منتدى “الدين والسلام” بموسكو: رسالة بوتين تدعو للتعاون ووحدة الشعوب

منتدى “الدين والسلام” بموسكو: رسالة بوتين تدعو للتعاون ووحدة الشعوب

د. زياد أسعد منصور

          شهدت العاصمة الروسية موسكو انعقاد المنتدى الدولي الثاني عشر “الدين والسلام”، الذي نظمه اتحاد “العالم المسيحي” تحت شعار “وحدة الشعوب في تنوّع سُبُل الخدمة والعطاء”، بمشاركة ممثلين عن المؤسسات الدينية والحكومية والأكاديمية والمنظمات المجتمعية من روسيا وعدد من دول العالم، في لقاء دولي تناول دور الأديان والقيم الروحية والأخلاقية في بناء السلام، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، وتطوير التعاون الإنساني في ظل التحولات السياسية والثقافية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.

وتصدرت أعمال المنتدى رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المشاركين، التي تلاها يفغيني فلاديميروفيتش يريومين، المسؤول في الإدارة الرئاسية الروسية المعني بالتعاون مع المنظمات الدينية، وشكّلت إحدى أبرز المحطات الرسمية في الجلسة العامة.

وركزت الرسالة على أهمية الوحدة بين مكونات المجتمع الروسي، وتعزيز التفاهم بين القوميات والأديان، والمحافظة على القيم الروحية والأخلاقية، وتقدير دور المؤسسات الدينية والمجتمعية في خدمة الإنسان وتعزيز الاستقرار.

وجاءت الرسالة في سياق الاهتمام الرسمي الروسي بدور المؤسسات الدينية في الحياة العامة، وبإسهامها في التعليم والعمل الاجتماعي والثقافة والحفاظ على الذاكرة التاريخية، فضلًا عن دورها في تعزيز الحوار بين أتباع التقاليد الدينية المختلفة.

وشكّلت هذه المضامين مدخلًا إلى المناقشات التي شهدها المنتدى، حيث تكررت في عدد من الكلمات الدعوة إلى اعتبار التنوع الديني والقومي والثقافي عنصرًا من عناصر قوة المجتمع، شريطة أن يقوم على الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة والتعاون العملي.

ولم تقتصر أعمال المنتدى على الكلمات الرسمية، بل شملت جلسة عامة ومداخلات دولية ودينية، وفعالية خاصة بعنوان “الدبلوماسية الكنسية في خدمة السلام”، وثلاث جلسات متخصصة، وثلاث طاولات مستديرة تناولت قضايا اللغة الروسية وتاريخ الأديان والطب بوصفه خدمة مجتمعية.

كما شهدت الأعمال نقاشات حول حرية المعتقد، والتربية، والهوية الثقافية، والعلاقات بين المؤسسات الدينية والدولة، والدبلوماسية المجتمعية، والتعاون مع بلدان آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

رسالة بوتين: وحدة المجتمع والتفاهم بين الأديان

اكتسبت الرسالة الرئاسية أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها في افتتاح المداخلات الرسمية، وإلى طبيعة الموضوعات التي تناولتها، والتي انسجمت مع شعار المنتدى حول وحدة الشعوب وتنوع أشكال الخدمة والعطاء. فقد أبرزت الرسالة أهمية العلاقات القائمة بين المؤسسات الدينية والمكونات القومية المختلفة في روسيا، ودورها في المحافظة على التماسك الاجتماعي ونقل القيم الروحية والأخلاقية إلى الأجيال الجديدة.

كما أكدت أهمية التعاون بين المؤسسات الحكومية والدينية والمجتمعية في مواجهة التحديات المعاصرة، وتعزيز المبادرات التي تسهم في خدمة المجتمع.

وتلا الرسالة يفغيني يريومين، المسؤول في الإدارة الرئاسية الروسية المعني بالتعاون مع المنظمات الدينية، قبل أن يقدم مداخلة مستقلة تناول فيها دور المؤسسات الدينية في المجتمع الروسي، وأهمية المحافظة على التقاليد الروحية والقيم المشتركة.

وتحدث يريومين عن خصوصية روسيا بوصفها دولة متعددة القوميات والأديان، معتبرًا أن هذا التنوع يمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر هويتها التاريخية والاجتماعية. كما تطرق إلى التحديات التي تواجه البلاد، وإلى الأهمية التي توليها المؤسسات الرسمية للتعاون مع القيادات الدينية في تعزيز التضامن المجتمعي والمحافظة على الاستقرار.

وتناول في سياق كلمته بعض القضايا المرتبطة بالنزاع في أوكرانيا، عارضًا الموقف الروسي منها، ومؤكدًا أهمية التماسك الوطني والمسؤولية المشتركة.

