حين تصطدم الأهداف الحكومية بتوقعات الاقتصاد

حين تصطدم الأهداف الحكومية بتوقعات الاقتصاد

د. رباب مقران

         بصرف النظر عن موقفي السياسي من هذه الحكومة ومن الانتخابات التي أفرزتها، فإن مناقشة برنامجها الاقتصادي تقتضي الاحتكام إلى الأرقام والمعطيات، لا إلى الانطباعات أو المواقف المسبقة. وحين تعلن الحكومة أهدافا تمتد إلى سنة 2031، يصبح السؤال الأساسي هو مدى واقعيتها في ضوء المؤشرات الاقتصادية الحالية، وشروط تحقيقها، والقدرة على تجاوز الاختلالات البنيوية التي تحد من نمو الاقتصاد المغربي.

أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري أن الحكومة تستهدف تحقيق معدل نمو سنوي متوسط يبلغ 5% خلال الفترة 2027-2031، مع حصر عجز الميزانية في 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض الدين العمومي إلى نحو 62% بحلول سنة 2031. غير أن مقارنة هذه الأهداف بتوقعات المؤسسات الاقتصادية تكشف عن فجوة تستحق النقاش، خصوصا فيما يتعلق بالنمو.

فوفقا للمندوبية السامية للتخطيط، في ميزانيتها الاقتصادية الاستشرافية الصادرة في يوليوز 2026، يرتقب أن ينمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.8% سنة 2026، مدعوما بانتعاش فلاحي استثنائي، قبل أن يتباطأ النمو إلى 3% سنة 2027، بافتراض موسم فلاحي متوسط. أما صندوق النقد الدولي، فتوقع في مارس الماضي نموا بنسبة 4.5% سنة 2027، مع معدل نمو متوسط الأجل في حدود 4%. وهذه التوقعات، وإن اختلفت في تقديراتها، لا تجعل بلوغ متوسط 5% خلال خمس سنوات مستحيلا، لكنها تضع الحكومة أمام ضرورة تقديم تفسير اقتصادي مقنع لكيفية الانتقال إلى هذا المستوى، بدل الاكتفاء بإعلانه هدفا.

أولى العقبات تكمن في هشاشة النمو أمام التقلبات المناخية. فحين يستند جزء مهم من تحسن النمو إلى موسم فلاحي استثنائي، تظل النتائج عرضة للتراجع مع عودة التساقطات إلى مستويات عادية أو تجدد الجفاف. ولا يمكن بناء مسار مستدام للنمو على تحسن ظرفي في القطاع الفلاحي، ما لم يترافق مع تطوير الصناعة ورفع الإنتاجية وتنويع الصادرات وتقليص التبعية للظروف المناخية.

وتبرز هنا مشكلة ثانية تتعلق ببنية الإنتاج. فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط نفسها، يرتقب أن ترتفع القيمة المضافة للقطاع الأولي بنسبة 18.1% سنة 2026، مقابل نمو لا يتجاوز 1.1% للقطاع الثانوي. ويكشف هذا التفاوت عن تحدي تحويل الانتعاش الظرفي إلى توسع صناعي وإنتاجي مستدام. فإذا لم تتسارع وتيرة التصنيع، ولم تتحسن إنتاجية المقاولات، فسيكون بلوغ نمو مرتفع بصورة متواصلة رهينا بعوامل لا تتحكم الحكومة فيها بالكامل.

وتضاف إلى ذلك التحديات الخارجية، من تباطؤ الطلب على الصادرات المغربية إلى تقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية. كما أن الاستثمار في البنيات التحتية المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030 يدعم النشاط الاقتصادي، لكنه لا يضمن وحده استمرار الوتيرة نفسها بعد انتهاء المشاريع. والمطلوب هو أن تتحول هذه الاستثمارات إلى طاقة إنتاجية دائمة، لا أن يبقى أثرها مرتبطا بدورة إنفاق استثنائية.

أما هدف حصر عجز الميزانية في 3%، فيصطدم بدوره بتعدد الالتزامات الحكومية: توسيع الدعم الاجتماعي، وتحسين المعاشات والخدمات العمومية، وتمويل الاستثمار، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم. وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد توقعت عجزا في حدود 3.2% سنة 2027، مقابل 3.4% سنة 2026. والفارق ليس كبيرا من حيث النسبة، لكنه يعني أن بلوغ السقف الذي تعلنه الحكومة يتطلب موارد إضافية أو تحسنا في الإيرادات أو ضبطا للنفقات، مع تجنب تحميل الفئات الهشة كلفة التوازنات المالية.

والمشكلة ليست في إعلان هذه الأهداف، بل في غياب ما يكفي من التفاصيل لإثبات أن شروط تحقيقها متوافرة. فما الإصلاحات الإنتاجية التي ستتيح الانتقال من نمو متوقع يتراوح بين 3% و4.5% سنة 2027 إلى متوسط 5% على مدى خمس سنوات؟ وما القطاعات التي ستقود هذا التسارع؟ وما حجم الاستثمار الإضافي المطلوب، ومصادر تمويله، ومردوديته على التشغيل والصادرات؟

إن بلوغ نمو متوسط قدره 5% يظل ممكنا من الناحية النظرية، لكنه ليس نتيجة يمكن افتراض تحققها بمجرد إدراجها في البرنامج الحكومي. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن تحقيقه يحتاج إلى تحول ملموس في بنية الاقتصاد، وتقليص تبعيته للتقلبات المناخية والخارجية، وتسريع التصنيع، وتحسين الإنتاجية. ومن دون تحديد هذه الشروط وبيان كيفية تنفيذها، يبقى الرقم أقرب إلى هدف سياسي معلن منه إلى توقع اقتصادي أثبتت المعطيات واقعيته.

المطلوب، إذن، ليس مطالبة الحكومة بضمان المستقبل، بل مطالبتها بتقديم الأسس التي بنت عليها توقعاتها، ونشر مؤشرات سنوية قابلة للقياس تسمح بمقارنة الوعود بالنتائج. فالمصداقية الاقتصادية لا تُبنى على طموح الأرقام وحده، وإنما على وضوح المسار الذي يفترض أن يقود إلى تحقيقها.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!