مدام دو ستايل: الأدب والسّياق المجتمعيّ (1-2)

مدام دو ستايل: الأدب والسّياق المجتمعيّ (1-2)

       سعيد بوخليط                     

لويز جيرمين نيكر(22أبريل 1766،14يوليوز 1817)، المشهورة والمعروفة أساسا بلقب مدام دي ستايل – يعود لقب دي ستايل إلى زواجها عام 1786، من البارون إيريك دي ستايل هوستين، سفير السويد في فرنسا- ضمن طليعة الرّموز التي ألهمت سبيلا أمام لبنات الدّرس النّقدي الأدبيّ الحديث. تعتبر من أشهر موسوعييّ القرن الثّامن عشر، بحيث كتبت في مجالات عدّة ضمن حقل العلوم الإنسانية، السّرد، النّقد، التّاريخ، السّياسة، الأبحاث الاجتماعية والنّفسية، إلخ : ”جسّدت وحدها صورة الكاتبة، والمثقّفة والمسؤولة عن صالون أدبي خلال القرن الثّامن عشر، وبمثابة رمز مهمّ من رموز الرّومانسية والفكر اللّيبرالي بحيث يستمرّ أثرها وانخراطها السّياسي في ممارسة سحرهما ”(1).

اهتمامات فكرية متنوّعة جعلت صوتها المعرفيّ حاضرا بقوّة وامتياز واضحين، دفاعا عن قيم العدالة الاجتماعية والتحرّر والتخلّص من مختلف أنواع الاستعباد: ”نعم يخبرنا كلّ شيء في حياة وكتابات دي ستايل، بما يلي: ”يلزم التّجَرّؤ”. التّجَرّؤ في مواجهة أشكال الرّقابة العائلية، الأحكام القَبْلية، الأعراف”(2)، لاسيما وأنّها ارتبطت وجوديا بحدث انقلابي كبير عرفة التّاريخ الأوروبيّ خصوصا والإنسانيّ عموما، يتعلّق الأمر تحديدا بالثّورة الفرنسية سنة 1789 .

عاشت الفترة تماما بكلّ مشاعرها ومجمل أفكارها ومواقفها، بل وكابدت سنوات المنفى بعيدا عن بلدها فرنسا طيلة احدى عشر سنة (1803- 1814) نتيجة تداعيات حدث الثّورة في خضمّ صراعها السّياسي المبدئي مع الجنرال نابليون بونابارت؛ الذي اعتبرها عدوّا لدودا بسبب كتاباتها وآرائها الرّافضة لسلطته الديكتاتورية، يشهد على ذلك العبارة المأثورة: ”ثلاث قوى كبرى واجهت نابليون: انكلترّا، روسيا، مدام دي ستايل”. وتضيف ستيفاني غوناند: ”بالنّسبة لدي ستايل، فقد خان بونبارت الحريّة وإرث الثّورة الفرنسية بل الأسوأ من ذلك أرسى نظام حكم غير أخلاقي استند على التّرهيب، التّمويه والمصلحة. تواري المصلحة العامّة أمام زحف الأنانية، تحديدا سنة 1804 عندما أسّس نابليون محكمة عليا وبالتّالي سيادة إذعان خطير متخلّف عن العصر.جريمتان سياسيتان، جعلتا الإمبراطور مذنبا في نظر دي ستايل: الاستبداد والاستخفاف. ماتسمّيه تقييمات إشارة السّياسة الحديثة ب ”الميكيافيلية” .(3)

انحدرت لويز جيرمين من أسرة ثريّة ومثقّفة، مما أتاح لها منذ سنوات طفولتها الاختلاط بعلِّيّة القوم في فرنسا وكبار موسوعيّي القرن الثّامن عشر، ذلك أنّ والدها المصرفيّ السويسريّ أصبح وزيرا للمالية في عهد الملك لويس السّادس عشر، بحيث استدعاه هذا الأخير لإنقاذ الحكومة من الإفلاس. ميّزه نزوعه الضّمني صوب مقوّمات ومرتكزات الفكراللّيبرالي، لذلك أيّد الثّورة الفرنسية سنة 1789 .