وقد وضعت الرسالة الرئاسية والمداخلة التي أعقبتها موضوع العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية في صلب المناقشات، وفتحت المجال أمام كلمات تناولت الأبعاد السياسية والاجتماعية والإنسانية للحوار بين الأديان.

اتحاد “العالم المسيحي” ومنتدى يجمع الدين بالدبلوماسية الإنسانية

يأتي المنتدى الدولي “الدين والسلام” ضمن المبادرات التي ينظمها اتحاد “العالم المسيحي” منذ عام 2013، بهدف توفير مساحة للحوار بين ممثلي المؤسسات الدينية والهيئات الحكومية والأكاديمية والمنظمات الإنسانية.

وتقوم فكرة المنتدى على أن السلام لا يتحقق من خلال الاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى ثقافة اجتماعية وأخلاقية تعزز الثقة بين الشعوب، وتحد من الكراهية، وتشجع التعاون بين المؤسسات والأفراد، كما عبر عن ذلك أليكسي تشيركيزوف مدير مركز التنسيق في المجال الأثني والديني  وتعزيز القيم الروحية والأخلاقية الروسية التقليدية في جامعة موسكو التربوية الحكومية التي تحمل اسم أوغوريوف، حيث  تناول قضية العمل الإنساني والتعليم جسور التواصل،  ودور  الإعلام والمبادرات الإنسانية في تعزيز التعاون بين الشعوب، مشيرًا إلى أهمية التعريف بالمشروعات الاجتماعية والخيرية التي تنفذها المؤسسات الدينية والمجتمعية.

كما تحدث عن أنشطة ذات صلة بالتعاون مع بلدان أفريقية، مؤكدًا أن العلاقات الإنسانية تتعزز من خلال العمل الميداني والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية والتعليمية، كما تطرق إلى دور الدبلوماسية المجتمعية والمشروعات التعليمية في بناء علاقات مستدامة بين المجتمعات، مستعرضًا تجارب تعاون مع شركاء في سوريا ولبنان، مشيرًا إلى أهمية اللغة والتعليم والتبادل الثقافي في تعزيز الروابط الإنسانية.

وأكد أن المؤسسات الأكاديمية والمنظمات المجتمعية تستطيع أداء دور مكمل للدبلوماسية الرسمية، من خلال تنفيذ برامج عملية تقوم على الثقة والتعاون المباشر. وأشار إلى أن هذه الدورة الثانية عشرة تعكس مدى اتساع الموضوعات التي يمكن أن تندرج ضمن هذا التصور، بحيث لن يقتصر النقاش على العلاقات بين الكنائس والطوائف الدينية، بل يشمل التربية والتعليم والإعلام واللغة والطب والذاكرة التاريخية والتعاون الثقافي الدولي.

كما شدد على أهمية الانتقال من الحوار النظري إلى المشروعات العملية، سواء في مجال المساعدات الإنسانية، أو البرامج التعليمية، أو المبادرات الإعلامية، أو تيسير ممارسة الشعائر الدينية.

رسائل رسمية من موسكو والمؤسسات الحكومية الروسية

إلى جانب رسالة الرئيس بوتين، شهد المنتدى تقديم رسائل رسمية من مؤسسات حكومية روسية، عكست اهتمامًا بموضوع التعددية الدينية والقومية، ودور التعليم والدبلوماسية العامة في تعزيز العلاقات بين الشعوب.

وقد تلا فيتالي سوتشكو، رئيس إدارة السياسة القومية والعلاقات بين الأقاليم في حكومة موسكو، رسالة باسم نائب عمدة العاصمة الروسية ألكسندر نيكولايفيتش غوربينكو. وأكدت الرسالة أهمية الحوار بين المكونات القومية والدينية في مدينة موسكو، ودور المبادرات المجتمعية والثقافية في تعزيز التفاهم والاستقرار.

كما أبرزت أهمية التعاون بين المؤسسات الحكومية والقيادات الدينية والمنظمات الاجتماعية في مدينة تضم جماعات تنتمي إلى خلفيات قومية وثقافية ودينية متعددة. وقد جاءت الرسالة لتؤكد أن المحافظة على التفاهم بين سكان العاصمة الروسية تمثل مسؤولية مشتركة تتطلب العمل المستمر، وتطوير المبادرات التي تعزز التواصل والتضامن.

آنا كوتوفا: السياسة القومية والتماسك المجتمعي

وقدمت آنا فيكتوروفنا كوتوفا، نائبة رئيس الوكالة الفيدرالية الروسية لشؤون القوميات وأمينة الدولة فيها، مداخلة تناولت السياسة الروسية المتعلقة بالعلاقات بين القوميات، ودور المؤسسات الدينية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. وتطرقت إلى التوجهات الاستراتيجية الروسية في هذا المجال حتى عام 2036، وإلى أهمية المحافظة على الخصوصيات الثقافية واللغوية والدينية ضمن إطار الوحدة الوطنية.

