وشمُ لوركا على الذاكرة المغربية

وشمُ لوركا على الذاكرة المغربية

لطيفة حليم

كنتُ أقرأ على هاتفي الذكي منشوراً بمنصة “ترامب” الاجتماعية، حول رفض كندا لبعض السياسات… فجأةً، برقت رسالة من صديقتي فاطمة بعنوان: “لوركا في الشعر العربي المعاصر”.

تخبرني فاطمة عن إصدارها الجديد، فاستبشرتُ خيراً، وعادت بي الذاكرة إلى زمن “ظهر المهراز” والجامعة، واعتقال الطالبة سعاد الحارثي، في زمنٍ لم يكن يعرف فيه العالمُ ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ولا حارس المرمى “بونو” الذي وُلد في مونتريال.

أشياء كثيرة عصفت بكوكب الأرض منذ ذلك الحين، رئيسٌ يسعى لشراء أكبر جزيرة في العالم، ينشر الرعب في فنزويلا وإيران، ويتطاول على كندا.

لوركا في زمن الاعتقالات.. بـ “ظهر المهراز”، وتحديداً في الغرفة رقم 106، كان لوركا حاضراً. كانت فاطمة تقرأ لنا شعراً باللغة الإسبانية، تقلد لوركا رغم لثغتها الريفية المحببة، فأمازحها: – فاطمة، تجيدين قراءة الشعر كأنكِ لوركا!

تنشرح أساريرها وهي تشيد بمشاعره الإنسانية قائلة:

– عندما زار لوركا مدينة غرناطة قادماً من مدريد، رأى سائلاً ضريرًا، فالتفت إلى زوجته وقد اعتراه حزن شديد وقال:

“ماريانا، أجزي له العطاء، فلا يوجد ألمٌ أشد من وجع رجل أعمى في غرناطة”.

تسترسل فاطمة بلثغتها الريفية، مؤكدة أن أجمل ما قيل في لوركا كان لبدر شاكر السياب:

“في قلبه تَنور
النار فيه تطعم الجياع
واملاء من جحيمه يفور
طوفانه يطهر الأرض من الشرور
ومقلتاه تنسجان من لظى شراع
تجمعان من مغازل المطر
خيوطه، ومن عيون تقدح الشرر”…

عندما أنهت حديثها، ذكرتُها بمحاضرة الأستاذ الدكتور الشاعر محمد السرغيني حين قال: لوركا أندلسي، اعتُقل وأُعدم على يد القوات الفاشية المؤيدة للطاغية فرانكو. كان عمره 38 سنة حين قُتل رمياً بالرصاص”.

كان يصرخ مخاطباً “ماريانا: “ما الإنسان بدون حرية يا ماريانا؟ أخبريني، كيف أحبكِ بلا حرية؟ وهل أستطيع أن أهديكِ قلبي إذا لم يكن ملكي؟

الأستاذ المحاضر خطّ بيده الصغيرة السمراء، وكأنها ملونة بلهب النار: فدريكو غارثيا لوركا (1898-1936).

عندما برقت رسالة فاطمة، اختفى من رأسي كل ما يعج به من أخبار غرينلاند وفنزويلا وإيران وكندا. وتساءلت بصوتٍ يشبه قعقعة صحون الأطفال الغزاويين الفارغة، وبغصة تشبه حال المعتقل “زيان” داخل سجن “العرجات”، وأصوات أخرى آتية من بعيد: هل يشبه ترامب فرانكو؟

د. فاطمة طحطح
د. فاطمة طحطح

نحن جميعاً لا نسمع الأصوات.. لكنني أتساءل: لماذا يتناص اسم “لوركا” في قصائد أعلام الشعراء العرب؟ محمد السرغيني، عبد الوهاب البياتي، محمود درويش، بدر شاكر السياب.. وغيرهم كثير.

ومع ذكر هؤلاء الرجال، انفلت من ذاكرتي علمٌ نسائي، وتذكرتُ قصيدة بعنوان “غارثيا لوركا”، كُتبت بحروف لاتينية وباللغة الإنجليزية لشاعرة أمريكية من أصل مغربي: نادية بنعبيد (Nada Benabid).  هي شاعرة وباحثة أكاديمية ومترجمة، تقيم بالولايات المتحدة منذ عام 1972 وتدرس بجامعة “برينستون”.

تقول في قصيدتها:

أريد الماء.. الماء..

بعمق النهر.. والهواء..

ليس الرياح،

بل الهواء”.

شارك هذا الموضوع

لطيفة حليم

أديبة وروائية كندية وأكاديمية من أصول مغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!