قلب ليلى: سيرة الوجع.. عودة الروح وحكاية النجاة

قلب ليلى: سيرة الوجع.. عودة الروح وحكاية النجاة

عبد الرحيم التوراني

     حين يستفيق هاتف الظهيرة على نداء فرح، تنساق الروح إليه طائعة بالفطرة. قبل أسبوع وبضعة أيام، صافحني صوت الصديقة ليلى الشافعي دافئا ومفعما بنبض الحياة، يدعوني إلى واحتها الوادعة في بنسليمان، حيث يتهادى هدوء وصفاء الطبيعة على تخوم الدار البيضاء.

ما ان انقضى الصوت حتى تلاه صدى رفيقنا الشاعر توفيقي بلعيد مؤكدا الوعد، ومتفقا معي على أن نشد الرحال معا بسيارته نحو بنسليمان. كنت حينها مرتحلا خارج أسوار المدينة، فوعدته برسالة عابرة بعد عودتي.

لكن أقدار الجسد لطالما عاكست خطى الحالمين ومضت في دروب أخرى.

يوم الحفل التأم الشمل واجتمع الأصدقاء والصديقات، وبقي مقعدي وحدي خاويا. لم يكن غيابي تمنعا، بل لأن طوارئ الجسد المباغتة كانت تحفر مجراها في عروقي. اتصلت بي ليلى مرارا فلم تجد مجيبا، فظنّت بابتسامتها المعهودة أنني ربما تهت عن العنوان أو ضللت درب المسير. وحين عاودت الاتصال معتذرا، كان قلبي يعتصر شوقا لملاقاة الأحبة.. ليلى والصديقات المناضلات لطيفة اجبابدي وفاطمة المغناوي وربيعة مرضي، والرفيق الشاعر توفيقي بلعيد، والصديق الأديب عبد الدين حمروش...

ولم يكن العذر هيّنا، فقد جاءت نتائج الفحص الطبي “بالإيكو” بوقع مباغت هز استقرار جسدي: تمزق عضلي مشفوع بجلطة في شريان الفخذ الخارجي..

كيف؟ وأنا الذي كنت أحسب أن التمزّق العضلي قدر يتربص بالرياضيين وفرسان الملاعب، بينما اقتصرت علاقتي بالكرة منذ أعوام طويلة على شغف المتابعة عبر الشاشات، بعدما نأيت عن المدرجات وهتاف الجماهير… لكن الألطاف الخفية كانت بالمرصاد.. إذ طمأنني الطبيب بنبرة هادئة أن العناية الإلهية وحدها حالت دون امتداد الخثرة إلى الشريان الداخلي، وإلا لكانت الفاجعة التي تطال الرئة والقلب معا.

هكذا وجدت نفسي سجين المرض، بينما كانت بضواحي بنسليمان تدور رحى حكاية أخرى مفعمة بالعشق الجارف للحياة.

بعد أيام، بعثت إليّ ليلى بصور الحفل وأصدائه البهيجة.

يا الله.. كم كان ذلك اللقاء مفعما بالصخب الجميل ونبض الحياة…

في رسالة نصية، كتبت لي ليلى بنبرتها الدافئة: “الأمس مر كل شيء على ما يرام. حضر أصدقاء كثيرون من كل الأطياف، من كتاب وكاتبات وشعراء وحقوقيات… وقد التهم الجميع خروفا بزنة تسعة عشر كيلو، فضلا عن الفواكه والحلويات، في أجواء مفعمة بالفرفشة والضحك والموسيقى والأغاني، قبل أن يغادر الجميع“..

خلف هذا البهاء الظاهري كانت تتوارى حكاية عميقة تنطق بوجع الوجود وأسراره.. فقد كان ذلك اللقاء في جوهره حفلا للاستشفاء واحتفالا بالنجاة، بعد عملية جراحية قاسية خضعت لها ليلى على القلب المفتوح، وكانت تلك عمليتها الخامسة… لقد كانت ليلى وهي تذرع ممرات المصحة تظن أن قلبها قد تعب منها، وأن الأوان قد آن لكي يستريح، على حد تعبيرها الشجي.