كما تناولت دور القيم الروحية والأخلاقية التقليدية في السياسات العامة، وأهمية التعاون بين المؤسسات الحكومية والدينية في مواجهة خطاب الكراهية والتعصب. وأشارت إلى أن التعدد القومي والديني يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف وتعزيز الثقة، معتبرة أن المؤسسات الدينية تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال. وتناولت أيضًا قضايا مرتبطة بالأوضاع الإقليمية والنزاع في أوكرانيا، في إطار عرضها للموقف الرسمي الروسي من هذه التطورات.

وزارة العلوم والتعليم العالي: المعرفة الدينية جزء من بناء التفاهم

وفي كلمة رسمية باسم وزير العلوم والتعليم العالي الروسي فاليري نيقولايفيتش فالكوف، نقل غريغوري نيرسيسيان تحيات الوزير إلى المشاركين، مؤكدًا أهمية التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والدينية في تطوير المعرفة وتعزيز التفاهم بين الشعوب. وتناولت الرسالة دور التعليم في نقل القيم الأخلاقية والثقافية، وأهمية دراسة تاريخ الأديان في روسيا ضمن إطار أكاديمي وتربوي.

كما أشارت إلى العمل المتعلق بإعداد مواد تعليمية متخصصة في تاريخ الأديان، وإلى مبادرات للنشر والبحث العلمي، من بينها إصدار خاص مرتقب لإحدى المجلات العلمية عام 2027. وتوقفت الرسالة عند الفعالية المخصصة لموضوع «الدبلوماسية الكنسية في خدمة السلام»، التي ارتبطت بالذكرى الثمانين لميلاد البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا.

وقد عكست الرسالة أهمية الربط بين الحوار الديني والمعرفة الأكاديمية، باعتبار أن فهم تاريخ الأديان وتقاليدها يساعد على مواجهة الصور النمطية وتعزيز الاحترام المتبادل.

وزارة التربية والتعليم: اللغة الروسية والمشروعات التعليمية الدولية

وتناول غيرمان زوبوفيتش، ممثل وزارة التربية والتعليم الروسية، أهمية التعاون التعليمي والثقافي مع الدول الأجنبية، ولا سيما في آسيا وأفريقيا. وأشار إلى البرامج الهادفة إلى توسيع تعليم اللغة الروسية خارج البلاد، وإلى دور المؤسسات الحكومية والأكاديمية والمجتمعية في تنفيذ هذه المشروعات.

واستعرض تجربة التعاون في دول عدة، متحدثًا عن إنشاء ستة مراكز للتعليم المفتوح باللغة الروسية، بالتعاون مع اتحاد “العالم المسيحي” وشركاء أكاديميين. وتوقف عند تجربة افتتاح مراكز في دول، معتبرًا أن المبادرات التعليمية تسهم في بناء روابط ثقافية وإنسانية طويلة الأمد. كما تناول بعض أنشطة التعاون التعليمي الدولي، ومنها زيارة إلى كوريا الشمالية ضمن وفد مرتبط بوزارة التربية والتعليم الروسية.

وأكدت المداخلة أن التعليم واللغة يمثلان وسيلتين لتعزيز التفاهم بين الشعوب، وأن التعاون في هذا المجال يستطيع أن يفتح آفاقًا جديدة للعلاقات الثقافية والإنسانية.

“روس سوترودنيتشيستفو”: الدبلوماسية العامة وبناء العلاقات الإنسانية

وقدمت أولغا موراتوفا، نائبة رئيس إدارة الدبلوماسية العامة في وكالة التعاون الإنساني الدولي الروسية «روس سوترودنيتشيستفو»، رسالة باسم رئيس الوكالة إيغور يوريفيتش تشايكا. وأكدت الرسالة أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، ودور العلاقات الإنسانية المباشرة في تعزيز الثقة بين الشعوب.

وشددت على أن الحوار الدولي لا ينبغي أن يظل محصورًا في اللقاءات الرسمية، بل يجب أن يتحول إلى مبادرات ومشروعات مشتركة.

كما أبرزت أهمية القيم الإنسانية المشتركة، مثل احترام الكرامة الإنسانية والعدالة والمساعدة المتبادلة، باعتبارها أرضية للتعاون بين المجتمعات المختلفة. وأعربت الرسالة عن الأمل في أن يسهم المنتدى في تطوير شراكات جديدة بين المشاركين، بما يعزز دور الدبلوماسية المجتمعية في بناء جسور التواصل.

أليكسي ماسلوف: القيم المشتركة بين البوذية والمسيحية والإسلام

وفي مداخلة أكاديمية ودينية، تناول الأستاذ الدكتور أليكسي ماسلوف، رئيس مؤسسة دعم التعليم والبحوث البوذية، مكانة البوذية في التاريخ الروسي، وأهمية الحوار بين التقاليد الدينية المختلفة. وأكد أن البوذية تمثل جزءًا من التنوع الديني والثقافي في روسيا، مشيرًا إلى حضورها التاريخي في مناطق مثل بورياتيا.

