محمد حربي.. رحيل آخر الحالمين بالمغرب الكبير

محمد حربي.. رحيل آخر الحالمين بالمغرب الكبير

عمر بنعطية

           بوفاة المؤرخ والمناضل الجزائري الكبير محمد حربي في منفاه بباريس في الأول من يناير 2026، لا تُطوى صفحة من تاريخ الجزائر فحسب، بل يسقط ركن أساسي من أركان الذاكرة المغاربية المشتركة. رحل الرجل الذي لم يقبل يوما أن تُحبس فكرته خلف الأسلاك الشائكة، وظل حتى رمقه الأخير يؤمن بأن “الجزائر والمغرب رئتان في جسد واحد“.

الوفاء للدم المشترك

لم يكن محمد حربي بالنسبة للمغاربة مجرد مؤرخ جارة شقيقة، بل كان شريكا في الحلم والألم. انخرط في النضال ضمن “نجم شمال أفريقيا”، وتشبّع بروح وحدة المصير قبل أن تفرقنا حسابات الدول الوطنية. بالنسبة لحربي، لم تكن الثورة الجزائرية شأنا محليا، بل كانت ملحمة شارك فيها المغاربة بالدم والإيواء والوجدان، وهو الجميل الذي ظل يحفظه للمغرب طيلة حياته.

في باريس، وفي سنوات المنفى الطويلة، لم يكن حربي يبحث عن رفاقه بين الإيديولوجيات الجامدة، بل وجد ضالته في رجالات المغرب الذين قاسموه وجع التغيير…

مع عبد الرحمان اليوسفي: كان لقاؤهما لقاء “الحكماء”. تقاسما رؤية رصينة قوامها أن استقرار المنطقة رهين بالديمقراطية لا بالصدام. كان حربي يرى في اليوسفي نموذجا للمناضل الذي يجمع بين أخلاق الفرسان ودهاليز السياسة.

مع محمد الباهي، الصحفي الاستثنائي: كانت علاقتهما هي الأعمق إنسانيا. كان الباهي يمثل لحربي البوصلة المغربية التي لا تخطئ. تشاركا جلسات ليالي باريس الطويلة، حيث كانا يعيدان رسم خريطة المغرب الكبير بعيدا عن صراعات الحدود الموروثة. لقد كان رحيل الباهي جرحا في قلب حربي، واليوم يلتقيان في ملكوت الذاكرة.

مع الفقيه البصري: رغم اختلاف المشارب، وجد حربي في الفقيه البصري تلك الروح الثورية المتمردة التي ترفض الانصياع للواقع المر، فكانا يتبادلان التحليل والنقد حول أزمات السلطة في البلدين.

تفكيك الأساطير

أهم ما تركه حربي هو منهجه في نزع القداسة عن التاريخ الرسمي. لقد علم الأجيال الصاعدة في الرباط كما في الجزائر أن المؤرخ ليس موظفا لدى السلطة، بل هو محامي الحقيقة. حين كتب عن أخطاء جبهة التحرير، لم يكن ينتقد الجزائر، بل كان يقدم درساً لكل الأنظمة المغاربية في ضرورة المراجعة والمصالحة مع الذات.

يرحل محمد حربي اليوم، مخلفا وراءه مكتبة من القيم قبل أن تكون مكتبة من الكتب. رحل الجسر الفكري الذي رفض الانكسار أمام دعوات التفرقة. في وفاته، ندرك حجم الخسارة، فقد فقدنا ذاكرة كانت تعرف أن وجدة وتلمسان، والرباط والجزائر، ليست مجرد مدن متجاورة، بل هي مفاصل في حلم المغرب الكبير الذي عاش حربي ومات وهو يحمله بين ضلوعه.

وداعاً محمد حربي.. ستبقى ذكراك عابرةً للحدود، تماماً كما كان فكرك وقلبك وقلمك.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!