دخلت غرفة العمليات محملة بيقين مطلق بأنها لن تعود. وحين تملكها ذلك الإحساس، خطت بمداد الوجع وصية لابنتها وابن أختها، أن يقيما ذكرى أربعينها في بيتها بحي حسان بالرباط، بعد أن يدعوا جميع صحبها وأصدقائها. أوصتهما أن يطلقا العنان للموسيقى وأن يغمر الفرح قلوب الجميع، مؤكدة أن روحها ستخفق فوق رؤوسهم مطمئنة راضية لأنهما نفذا الوصية بدقة.

لكن أقدار السماء كانت تبتسم لليلى بطريقة أخرى.

عادت ليلى الشافعي من عتبات الموت إلى ضياء النهار، وهي تشعر هذه المرة أن الحياة هي التي تشبثت بها ورفضت مفارقتها، معبرة بكلمات يغمرها الامتنان عن غبطة عارمة بهذه العودة المباغتة.

فلم تكن تلك الوليمة مجرد لقاء عابر، بل كانت حفلة لعودة الروح.. إذ دعت إليها أولئك الأحبة أنفسهم الذين كان من المفروض أن يشهدوا مأتم تأبينها، ليجلسوا اليوم معها يتقاسمون نخب الحياة ويحتفلون بميلاد متجدد.

ما أجمل أن تنقلب الأحزان أفراحا، وما أروع أن تهزم الإرادة عتمة الفناء…

***

     ليلى الشافعي أبعد من أن تختزل في تجربة صحية قاسية، فهي امرأة راكمت مسارا مهنيا وثقافيا وحقوقيا وازنا. التحقت بوكالة المغرب العربي للأنباء في مستهل التسعينيات الماضية، واشتغلت بقسم الوكالة الثقافي لتواكب نبض المبدعين وتجعل من الصحافة نافذة على أسئلة المجتمع. وانتخبت سنة 2013 أول امرأة رئيسة لجمعية الأعمال الاجتماعية لوكالة المغرب العربي للأنباء. وإلى جوار الصحافة ظلت الكتابة الأدبية وتيرة أصيلة في روحها، فأصدرت مجموعتها القصصية “الوهم والرماد” سنة 1994، وخاضت غمار الترجمة، وانشغلت بقضايا المرأة وحقوق الإنسان. كما انخرطت في العمل الثقافي واستحقت عضوية المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب.

ولكن سيرة ليلى تنطوي على جانب آخر فريد، قدرتها العجيبة على مصادقة الحياة ومواجهة المنعطفات بروح لا تعرف اليأس، إذ كشفت في تدوينة عن تجربتها مع جراحة القلب المفتوح قبل ذلك بأعوام، مختارة أن تستقبل العملية بروح متفائلة يوم عيد الحب، معتبرة أن التزامن فأل حسن. تلك التفاصيل تكشف طينة ليلى الإنسانية، قدرتها على استنطاق الجمال حتى في قلب الألم.

لا تحتفي الذاكرة اليوم بنجاة قلب ليلى فحسب، بل تحتفي بمسار امرأة أثرت الصحافة والثقافة المغربية، وبشهادة وثائقية أبدعتها في فيلم “العودة من الرماد” (إخراج سعيد خلفي، وقصة مستوحاة من مذكراتها “الغرفة رقم 03”). شريط يختزل صراعها مع الموت، وتلك الطفلة “غزلان” التي تركت جلدها على الطاولة بينما نجت ليلى لتروي حكاية الحد الفاصل بين الحياة والموت.

طول العمر والصحة الموفورة للعزيزة ليلى، ولكل الأحباب والأصدقاء الذين يخطون بوجودهم المعنى الحقيقي لأن نكون بشرا.. نحب فنحيا.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!