كما تحدث عن العلاقات الروحية والثقافية بين روسيا وبلدان آسيا وأفريقيا، معتبرًا أن التعاون مع هذه المناطق ينبغي أن يشمل المجالات الأخلاقية والإنسانية، إلى جانب العلاقات السياسية والاقتصادية. وركز على القيم المشتركة بين البوذية والمسيحية والإسلام، مؤكدًا أن اختلاف العقائد لا يمنع الالتقاء حول احترام الإنسان والرحمة والمسؤولية الأخلاقية. وشدد على أهمية المحافظة على إنسانية الإنسان في عالم يشهد تحولات متسارعة، معتبرًا أن المؤسسات الدينية تستطيع الإسهام في حماية القيم الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات.

مدغشقر: التعايش الديني واحترام الكرامة الإنسانية

وشهدت الجلسة العامة مداخلة وزيرة التربية الوطنية في جمهورية مدغشقر ساندرا نيرينا راجونايريسون، وتناولت تجربة بلادها في التعايش بين الجماعات الدينية والروحية المختلفة. وأشارت إلى التنوع الذي يميز المجتمع المدغشقري، معتبرة أن هذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة وتضامن عندما يقوم على الاحترام المتبادل، وطرحت سؤالًا حول كيفية تحويل الاختلافات الدينية من أسباب محتملة للصراع إلى فرص للتعاون وخدمة المجتمع. وأكدت أن السلام يبدأ باحترام الكرامة الإنسانية، وأنه لا يقتصر على غياب الحرب، بل يتطلب العدالة والتسامح والأمن وتوفير شروط الحياة الكريمة، حيث قدمت بذلك مقاربة تربط التعايش الديني بالمسؤولية الاجتماعية، وتؤكد أن السلام يحتاج إلى مؤسسات وممارسات تحترم الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني.

السودان: إسكات المدافع وإعادة بناء الثقة

ومن السودان، قدّم مدير المكتب التنفيذي الوزاري في وزارة الشؤون الدينية والاوقاف  المأمون مقدم حميد باتو، مداخلة تناولت الآثار الإنسانية والاجتماعية للحرب في بلاده، وأكد أن الحروب لا تدمر المباني والمنازل وحدها، بل تصيب أيضًا العلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية التي تجمع أفراد المجتمع.

ودعا إلى وقف القتال وإفساح المجال أمام الحوار والدبلوماسية، مشددًا على ضرورة معالجة آثار النزاع وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع. واعتبر أن المؤسسات الدينية تتحمل مسؤولية خاصة في نشر ثقافة السلام، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز المصالحة.

كما دعا إلى توجيه الخطاب الديني نحو المحبة والتسامح، وإلى تنشئة الأطفال والشباب على احترام الاختلاف وقبول تعدد الآراء. وأكد أن بناء السلام يحتاج إلى جهود تربوية واجتماعية طويلة الأمد، تتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية.

وقد منحت هذه المداخلة المنتدى بعدًا إنسانيًا مباشرًا، من خلال عرض تجربة مجتمع يعاني من الحرب، والتأكيد على دور القيادات الدينية في مداواة الجراح وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية.

سيرغي رياخوفسكي: التنوع الديني والقومي لا يتعارض مع الوحدة

وفي كلمة تناولت دور الكنائس في تعزيز السلام، تحدث الأسقف سيرغي فاسيليفيتش رياخوفسكي، من قيادات الكنيسة الإنجيلية الخمسينية في روسيا، وعضو المجلس الرئاسي للتعاون مع المنظمات الدينية والغرفة العامة الروسية، حيث اعتبر أن هذه التجربة العائلية تمثل نموذجًا مصغرًا للتعايش بين الثقافات المختلفة، وأن المحبة والانتماء المشترك يستطيعان جمع الأفراد رغم اختلاف أصولهم وتقاليدهم. وأكد أن صوت الكنيسة ينبغي أن يكون صوت الضمير والسلام، لا مجرد امتداد للقوة السياسية. وتناول أوضاع بعض الكنائس الأرثوذكسية في أوكرانيا وإستونيا ومولدوفا، معربًا عن قلقه إزاء ما وصفه بإجراءات تمس حرية النشاط الديني.

كما تحدث عن مبادرات دولية للدفاع عن حرية المعتقد والقيم التقليدية، بينها مقترح لإنشاء منصة ضمن مجموعة «بريكس» تُعنى بالقيم الروحية والأخلاقية وتسوية النزاعات الدينية. وأشار إلى تحالف دولي في سويسرا للدفاع عن القيم التقليدية وحرية الدين والمعتقد، وإلى بيانات ومراسلات وجهتها جهات مسيحية مشتركة إلى منظمات دولية، وفق ما أورده في كلمته. أما في المجال الإعلامي، استعرض أنشطة القنوات والمنصات المسيحية الروسية، ودورها في نشر القيم الروحية والتعريف بالتراث الديني.