أمّا والدة دي ستايل سوزان كورشو، الملتزمة بمرجعية المذهب البروتستاني، فقد اشتهرت بإشرافها على صالون أدبي في باريس دأب على حضوره كبار الموسوعيين من طينة: فولتير، ديدرو، جون لورون دالمبيرت، فريدريش غريم، جاك هينري ميستر،غابريل بونو دو مابلي، غيوم توماس فرانسوا راينال، بيرناردين لوسان بيير…

هكذا، ترعرعت لويز جيرمن أو مدام دي ستايل مستقبلا وسط تلك الأجواء الرّفيعة، وهي تجالس منذ صغرها داخل صالون والدتها شخصيات علمية مرموقة، فأثارت الانتباه بحضورها اللاّفت ولم تتجاوز الثّالثة عشر من عمرها، بفضل اطّلاعها المبكِّر على نصوص روسو، مونتسكيو، شكسبير، دانتي، جرّاء الآفاق العلمية التي استلهمتها منذ طفولتها داخل صالون أمّها، كي تتشكّل منذئذ ملامح شخصيتها الموسوعية التي رسمت جانبا معتبرا من تاريخ الأفكار والنّظريات، وانضمّت إلى لائحة كبار الأعلام الأوروبّيين الذين وضعوا لبنات الحداثة الأوروبية بحيث يكاد أثرها لايقلّ قيمة عن المعالم التي أرستها تأمّلات ديكارت أو باسكال أو روسو: ”استفادت دو ستايل من وضع غير نمطي: فقد كانت الفتاة الوحيدة لعائلة نيكر،هكذا عاينت منذ شبابها شخصيات تنتمي لأعلى دوائر السلطة.بدت شغوفة أكثر بالوظائف الوزارية لأبيها، بحيث لم تنصرف خلال تربيتها،عن عالم السياسة.استلهمت من أمّها، سوزان نيكر، جملة مبادئ ضمن وجهة مغايرة عن التي طوّرها روسو في كتابه ”إيميل”، بمعنى الاطّلاع على مجالات معرفية متعدّدة، ومجالات أقلّ نسائية خلال تلك الحقبة كما الشّأن مع السّياسة. هذا مايميّز  فرادة طفولة وكذا وضع أرسيا سبيلا لمدام دي ستايل كي تشغل موقعا طبيعيا ضمن المشهد السّياسي”(4).

استمرّ تقليد الصّالون الأدبي، لكن هذه المرّة، انتقل الاشراف من الأمّ إلى الشّابّة دي ستايل وقد بدأ اسمها يلمع في سماء الفكر ضمن سياق تداعيات زلزال الثّورة على النّظام الملكي في فرنسا، ثمّ التّجاذبات النّفسية التي اختبرتها خلال تلك الفترة.صالون ارتبط بقصر ”كوبييه” بعد نفيها من طرف نابليون، فشكّل فضاء لمناقشة اللّيبرالية الحديثة بين مفكّرين من فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إنجلترا وكذا أبرز عقول العصر مثل بنجامين كونستانت الذي ربطته مع دي ستايل علاقة غرامية، ويلهلم شليغل، جون شارل سيسموندي، كارل فيكتور فون جونستيشن. ساهم الصّالون في اختمار تصوّرات عدد من أجيال الكتّاب ورجال السّياسة مثل شاتوبريان، جورج غوردون بايرون، بروسبير بارون دو بارونت… استمرّ إرث دي ستايل دفاعا عن القيم الجمهورية واللّيبرالية: المساواة، الحرّية، إخضاع السّلط لضوابط القواعد الدّستورية.

إذن، اعتُبر صالون كوبييه على ضفاف بحيرة جنيف في سويسرا، مختبرا لتوالد الأفكار المناهضة لديكتاتورية نابليون بونابارت وكذا دعوة للتمرّد على مختلف أشكال الهيمنة السّلطوية. ولاشكّ أنّ قصّة صراعها الطّويل مع نابليون وعقاب النّفي، قد أخذت حيّزا مفصليا ضمن مختلف مسارات لويز جيرمين دي ستايل، المثقّفة الكبيرة الموصولة بسياقها الزّمني، بل ربّما شكّل دافعا ضمنيا لإنجاز مضامين عناوين كتاباتها، أشير إلى عناوين أهمّها:

”تأمّلات حول الثّورة الفرنسية” (1818 بعد وفاتها)، ”عشر سنوات في المنفى” (1818)، “كورين أو إيطاليا” (1807)، ”دلفين” (1802)، ”رسائل حول جان جاك روسو” (1788)، ”حول ألمانيا” (1810)، ”تأثير الرّغبات على سعادة الأشخاص والأوطان” (1796)، ”دلفين” (1800)، ”الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية” (1800)، ”تأمّلات في الانتحار” (1813)، إلخ.

بداية رأت في نابليون رجل الثّورة، لكنّه خيّب ظنّها عندما صار مستبدّا يجتاح أوروبّا، مثلما انضمّت أيضا خلال البدايات إلى الثّورة الفرنسية وكانت من المدافعين عن أهدافها، غير أنّها تراجعت نسبيا بعد معاينتها لأجواء الإرهاب التي هيمنت منظومتها مع اليعاقبة وروبسبير، مع استمرار رسوخ قناعتها العميقة والدّائمة بضرورة سعي الانسان إلى التحرّر من أشكال الهيمنة والتسلّط والاستلاب؛ كيفما تجلّت مظاهرها.

