مونديال 2026: الملاعب تصارع دوي المدافع وتصريحات ترامب تزيد المشهد تعقيداً
مسعود بنعاشور
بينما كانت الجماهير العالمية تترقب انطلاق النسخة الأكثر طموحاً في تاريخ كأس العالم، بـ 48 منتخباً وثلاث دول مستضيفة، جاءت التطورات الدراماتيكية في مطلع عام 2026 لتعيد صياغة المشهد الرياضي برمته. اليوم، ومع قرع طبول الحرب في الشرق الأوسط واحتدام المواجهة العسكرية بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، يجد “مونديال 2026” نفسه أمام اختبار هو الأكثر تعقيداً منذ عقود، فهل تصمد الساحرة المستديرة أمام لغة الرصاص؟ وهل تنجح الرياضة فيما فشلت فيه الدبلوماسية؟
الفيفا وترامب في خندق واحد
حتى لحظة كتابة هذه السطور في مارس 2026، لا تلوح في الأفق نية رسمية لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أو الدول المستضيفة.. الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لتأجيل العرس الكروي المقرر في يونيو القادم. ويرى الخبراء أن “فيتو” التأجيل يصطدم بجدار من الالتزامات المالية والتعاقدية الضخمة التي تجعل من إلغاء البطولة أو تأخيرها مقامرة اقتصادية غير محسوبة النتائج، إلا في حالة واحدة وهي توسع رقعة الصراع لتطال أراضي الدول المستضيفة بشكل مباشر أو تعطل حركة الملاحة الجوية العالمية كلياً.
من جانبه، يتبنى البيت الأبيض برئاسة دونالد ترامب موقفاً صارماً، حيث تصر الإدارة الأمريكية على إقامة البطولة في موعدها كرسالة ثبات وقوة للعالم. ولتعزيز هذه الرواية، أطلقت واشنطن نظام Fast Pass المسرع لتسهيل تأشيرات المشجعين واللاعبين، في محاولة لتبديد المخاوف الأمنية، رغم أن الواقع على الأرض يشير إلى تعقيدات لوجستية قد تفرض نقل مباريات المجموعات الساخنة بالكامل إلى الملاعب الكندية أو المكسيكية لضمان سلامة الوفود.
في خضم هذا التوتر أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحاً نارياً زاد من حدة الاستقطاب، حيث صرح لوسائل الإعلام بأنه “لا يكترث” بمشاركة منتخب إيران في النهائيات من عدمها. ووصف ترامب إيران بأنها “دولة مهزومة بشدة وتلفظ أنفاسها الأخيرة”، في إشارة واضحة إلى أن الأولوية القصوى لإدارته هي “الأمن فوق كرة القدم”. هذا التصريح لا يمثل فقط موقفاً سياسياً، بل يضع الفيفا في مأزق أخلاقي وقانوني، إذ يُفهم منه أن الدولة المضيفة لن تبذل جهداً استثنائياً لتسهيل حضور خصمها العسكري، مما يضع مبدأ “فصل الرياضة عن السياسة” على المحك.
العقدة الإيرانية: بين الانسحاب والاستبعاد
تعد مشاركة منتخب “تيم ملي” العقدة الأكبر حالياً، حيث ينقسم المشهد إلى سيناريوهات أحلاها مرّ:
الانسحاب الطوعي: صرح رئيس الاتحاد الإيراني، مهدي تاج، بأن “التطلع للمونديال بروح الأمل بات صعباً” بعد الضربات الأخيرة، وسط ضغوط داخلية لتعليق النشاط الرياضي احتجاجاً على “العدوان الأمريكي الصهيوني“.
المنع السياسي والأمني: رغم وعود الفيفا، إلا أن الحرب المباشرة تجعل منح التأشيرات للوفد الإيراني مسألة سيادية بالغة التعقيد، وقد تُستخدم “الدواعي الأمنية” كذريعة للمنع الممنهج.
البديل الجاهز: بدأت الأنباء تتوارد عن أن منتخبي الإمارات أو العراق هما الأقرب لتعويض إيران وفقاً لترتيب التصفيات الآسيوية، لضمان اكتمال نصاب الـ 48 فريقاً.
خارطة القلق: منتخبات تحت المجهر
لا تتوقف المعاناة عند حدود طهران، فقد طال إعصار الحرب والقيود الأمنية 43 دولة أخرى متأثرة بتبعات النزاع.
المنتخب المصري: يواجه “صعوبات لوجستية” وبطئاً شديداً في الإجراءات القنصلية بالقاهرة نتيجة التدقيق الأمني الإضافي. وتدرس اللجنة الفنية نقل معسكر “الفراعنة” من فلوريدا إلى كندا لتوفير جو أكثر هدوءاً للاعبين، بينما يظل النجم محمد صلاح تحت حماية “بروتوكول أمني مشدد“.
المنتخب البلجيكي: يسود القلق معسكر “الشياطين الحمر” من الرحلات الطويلة وتأثير الحرب على معنويات اللاعبين، خاصة مع وجود مواجهة مباشرة ضد إيران في المجموعة السابعة.
تحديات أخرى: يواجه منتخب فنزويلا خطر المنع بسبب التوتر السياسي مع واشنطن، بينما تعاني منتخبات شمال أفريقيا (الجزائر وتونس) من صعوبة حصول جماهيرها على تأشيرات سياحية في ظل حالة الاستنفار الأمريكي.
مونديال “المناطق الآمنة“
مع اقتراب الموعد النهائي لتسليم القوائم في 15 أبريل 2026، يبدو أننا بصدد نسخة استثنائية ستُعرف تاريخياً بـ “مونديال المناطق الآمنة”. الاتجاه الغالب الآن هو إبعاد بؤر التوتر الرياضي عن العمق الأمريكي ونقلها إلى فانكوفر أو مكسيكو سيتي. ستبقى الأيام القادمة حاسمة، فإما أن ينتصر منطق الرياضة ويجتمع الخصوم فوق عشب الملاعب، أو أن تصريحات ترامب ودوي المدافع سيفرضان كلمة النهاية، ليغيب العلم الإيراني عن سماء لوس أنجلوس، ويُعلن رسمياً عن أول “مونديال تحت الحصار” في العصر الحديث.