كما أشار إلى فعالية “المأدبة الروحية الوطنية”، المقرر عقدها في تشرين الثاني، تحت عنوان يرتبط بوحدة القيم الروحية وأهميتها لمستقبل روسيا. وتناول في الجزء الأخير من كلمته قضايا الهجرة والتواصل مع وافدين من دول غربية، مؤكدًا أهمية الخدمة الاجتماعية والتعاون بين المؤسسات الدينية والمجتمعية.

المتروبوليت كورنيلي الثاني: المحبة والسلام جوهر الرسالة المسيحية

وألقى المتروبوليت كورنيلي (تيتوف)، من قيادات الكنيسة الروسية الأرثوذكسية القديمة الطقوس، المعروفة بكنيسة المؤمنين القدامى، كلمة تناولت السلام من منظور ديني وتاريخي. وأكد أن المحبة والسلام يمثلان جوهر الرسالة المسيحية، مستشهدًا بقول السيد المسيح لتلاميذه: “السلام لكم”. وحذّر من مخاطر الحروب والتصعيد العسكري والتهديدات النووية، داعيًا إلى الصلاة والتعاون والدعم المتبادل من أجل حماية الحياة الإنسانية.

كما تناول الحرب في أوكرانيا، معربًا عن أمله في وقفها، ومؤكدًا ضرورة تغليب التفاهم والمحبة على العنف.

وانتقل إلى تاريخ المؤمنين القدامى في روسيا، مستعرضًا الانشقاق الكنسي في القرن السابع عشر، وما ارتبط به من خلافات حول الطقوس والتقاليد الأرثوذكسية. واستحضر شخصيات تاريخية بارزة، منها الكاهن أفاكوم والنبيلة فيودوسيا موروزوفا، بوصفهما رمزين للتمسك بالتقاليد الدينية القديمة. كما تحدث عن وجود جماعات من المؤمنين القدامى خارج روسيا، ولا سيما في أوغندا وإثيوبيا وباكستان، معتبرًا أن هذا الانتشار يمثل تطورًا لافتًا في تاريخ كنيسته. واختتم بالدعوة إلى السلام والازدهار والتعاون بين الشعوب، مؤكدًا أن المحافظة على الإيمان ينبغي أن تقترن بالمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين.

الكنيسة الأرمنية الرسولية: حرية المعتقد والحوار بين الأديان

وشهد المنتدى مشاركة الأب غيفورغ فاردانيان، ممثل أبرشية الكنيسة الأرمنية الرسولية في روسيا وناخيتشيفان. وقد سبقت مداخلته كلمة لمدير الجلسة تناولت التوترات القائمة بين السلطات السياسية والقيادات الكنسية في أرمينيا، وما وصفه بإجراءات قضائية تستهدف عددًا من رجال الدين. وفي مداخلته، أعرب الأب فاردانيان عن قلقه إزاء أوضاع الكنيسة الأرمنية الرسولية في أرمينيا، معتبرًا أن التوترات الراهنة تمس، من وجهة نظره، التراث الروحي والهوية الدينية للشعب الأرمني.

كما وجّه انتقادات إلى ما وصفه بتدخلات وقوى خارجية تسعى إلى إضعاف التقاليد الدينية، وهو تفسير سياسي وديني خاص به. وعبّر عن امتنانه للمؤسسات الدينية التي تعلن تضامنها مع الكنيسة الأرمنية الرسولية، مؤكدًا أهمية التعاون بين الطوائف في الدفاع عن حرية المعتقد. وعقب هذه المداخلة، قُدّمت رسالة رسمية باسم رئيس الأساقفة يزراس نرسيسيان، رئيس أبرشية الكنيسة الأرمنية الرسولية في روسيا ونور ناخيتشيفان.

وأكدت الرسالة أن التنوع الديني والثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للانقسام، بل إلى فرصة لبناء التفاهم والتعاون. وشددت على أن أشكال الخدمة المختلفة، من الصلاة والعمل الخيري إلى التعليم وحماية الأسرة والكرامة الإنسانية، تتكامل في بناء السلام والوئام الاجتماعي.

كما أبرزت دور الكنيسة الأرمنية الرسولية في تعزيز العلاقات بين القوميات والأديان داخل روسيا، والمشاركة في المبادرات الإنسانية والخيرية. وتطرقت الرسالة إلى الذكرى الثمانين لميلاد البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا، وقدمت له التهاني والتمنيات بمواصلة خدمته الكنسية.