التقت نابليون أواخر عام 1797 وفي مناسبات أخرى بحيث استشرفت معه الرّجل القادر على تحويل فرنسا إلى دولة ليبرالية، بيد أنّ تقديرها لم يكن صائبا، فجعلت من لقاءات صالونها الباريسي نواة وحلقات نقاش لتشكيل معارضة ضدّ سلطة بونبارت الذي وصفته دوما بالدّيكتاتور الطّفيلي، الطّاغية المستبد الذي يفرض رقابته على كل الشّعب، وعبارات من قبيل ”مستبدٍّ لايرحم يعتبر المواطنين مجرد بيادق على رقعة الشّطرنج يتحكّم فيها”، ”باستمرار لم يتوقّف بونبارت كي يحتقرني بامتياز. انتابني شعور مضطرب مفاده عدم قدرة أيّ شعور قلبي للتّأثير عليه”.

بلغ الحقد بنابليون مبلغا جعله يصادر من المطبعة كتابها عن ألمانيا وأمر بإتلاف نسخه. كتاب ألّفته خلال سنوات نفيها في ألمانيا، وأوضحت عبر صفحاته المخصَّصة للفكر الألماني عن مدى إعجابها بالثّقافة الألمانية، بحيث تعرّفت هناك على غوته وشيلر وأطلعها الأخير على مضامين الأدب الألماني، بالتّالي شكّلت هذه الدّراسة مرجعية لتعريف القارئ بأهمّ رموز الألمان منهم: غوته، شيلر، ليسينغ، كانط، فيخته، شليغل، وغيرهم من أعلام الأدب الألماني، وأضحى الكتاب واحدا من المراجع الأساسية لظهور الرّومانسية في فرنسا. أعجبت دو ستايل كثيرا بالبدايات الجنينية لهذا الحركة في ألمانيا، ولقائها بالمفكّر الرّومانسي أوغست فيلهلم فو شليغل.

امرأة استثنائية كما وصفها غوته، صاحبة ذكاء بليغ على حدّ قول شيلر، انتصرت إلى الحريّة والانعتاق والشّجاعة، فتحت الطّريق أمام نساء أخريات مثل جورج ساند وماري داغولت، منذ انطلاق مشروعها سنة 1788، ولم تتجاوز سنّ الثّانية والعشرين، بدراسة عن جان جاك روسو بناء على معايير فيزيولوجية ونفسية ومعنوية.

عموما سعت مختلف روافد كتابات دي ستايل، التحرّر من مختلف السّلط والقوالب النّمطية والبناءات القائمة التي تقيّد النّزوع الإنساني، ذاتيا وموضوعيا، وعبّرت عن قناعاتها وعواطفها بكلّ حرّية.

ضمن هذا الأفق، تبلورت تصوّرات ومفاهيم دي ستايل حول الأدب بحيث صاغت المقوّمات العامة لهذه الاطروحة الجديدة بين صفحات عملها الشّهير ”الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية” (1800)، الذي يعتبر من المعالم الجوهرية على مستوى التّنظير للأدب خلال العصر الحديث ومحاولة دي ستايل اكتشاف قوانين علمية تخرج تأويل الأدب من الايحاءات الميتافيزيقية أو التّداعيات الفطرية، وتجعله موصولا ماديا بمنظومة مختلف التّأثيرات التي تمسّ المؤسّسة الاجتماعية برمّتها نتيجة اشتغال العلاقات بين الأدب والمجتمع والسّياسة.

هكذا، غادر الأدب إطار جمود القوانين والمحدّدات الثّابتة، وأضحت هويّته نسبية تتشكّل وتتبدّى من خلال الارتباط بالبيئة التّاريخية والثّقافية التي أفرزته، لذلك دعا الطّرح العام لمدام دي ستايل بضرورة التحرّر من صرامة القواعد الكلاسيكية والتّعبير عن العواطف الشّخصية، تصوّر يعكس بداية تعبير دي ستايل عن التيّار الرومانسي الذي تأثرت به خلال منفاها في ألمانيا.

يتحدّد الذّوق الأدبي ومعطيات الأسلوب الجمالية داخل السّياق المجتمعي ومن خلاله، بالتالي تختلف التّقييمات بين مجتمعين ينحدران من نفس العصر وكذا المرحلة الحضارية الأولى، بخلاف منظور جون باتيست فيكو الذي تبنى مفهوم المرحلة الحضارية.

 

 

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!