هل نحن أمام “نهاية التاريخ” التي بشر بها فوكوياما؟

هل نحن أمام “نهاية التاريخ” التي بشر بها فوكوياما؟

عبد الرحيم التوراني

        لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تنفيذ هجوم عسكري في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته مجرد حدث عابر، بل هو التجسيد الأكثر فجاجة لما يمكن تسميته بالنسخة المشوهة، أو النسخة الانتحارية من أطروحة الفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ“…

 فإذا كان فوكوياما قد بّشر بانتصار الليبرالية كخاتمة للمطاف البشري، فإن ترمب اليوم يعلن نهاية التاريخ رسميا و”قانونيا”، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة العارية، ولا مرجعية فوق إرادة الكاوبوي الذي استبدل الدبلوماسية بصولات الكوماندوز الهوليودية.

من المفارقات التي تثير السخرية المريرة، أن يأتي هذا التغول العسكري في وقت لا يخفي فيه ترمب طموحه الجامح لنيل جائزة نوبل للسلام.. فهل هذا هو السلام الذي يطمح إليه؟ سلام يُبنى على اختطاف رؤساء الدول من غرف نومهم وتغيير الأنظمة بقوات النخبة؟

 إن هذا الطموح الشخصي يصطدم بحقيقة كون ترامب هو المشرف الفعلي والداعم المطلق للجرائم الوحشية التي تُرتكب في فلسطين ولبنان

إن من يمنح صكوك الغفران لآلة القتل في غزة وضاحية بيروت، لا يمكنه أن يدعي صناعة السلام في كاراكاس، بل هو يعيد تعريف السلام باعتباره إخضاعا كاملا لكل من يجرؤ على الخروج عن الهيمنة الأيديولوجية للبيت الأبيض.

***

في هذه اللحظة الدرامية، لا يسعنا إلا استحضار مشهد وقف فيه الكولونيل الليبي معمر القذافي قبل أعوام، على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليمزق ميثاقها أمام أعين العالم، معتبراً إياه “خرقة” لا تحمي الضعفاء. لكن المفارقة المريرة تكمن في أن ما فعله القذافي آنذاك كان تمزيقا رمزيا صدر عن زعيم “متمرد” احتجاجا على تهميش دول العالم الثالث، أما ما يفعله ترمب اليوم فهو تمزيق مادي وقانوني يصدر عن رأس النظام نفسه.

إن فعل ترمب أقسى وأشد خطورة ورعبا، فالقذافي لم يكن يملك القوة لإلغاء الميثاق، بينما ترمب يملك الأساطيل والكوماندوز لتحويل الميثاق إلى رماد…

 إننا أمام انقلاب إمبراطوري من الداخل، فحين يقرر حارس القانون أن يصبح هو القرصان، نكون قد بلغنا ذروة الانهيار.. ما حصل اليوم هو الرسالة الأكثر رعباً في القرن الحادي والعشرين: “لا حاجة لتمزيق الميثاق على المنصات، طالما يمكننا سحقه تحت بساطير الجنود في غرف نوم الرؤساء“.

ولا شك أن تقاطع خرق القوانين الأممية مع تجاوز القيود الدستورية الأميركية الداخلية، يخلق وحشا قانونيا يهدد السلم العالمي. فمتى ما سُمح بتعريف القوة خارج الأطر الدولية، يكون الأمر فتح الباب أمام شرعنة الإرهاب الدولي تحت لافتة مضللة تسمى إنفاذ القانون.

ما حدث في فنزويلا هو زلزال قانوني يعيد العالم إلى عصور الغابة، حيث تصبح عمليات الكوماندوز بديلاً عن القنوات الدبلوماسية والقضائية… وحماية العالم من الإرهاب الدولي تبدأ باحترام القوانين التي تمنع القوي من افتراس الضعيف، وإلا فإن البشرية جمعاء ستجد نفسها بانتظار دورها في طابور ما يسمى بالتطهير الإيديولوجي.

إن التاريخ لم ينته بانتصار القيم كما زعم فرنسيس فوكوياما، بل يبدو أنه يتجه نحو “نهاية قانونية” مأساوية على يد دونالد ترمب، حيث تُنتهك السيادة وتُباد الشعوب في الشرق الأوسط، وتُختطف الرئاسات في القارة اللاتينية… كل ذلك من أجل سلام زائف وميدالية ذهبية تُلخّص نرجسية القوة العارية.

***  

من المثير للدهشة وربما للسخرية السوداء أو للقرف السياسي، أن نرى بعض الأصوات في المغرب مثلا، تصفق لهذا السلوك الترمبي الإرهابي انطلاقا من منطق النكاية الضيق، حين نجد من يبرر اختطاف مادورو نكاية في موقف فنزويلا من قضية الصحراء الغربية وتأييده لجبهة البوليساريو، متناسين أن كسر هيبة السيادة الدولية هو السلاح نفسه الذي قد يُشهر غدا ضد أي دولة لا تتماشى أهواؤها مع مزاجية واشنطن.