التعاون بين الأديان في الممارسة اليومية

وفي مداخلة أخرى، تناول غيشه يونتين – سيرغي فلاديميروفيتش كيريشوف، رئيس الإدارة الروحية المركزية للبوذيين موضوع التعاون بين المؤسسات الدينية الروسية، مع التركيز على أمثلة عملية تتعلق بتيسير ممارسة الشعائر لأتباع الديانات المختلفة. وأشار إلى مبادرات مشتركة في مجالات الأخلاق الحيوية والذكاء الاصطناعي، وإلى منصات الحوار التي تنظمها المؤسسات الأرثوذكسية والإسلامية وغيرها. واستعرض أمثلة في مناطق مرتبطة بالعمليات العسكرية الروسية، ومنها إنشاء أماكن صلاة مخصصة لأتباع الديانات المختلفة داخل بعض الوحدات العسكرية. وتحدث عن مبادرة في مقاطعة خيرسون لإنشاء غرفة صلاة بوذية، وعن وجود أماكن متجاورة للصلاة الأرثوذكسية والإسلامية والبوذية في إحدى الوحدات. كما أشار إلى إعداد مواد دينية مخصصة لأتباع تقاليد مختلفة، وتوزيعها بواسطة رجال دين يعملون في تلك المناطق. وأكد أن أهمية هذه المبادرات تكمن في احترام حرية الإنسان في ممارسة معتقده، وليس في محاولة إقناعه بتغيير دينه.

وشدد على أن المحبة واللطف والمساعدة المتبادلة ينبغي أن تشكل الأساس الأخلاقي للعلاقات بين الأديان، وأن تنعكس على الممارسات اليومية والسياسات العامة.

الدبلوماسية الكنسية في خدمة السلام

ضمن البرنامج العلمي والحواري للمنتدى، خُصصت فعالية بعنوان “الدبلوماسية الكنسية في خدمة السلام”، ارتبطت بالذكرى الثمانين لميلاد البطريرك كيريل. وتناول هذا المحور دور الكنائس والمؤسسات الدينية في بناء جسور التواصل بين المجتمعات، والمساهمة في معالجة التوترات، والدفاع عن حرية المعتقد، وتعزيز العمل الإنساني. وأظهرت الكلمات التي تناولت هذا الموضوع اختلافًا في زوايا المقاربة؛ إذ ركز بعض المتحدثين على البعد اللاهوتي للسلام، بينما تناول آخرون الدبلوماسية الكنسية من زاوية العلاقات الدولية وحرية ممارسة الشعائر وحماية المؤسسات الدينية. كما برز الاهتمام بالتعاون بين الطوائف المسيحية، وبأهمية المحافظة على قنوات التواصل الديني حتى في أوقات التوترات السياسية. وفي هذا السياق، لم يُطرح السلام بوصفه مفهومًا مجردًا، بل باعتباره مسؤولية تتطلب مبادرات ملموسة، وتواصلًا مستمرًا، واستعدادًا للعمل المشترك.

الجلسات المتخصصة: التعايش والإعلام والدبلوماسية المجتمعية

إلى جانب الجلسة العامة، تضمن برنامج المنتدى ثلاث جلسات متخصصة تناولت مجالات ترتبط بصورة مباشرة ببناء التفاهم بين الشعوب والأديان. وتحت عنوان: “الوئام بين القوميات أساسٌ للسلام”، أقيمت الجلسة الأولي التي أدرها إيغور سيرغييفيتش ياكوريف، الذي ركز عنوان هذه الجلسة على العلاقة بين التعدد القومي والاستقرار المجتمعي، وعلى أهمية تعزيز الثقة والاحترام المتبادل بين الجماعات المختلفة. وشكّل هذا الموضوع امتدادًا طبيعيًا للمداخلات التي تناولت خصوصية المجتمع الروسي المتعدد القوميات، وأهمية حماية التنوع الثقافي واللغوي والديني ضمن إطار الوحدة الوطنية. كما ارتبط بمحاور المنتدى المتعلقة بمواجهة التعصب وخطاب الكراهية، وتعزيز مشاركة المؤسسات الدينية والمجتمعية في بناء علاقات إيجابية بين المكونات السكانية.

أما الجلسة الثانية، فكانت تحت “الإعلام الحديث: من خلال المحتوى نحو التفاهم”، وأدار أفاناسي أريستومينوفيتش أفغيرينوس، حيث تناول هذا المسار، وفق عنوانه، دور الإعلام المعاصر والمحتوى الرقمي في بناء الصور المتبادلة بين الشعوب والأديان.

وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة في ظل اتساع تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام ونقل المعلومات المتعلقة بالقضايا الدينية والثقافية.

وقد تقاطع موضوع الجلسة مع المداخلات التي تناولت الإعلام الديني والمبادرات التلفزيونية والمنصات الإلكترونية، وأهمية توظيفها في نشر ثقافة السلام بدلًا من تعميق الانقسام.

