، ظهرت أمامنا قصبة ابن أحمد، وهي قرية محصّنة بسور، تشبه تلك التي سبق أن مررنا بها، غير أنها بدت أكثر تضرّراً من ويلات الحروب الأهلية التي أنهكت البلاد خلال السنوات الأخيرة. ولم يظهر أي مدافع في أعلى الأسوار. لكن خلفها، وعلى هضبة متموّجة، انتصبت دواوير محصّنة تحيط بها مجموعات كبيرة من المحاربين. ولما لمحونا، تجمّعوا وكأنهم يتشاورون : أيُقدِمون على القتال أم يختارون الخضوع؟ ولتعجيل حسم موقفهم، توجهت إلى المقدمة، أمام القصبة، كتيبة من الفيلق وبطارية مدفعية، بينما بقي جزء من الطابور على القمّة في حالة ترقّب.
ومنذ 17 فبراير، كان القايد العربي بن الشرقي، وهو مسن مغربي ذو لحية رمادية من قبائل امزاب، يرافق هيئة الأركان ويقيم معها في المعسكر. وقد جاء إلى وادي مازر ليعلن خضوعه للفرنسيين، غير أنه وصل إلى علمه هناك بأن رعيّته ما إن غادر حتى تمرّدت، واحتجزت أبناءه رهائن، وصادرت أراضيه ومواشيه. وكان هو الحاكم الفعلي للقبائل التي أصبحت الآن في مواجهتنا. ولم يكن أحد أكثر ابتهاجاً منه حينما حسم قصف المدافع – التي لا بد أنهم سمعوا عن فاعليتها قبل يومين – قرار المحاربين ودفعهم إلى الخضوع. حلّ نحو أربعين من الأعيان على صهوات الخيل لتقديم الخضوع، واضطروا إلى المرور أمام ابن الشرقي، الذي لا شك أنه تذوّق إحدى أعمق لحظات الرضا في حياته وهو يشهد استسلام خصومه.
وأثناء مفاوضات الترجمان والأعيان حول شروط الأمان، وصل سرب من الفرسان القناصة، وسيوفهم مشرعة، ليُحيط بالمجموعة. وبقي هذا المشهد محفوراً في ذاكرة كل من رآه. وحجبت حينها سحب كثيفة أشعة الشمس، مهدّئة حدّة الألوان التي تكون عادة صارخة في هذا البلد ذي الضوء المشع. وكانت حقول الشعير العالية، وإن لم تزل خضراء، تتخلّلها مساحات برتقالية من الأذريون، تتوسّطها الأسوار البيضاء للقصبة. وأحاط الفرسان القناصة، بملابسهم الزرقاء والحمراء، بأهالٍ يبدو فيهم حبّ الألوان فطرياً؛ فبعضهم كانت له لُجم زرقاء فاتحة وبُسط سروج صفراء ليمونية، ولآخرين أغطية حمراء قانية تتوسّطها مشابك فضية مزخرفة. وكان معظمهم يرتدي سلهاماً أزرق ذا قلنسوة بيضاء، فيما اكتسى بعضهم الأبيض الكامل.
وبعد نقاش مطوّل، تم التوصّل إلى اتفاق. ورافقنا خمسة عشر من الأعيان إلى معسكرنا تحت حماية الفرسان. وكانت القافلة الطويلة تتلوّى عبر المسالك المنحدرة نحو السهل، فيما كان غناء الرجال يُسمع من بعيد، على الرغم من الإرهاق الشديد الذي خلّفته مشقّات ذلك اليوم”.