في السياق ذاته، تبرز أصوات من معارضي المحور الإيراني، تتمنى تكرار سيناريو الكوماندوز مع خامنئي، متوهمين أن حبيبهم ترمب سيهديهم الحرية على فوهة صاروخ…

هؤلاء يسقطون في فخ الرهان على الوحش، فهم يشرعنون أسلوبا يتجاوز مغامرات السينما الهوليوودية ليصل إلى مرحلة الإرهاب المؤسسي

 إنهم يغفلون عن حقيقة كبرى، إن الذي يقتلع رئيسا من بيته في كاراكاس هو نفسه الذي يمنح الضوء الأخضر لإبادة العائلات في غزة وهدم القرى والمدن في جنوب لبنان… ولا يمكن للمرء أن يكون سيادياً في بلده.. ومبارِكا للاختطاف في فنزويلا...

إن القانون الدولي هو درع الضعفاء، وبمجرد أن نصفق لكسر هذا الدرع نكاية في خصم سياسي، فإننا نعرّي صدورنا أمام الرصاصة القادمة… ودونالد ترمب لا يتحرك بوازع أخلاقي لتحرير الشعوب، بل بوازع إمبراطوري لتأديب كل من يخرج عن النص، وما فنزويلا إلا بروفة لنظام عالمي جديد يكون فيه الكوماندوز هو القاضي والمشرع والمنفذ.

إن تمني الاستقواء بالأجنبي لإسقاط الخصوم المحليين هو اعتراف ضمني بالعجز، والأخطر أنه اعتراف بشرعية الغابة… إن “سلام ترمب” الذي ينتظره البعض في طهران أو دمشق أو بيروت هو سلام القبور، سلام لا يعترف بدولة أو قانون أو مؤسسات، بل يرى في الجغرافيا العربية مجرد ساحات لتصفية الحسابات…

ما جرى هو جريمة اختطاف دولي مكتملة الأركان، وفعل يصنفه العرف القانوني في بنود قرصنة دولة..

***

وبينما يحبس الفنزويليون أنفاسهم بانتظار خبر عن مصير رئيسهم المختطف، يبرز السؤال الأكثر رعبا وشمولا من العاصمة كاراكاس إلى أروقة الأمم المتحدة، هل لا يزال القانون الدولي على قيد التنفس؟

لا نعتقد، إن السؤال عن نبض مادورو هو في حقيقته إعلان وفاة إكلينيكي للنظام الدولي الذي تشكل عقب أهوال الحرب العالمية الثانية… لقد أثبتت عملية الاختطاف الترمبية أن ميثاق الأمم المتحدة قد وُضع في “غرفة الإنعاش” منذ زمن، وما جرى اليوم ليس إلا نزعاً لأجهزة الدعم الأخيرة عنه. فالقانون الدولي لا يموت بالتقادم، بل يموت حين تصبح “البلطجة المنظمة” هي السياسة الرسمية للقوة العظمى، وحين تتحول الحصانة السيادية من حق أصيل إلى “وجهة نظر” تخضع لمزاج القائد في البيت الأبيض.

إن غياب المعلومة حول مصير مادورو وزوجته يكرس مفهوم “الاختفاء القسري الدولي”، وهو تطور خطير يعيدنا إلى عصور ما قبل الدولة، حيث لا محاكمات ولا ملاحقات ولا شفافية، بل “ثقوب سوداء” قانونية تبتلع الرؤساء والسيادات. وإذا كان رئيس دولة يُختطف من قصره ولا يُعرف مصيره، فما هي الضمانة لأي أمة أو شعب في هذا العالم؟

هذا هو السلام الذي يرغب فيه ترمب، سلام “الصمت المطبق”، حيث تُحل النزاعات بـ”التنظيف” الأيديولوجي، وتُمنح جوائز نوبل على أنقاض الدول المحطمة في الشرق والغرب. إن القانون الدولي اليوم لا يتنفس، لقد خنقته الازدواجية في فلسطين والعدوان في لبنان، وأخيرا “القرصنة” في فنزويلا.

نحن نعيش اليوم في برزخ سياسي، حيث سقط القديم ولم يولد الجديد بعد، سوى ملامح غابة دولية يقودها كاوبوي مهووس بنهاية التاريخ…

 السؤال لم يعد: هل مادورو حي؟ بل متى سيعلن العالم رسميا وفاة القانون الدولي ويستعد لعصر المواجهة المفتوحة تحت رحمة الصواريخ والقذائف؟

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!