فيما حملت الجلسة الثالثة عنوان: “الدبلوماسية المجتمعية والتعاون الإنساني في العالم المعاصر”، وأدارها ألكسندر ألكساندروفيتش غريبينيوك. وخصصت هذه الجلسة لموضوع الدبلوماسية المجتمعية ودور المؤسسات غير الحكومية والمبادرات الإنسانية في تعزيز العلاقات الدولية.

وارتبط عنوانها بالمشروعات التعليمية والثقافية التي عُرضت خلال المنتدى، ولا سيما التعاون مع بلدان آسيا وأفريقيا، والبرامج المرتبطة بتعليم اللغة الروسية، والمبادرات الإنسانية التي تنفذها المؤسسات الدينية والمجتمعية. كما عكس هذا المحور أهمية بناء علاقات مباشرة بين المجتمعات، تتجاوز القنوات السياسية التقليدية وتستند إلى العمل المشترك والتبادل الثقافي والخدمة الإنسانية.

منصور: حماية الأجيال الجديدة مسؤولية مشتركة في عصر العولمة الرقمية

وفي إطار جلسة «الدبلوماسية المجتمعية والتعاون الإنساني في العالم المعاصر»، التي أدارها ألكسندر ألكساندروفيتش غريبينيوك، قدّم الدكتور زياد منصور مداخلة بعنوان “الدين والذاكرة الوطنية وتحولات إنتاج القيم: من اختلال القوة الثقافية إلى المسؤولية المشتركة تجاه الأجيال الجديدة»، تناول فيها مستقبل الأسرة والتربية القيمية في عصر العولمة الرقمية”.

وانطلقت المداخلة من سؤال محوري: “مَن يربّي أبناءنا اليوم؟»، معتبرًا أن أزمة القيم المعاصرة لا ترتبط بمجرد اختلاف الأجيال، بل بتحول عميق في الجهات التي تنتج القيم وتنقلها، مع تصاعد تأثير المنصات الرقمية والخوارزميات وصناعة الترفيه والمؤسسات الثقافية العابرة للحدود.

وأكد أن التحدي لا يكمن في التبادل الثقافي بين الشعوب، بل في اختلال القدرة على إنتاج المحتوى والمعنى وتوزيعهما عالميًا، محذرًا من تحول بعض المجتمعات إلى مجرد مستهلكة لنماذج ثقافية وتربوية تُنتج خارجها.

ودعا إلى تجنب اختزال الخلافات القيمية في مواجهة بين الشرق والغرب، مشددًا على أن المجتمعات جميعها تواجه تحديات داخلية، وأن المحافظة على الهوية لا تتعارض مع الانفتاح أو احترام كرامة الإنسان والاختلاف الديني والثقافي.

كما تناول التجربتين اللبنانية والروسية في العلاقة بين الدين والأسرة والتعليم والذاكرة الوطنية، مؤكدًا أهمية تبادل الخبرات بدل استنساخ النماذج، وربط التربية القيمية بالعدالة الاجتماعية وحماية الأطفال وتوفير فرص حقيقية للشباب.

وطرح منصور مجموعة من المقترحات العملية، أبرزها تعزيز الدور التربوي للأسرة، وإدخال التربية الرقمية والخوارزمية في البرامج التعليمية، وتجديد الخطاب الديني الموجه إلى الشباب، والاستثمار في الإنتاج الثقافي المحلي، وإنشاء مراكز بحثية لرصد تحولات القيم، وتعزيز شفافية التمويل المخصص للمشروعات الثقافية والتربوية.

واقترح إطلاق شبكة دولية للتعاون بين الجامعات والمؤسسات الدينية والباحثين، والعمل على إعداد ميثاق للمسؤولية المشتركة تجاه الأجيال الجديدة، يقوم على حماية الطفل، ودعم الأسرة، واحترام الكرامة الإنسانية، وحماية الخصوصية الرقمية، وتعزيز شفافية الخوارزميات والتمويل، وتشجيع التبادل الثقافي المتكافئ.

واعتبر أن التحدي الأساسي لم يعد يقتصر على تحديد القيم التي ترغب المجتمعات في المحافظة عليها، بل أصبح يتعلق أيضًا بقدرتها على إنتاج هذه القيم وتجديدها ونقلها إلى الأجيال المقبلة، في عالم تتزايد فيه قوة المنصات والخوارزميات في تشكيل الوعي والسلوك.

