عودة لولا دا سيلفا وتداعيات النصر عالميا وعربيا

عودة لولا دا سيلفا وتداعيات النصر عالميا وعربيا

مسعود بنعاشور

        شكل فوز الرئيس المناضل لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية حدثا فارقا تجاوزت أصداؤه حدود القارة اللاتينية، ليتحول إلى ملحمة إنسانية وسياسية ذات أبعاد نضالية عميقة. لقد اختار الشعب البرازيلي انحيازا واعيا لإرادته الحرة، مكملا مسيرة الانحياز لكرامة الإنسان وحقوق الطبقات المستضعفة والمهمشة.

إن هذا النصر التاريخي جاء ليرد الاعتبار لرمزية الكفاح، فتلك الأصابع التسعة للولا دا سيلفا، التي فقد أحدها في سنوات الصبا والعمل الشاق داخل المصانع، كانت كفيلة بصنع معجزة تغيير المشهد السياسي. وفي المقابل ارتدت محاولات اليمين المتطرف ورئيسه السابق بولسونارو بالاستهانة بهذه العاهة الجسدية إلى نحورهم، لتتحول تلك اليد التي تنصع بالنقاء والنزاهة والجود والكرم إلى شوكة في أعين المستغلين، وحافزا حاسما دفع المترددين للاصطفاف خلف راية الحق والعدالة الاجتماعية.

يمثل فوز لولا دا سيلفا على الصعيد الدولي ضربة موجعة لتيار اليمين الشعوبي المتطرف، وسقوطا مدويا لرهانات القوى الإمبريالية التي ألقت بكتائب دعمها اللوجستيكي والسياسي لإسناد حليفها البرازيلي، إذ يمنح وجود لولا زخما جديدا لمجموعة «بريكس»، ويعزز السعي نحو عالم متعدد الأقطاب يكسر الهيمنة الأحادية. ويضع حد لسياسات بولسونارو الجائرة بحق غابات الأمازون، ويعيد البرازيل إلى موقع القيادة في الدفاع عن البيئة والمناخ.

تعود البرازيل كمدافع صلب عن حقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، والوقوف ضد التدخلات الخارجية ورفض منطق الإملاءات.

إن ما حققه لولا يرتقي إلى حد المعجزة السياسية، فقد خاض معركة نضالية لم يواجه فيها منافسه بولسونارو فحسب، بل تصدى لشبكة تحالفات عابرة للحدود جمعت بين ترامب ونتنياهو وكافة قوى الصهيونية العالمية. لقد سحق لولا هذا التكتل الثلاثي دفعة واحدة، لينقذ البرازيل من براثن اليمين المتطرف والترامبية والتوظيف الصهيوني، ويكتسب هذا الفوز ثقلا استثنائيا في سياقه الإقليمي، لكونه يكسر موجة صعود اليمين التي اجتاحت معظم حكومات أمريكا اللاتينية وتوجت باكتساحها للمشهد السياسي هناك.

أما في المنطقة العربية فقد أحدث نبأ الفوز موجة عارمة من البهجة والتعاطف، امتدت لتشمل صفحات وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الفكرية والسياسية، نظرا لما يحمله هذا النصر من تقاطعات عميقة مع واقع الشعوب العربية ومشاعرها.

تتلخص التداعيات والرسائل في السياق العربي في إعادة البعث للقضية الفلسطينية إذ يعرف لولا دا سيلفا بمواقفه التاريخية الشجاعة والداعمة للحق الفلسطيني، وهو ما يمثل مكسبا دبلوماسيا وسياسيا كبيرا لنضال الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.

فتح هذا الفوز الباب أمام قراءة نقدية للمشهد السياسي العربي، حيث يجد العربي نفسه مضطرا لمتابعة «ديمقراطية الآخرين» والاستمتاع بجماليتها ونزاهتها، تماما كما يستمتع بسحر اللعب الأنيق في كرة القدم، في ظل انسداد آفاق المشاركة السياسية الحقيقية في بلاده.

كما قدم الدرس البرازيلي دليلا ساطعا على أن الشعوب الكادحة متى توحدت خلف قضاياها، فإنها قادرة على كسر طوق الاستبداد وتغيير الواقع مهما بلغت سطوة السلطة والمال.

إن عودة لولا دا سيلفا ليست مجرد محطة انتخابية، بل هي شهادة أزلية على أن الشعوب قد تغفو لكنها لا تموت. لقد أثبتت البرازيل للعالم أجمع أن أعداء الشعوب لن يمروا، وأن الأيادي الصادقة والمخلصة لكرامة الإنسان هي التي تكتب الفصل الأخير من تاريخ الأمام.

شارك هذا الموضوع

مسعود بنعاشور

ناقد وكاتب صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!