ملتقى مراكش للأعلام والعمران.. نسيج معرفي يربط التاريخ بالمسؤولية
مراكش- خاص:
لم يكن اختتام فعاليات مراكش ألفية الأعلام والعمران في دورتها الثانية مجرد إسدال ستار على تظاهرة ثقافية، بل كان إيذانًا بلحظة وعي جماعي، يُعاد فيها التفكير في معنى التراث، لا بوصفه ماضيًا منقضيًا، بل باعتباره طاقة رمزية حيّة، قابلة لأن تُستنبت في الحاضر وتُستثمر في أفق المستقبل. فمن داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض، تبلورت رؤية ترى في التراث ممارسةً معرفية، لا حنينًا، ومسؤوليةً تربوية، لا مجرد احتفاء.
في كلمته الافتتاحية، شدد الدكتور أحمد شحلان، الأمين العام للتظاهرة، على أن العلاقة بالتراث لا تستقيم إلا إذا أُضيئت بنقد العقل وحرارة الوعي، عبر تثمين خصوصياته المحلية والحضارية، وتوحيد الرؤية حول مقوماته العمرانية والفكرية. فالتراث، كما أكد، لا يُختزل في استحضار الشخوص والأمكنة والأزمنة، بل في إعادة قراءته، وتثبيته في مناهج الحياة اليومية، وتوجيهه ليكون رافعة للتربية، ومصدرًا للوعي، وفضاءً لفضيلة الفخر والانتماء.
وأمام حضور وازن من مثقفين وأكاديميين وإعلاميين، من مدعوي مؤسسة أحمد شحلان للدراسات والأبحاث في معارف الغرب الإسلامي، عبّر شحلان عن أفقٍ استشرافيّ يروم توحيد الرؤية حول أدوار الآداب والفكر المغربي وفنونه في صناعة حداثة متجذرة، تنطلق من معرفة دقيقة بتاريخ البلاد وهويتها الخاصة، دون القطيعة مع أسئلة الراهن أو إغفال دور الشباب في امتلاك هذه المعارف وتوطينها في المنجز المعاصر.
وشهدت القاعة الكبرى للندوات وقفات تكريمية متعدّدة، لوجوه علمية وثقافية وفنية وقضائية وطبية ودبلوماسية، أسهمت، كل من موقعه، في إثراء الذاكرة المراكشية والمغربية. فجاء التكريم بوصفه فعل اعتراف رمزي، يُعيد وصل الأفراد بسيرورتهم التاريخية، ويمنح المنجز الفردي معنى جماعيًا، تتقاطع فيه المعرفة بالالتزام، والذاكرة بالفعل.
أما الجلسات العلمية، الموزعة على خمسة محاور، فقد فتحت أفق التفكير في الجامعة، والعمران، والفن، والقضاء، والطب، والدبلوماسية، باعتبارها حقولاً متداخلة في تشكيل الوعي الحضاري. فمداخلة الدكتور محمد الكنيدري أعادت الاعتبار للدور التاريخي والعلمي لجامعة القاضي عياض، بوصفها مؤسسة أنتجت الفكر وأسهمت في تدبير الشأن العام. فيما قارب الأديب والمؤرخ محمد رابطة الدين رفقة المهندس المعماري محمد مكريف، عبقرية صومعة الكتبية، لا كمَعْلَم حجري، بل كنصّ بصري مشحون بالرموز، يعكس تلاقي السلطة، والدين، والفن، والزمان.
وفي فضاءات المحاورة، تحولت الشهادات الحية للمكرمين إلى لحظات بوح واستذكار، أعادت طرح سؤال التجربة بوصفها معرفةً مكتسبة، كما في مسار الفنان محمد حمادا، أو الإعلامي والأكاديمي مصطفى غلمان، حيث تداخل الإبداع مع الالتزام الثقافي والمؤسساتي. كما أضاءت مداخلات النقيب عمر أبو الزهور والمحامي عبد الصمد الطعارجي مسار المرأة في القضاء المغربي، باعتباره مسار توهج بطيئًا، لكنه عميق الأثر، يستدعي الأرشفة والاعتراف والتأريخ.
ولم يغب البعد الإنساني العميق عن الملتقى، إذ استحضرت مداخلة الدكتور جمال الدين الأحمدي تاريخ الأوبئة في المغرب، كاشفة عن الوجه الخفي للمعاناة الجماعية، وعن تلازم المرض بالفقر والجفاف والاستعمار، في تذكير صارخ بأن التاريخ لا يُقرأ فقط من زاوية المجد، بل أيضًا من شقوق الألم.
أما المداخلة الدبلوماسية للسفير المكي كوان، فقد أعادت تعريف العمل الدبلوماسي كمسؤولية أخلاقية وصوت وطني، ينتقل من العفوية إلى الوعي، ومن الرأي إلى الموقف، في انسجام تام مع المرجعية الثقافية والهوياتية للدولة.
وهكذا، لم يكن هذا الملتقى تجميعًا لأصوات متفرقة، بل نسيجًا معرفيًا واحدًا، تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، والفكر بالممارسة، والاحتفاء بالمساءلة. لقد أكد، في عمقه، أن التراث ليس ما نملكه، بل ما نُحسن توجيهه، وأن الأمم لا تبنى فقط بما تتذكره، بل بما تحوّله من هذا التذكر إلى وعي، ومن الوعي إلى فعل، ومن الفعل إلى مستقبل قابل للحياة. في المحصلة العميقة، يعلن هذا الملتقى أن التراث ليس ذاكرة تُستدعى عند الحاجة، ولا زخرفًا رمزيًا يكتفي بالتزيين، بل هو فعل وعيٍ مستمر، ومسؤولية تاريخية لا تكتمل إلا حين تتحول المعرفة إلى ممارسة، والانتماء إلى مشروع، والاحتفاء إلى سؤال نقدي مفتوح. إن استشراف المستقبل لا يتم بالقفز على الماضي، بل بإعادة قراءته قراءة حية، تُحرّره من الجمود، وتمنحه قابلية الإسهام في صناعة الغد. وبهذا المعنى، يصبح الفكر، والفن، والعمران، والقانون، والطب، والدبلوماسية، وجوهًا متعددة لرهان حضاري واحد: بناء إنسانٍ قادر على فهم تاريخه دون الارتهان له، وصناعة حداثته دون التنكر لجذوره. إنها دعوة صريحة إلى أن نجعل من الذاكرة قوة اقتراح، ومن الهوية طاقة انفتاح، ومن الثقافة أفقًا للتجدد الدائم، حيث لا يُختتم التفكير، بل يبدأ.
