ماكرون والطريق الثالث: تمرد ديبلوماسي وسعي للاستقلالية الاستراتيجية
سمير سكاف
لا يخفي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفضه الصريح للتوجهات الأمريكية في الشرق الأوسط، محاولاً ترسيخ أوروبا كقوة مستقلة وسط طبول حرب إقليمية واسعة، وتدهور في العلاقات العابرة للأطلسي.
يعتقد ماكرون أن القصف والتدخل العسكري في إيران لا يساعد الشعب الإيراني في تغيير النظام ولا في حل المشاكل، وذلك على الرغم من تأكيده أن النظام الإيراني “سيء جداً” وأنه لا يتفق معه في كثير من الأمور. ويذكّر ماكرون بأن الحروب في العراق وأفغانستان وليبيا لم تقدم الكثير لشعوب هذه البلدان، حتى بعد مرور عشرين سنة على بدايات تلك الصراعات.
سيادة الشعوب ورفض “صندوق باندورا“
يؤمن الرئيس الفرنسي بضرورة احترام سيادة الشعوب التي يمكنها تغيير أنظمتها متى شاءت وبحركتها الخاصة، رافضاً “فتح صندوق باندورا” عبر لجوء أي طرف إلى التدخل العسكري ضد دولة ما وقصفها بحجة أنها تشكل خطراً على جيرانها.
السعي نحو “القوة الثالثة” والاستقلالية الاستراتيجية
يتبنى ماكرون رؤية “الخط الثالث”؛ وهي بناء تحالف أوروبي مع قوى مثل كندا واليابان، دون الاعتماد على الصين أو البقاء “ملحقاً” للأمريكيين. وفي خطابه الأخير أمام طلاب في كوريا الجنوبية، دعا إلى تشكيل تحالف من “القوى المتوسطة” يضم (فرنسا، اليابان، كوريا الجنوبية، كندا، الهند، والبرازيل). والهدف -بالنسبة له- هو إنهاء التبعية للقطبين (واشنطن وبكين)، ومنع ارتهان القرار الدولي لتقلبات السياسة الأمريكية.
تحديث العقيدة النووية: عنصر تمرد ديبلوماسي
يؤكد الرئيس ماكرون محاولات تمرده الديبلوماسي على واشنطن من خلال خطوات عملية؛ ففي خطاب له الشهر الماضي بقاعدة “إيل لونغ” البحرية (قبيل جولته الآسيوية)، أعلن عن:
- زيادة عدد الرؤوس النووية الفرنسية.
- إطلاق برنامج صواريخ “فرط صوتية“.
- توسيع مفهوم “الردع” ليشمل العمق الأوروبي؛ رداً على تآكل الثقة في المظلة النووية الأمريكية.
مستقبل العلاقات الأطلسية في ظل ترامب
يرى المراقبون أن الولايات المتحدة بعد عهد الرئيس دونالد ترامب لن تكون كما كانت قبله، ومع أن العلاقات الأمريكية الأوروبية قد تعود إلى صوابها مستقبلاً، إلا أنه من الصعب جداً على الأوروبيين التكيف مع سياسات ترامب في السنتين المقبلتين.
لذلك، يحاول ماكرون وضع أسس لعلاقة أوروبية جديدة مع واشنطن؛ علاقة “مؤسساتية ثابتة” لا تخضع لمزاجية الرؤساء، وذلك على الرغم من اقتراب نهاية ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة في ربيع العام المقبل.