الطاولات المستديرة: اللغة والتعليم والطب في خدمة السلام

تضمن برنامج المنتدى ثلاث طاولات مستديرة تناولت موضوعات متخصصة، جمعت بين الأبعاد الثقافية والتربوية والاجتماعية للخدمة الإنساني “اللغة الروسية أداة لتعزيز السلام والشراكة”. وسلط هذا المحور الضوء على دور اللغة الروسية في التواصل بين الشعوب، وتعزيز التعاون الثقافي والتعليمي، وبناء علاقات طويلة الأمد بين المؤسسات والأفراد. وقد ارتبط موضوعه بالمداخلات التي تناولت مراكز تعليم اللغة الروسية خارج البلاد، وبخاصة المبادرات التعليمية في عدد من الدول، إلى جانب التعاون مع دول أفريقيا وآسيا. كما عكس الاهتمام باللغة بوصفها أداة للتفاهم والتبادل المعرفي، وليس مجرد وسيلة للتواصل اللفظي.

 أما الطاولة الثانية فكانت تحت عنوان: “جوانب تدريس مقرر تاريخ الأديان في روسيا في المؤسسات التعليمية بالاتحاد الروسي”، وتناولت هذه الطاولة موضوع تدريس تاريخ الأديان في المؤسسات التعليمية الروسية، وأهمية تقديم المعرفة الدينية في إطار أكاديمي وتربوي يراعي التعددية.

ويرتبط هذا المحور بالحاجة إلى تعريف الطلاب بتاريخ التقاليد الدينية التي أسهمت في تشكيل المجتمع الروسي، وتعزيز الفهم المتبادل بين أتباعها. كما تقاطع مع رسالة وزير العلوم والتعليم العالي، التي تناولت تطوير المواد التعليمية والمبادرات البحثية ذات الصلة بتاريخ الأديان.

«أما الطاولة المستديرة الثالثة، فحملت عنوان “الطب بوصفه شكلًا من أشكال الخدمة المجتمعية”، وخصصت هذه الطاولة لموضوع الرعاية الصحية باعتبارها أحد مجالات الخدمة الإنسانية التي تستطيع المؤسسات الدينية والمجتمعية التعاون فيها. ويعكس إدراج الطب ضمن أعمال المنتدى اتساع مفهوم الخدمة الذي يقوم عليه شعار الدورة، بحيث يشمل الاستجابة للاحتياجات المادية والصحية للإنسان، إلى جانب الاهتمام بجوانبه الروحية والأخلاقية. كما يبرز هذا الموضوع أهمية التعاون بين القطاعات المهنية والمؤسسات الإنسانية في دعم الفئات المحتاجة وتعزيز التضامن الاجتماعي.

من الحوار الديني إلى المسؤولية المشتركة

يمكن القول أن أعمال المنتدى الدولي الثاني عشر «الدين والسلام» في موسكو عكست اتساع مفهوم السلام وتعدد المسارات المؤدية إليه؛ فمن الحوار بين الأديان إلى التعاون الإنساني، ومن المحافظة على الذاكرة والهوية إلى التربية والإعلام والطب والدبلوماسية المجتمعية، التقت المداخلات حول أهمية الانتقال من إعلان المبادئ إلى ترجمتها في مبادرات عملية تخدم الإنسان والمجتمع.

وقد أبرزت رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أهمية الوحدة والتفاهم بين القوميات والأديان، فيما كشفت الكلمات والمناقشات عن تنوع التحديات التي تواجه المجتمعات، سواء تعلق الأمر بالحروب وآثارها الإنسانية، أو بحرية المعتقد، أو بالعلاقات بين الثقافات، أو بمستقبل الأسرة والأجيال الجديدة في العصر الرقمي.

وأظهرت المشاركات أن المؤسسات الدينية، على اختلاف تقاليدها، تستطيع أن تؤدي دورًا يتجاوز المجال الدين والعبادة، من خلال التعليم والرعاية الاجتماعية والعمل الخيري وبناء جسور التواصل، وأن الدبلوماسية المجتمعية يمكن أن تفتح مساحات للتعاون حتى في ظل التباينات السياسية والثقافية.

ولعل الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من مجمل أعمال المنتدى هي أن السلام لا يُبنى بإلغاء الاختلافات، بل بإدارتها على أساس الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية والمسؤولية المشتركة، وأن المحافظة على التراث الروحي والثقافي لا تنفصل عن القدرة على الاستجابة لتحديات الحاضر وصناعة مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.

وبهذا المعنى، لم يكن شعار المنتدى “وحدة الشعوب في تنوّع سُبُل الخدمة والعطاء” مجرد عنوان جامع للكلمات والجلسات، بل إطارًا لفكرة أساسية مفادها أن تنوع الأديان والثقافات والخبرات يمكن أن يتحول، عندما يقترن بالحوار والعمل الإنساني، إلى قوة للتقارب بدل الانقسام.

ويبقى التحدي الحقيقي بعد انتهاء أعمال المنتدى في تحويل ما طُرح من أفكار ومبادرات إلى شراكات مستدامة، تجعل من خدمة الإنسان وحماية كرامته وتربية الأجيال الجديدة مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الدينية، وتمنح السلام مضمونًا عمليًا في حياة

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!