وهم التغيير بالمظلات.. لماذا لا تسقط الأنظمة المتجذرة من الخارج؟
عبد الرحمان الغندور
لم أصفق يوما للثورة الإيرانية إلا في إسقاطها للشاه كرمز للاستبداد والطغيان، وانتقدتها بعد هذا الإنجاز في كل مساراتها العقائدية والسياسية والتنظيمية والتدبيرية، وبقيت مناصرا بأمل في انبثاق حركة تحررية ديموقراطية تنبع من رحم الشعب كما نبتت حركة إسقاط الشاه. ولم أومن يوما وعلى مدار عقود، أن الرهان الأمريكي والإسرائيلي، ومعه كل الشامتين والحاقدين، قادر على كسر إرادة الدولة الإيرانية وتغيير نظامها السياسي عبر أدوات القوة العسكرية والضغط الاقتصادي كرهان خاسر، وقد تجلى ذلك بوضوح في عدم قدرة واشنطن على تحقيق غاياتها الكبرى رغم التفوق التكنولوجي واللوجيستي الهائل. إن هذا الفشل لا يعود لنقص في الذخيرة أو تراجع في نبرة التهديد، بل يكمن في تغاضي الإدارة الأمريكية عن حقيقة تاريخية ثابتة مفادها أن إسقاط الأنظمة المتجذرة لا يمكن أن يُستورد من الخارج، ولا يمكن للقاذفات والصواريخ، مهما بلغت دقتها، أن تصيغ عقداً اجتماعياً جديداً أو تفرض نظاماً سياسياً مستداماً. لقد أثبتت التجربتان في العراق وأفغانستان أن القوة الجوية قد تدمر البنية التحتية وتفكك الأجهزة الأمنية، لكنها لا تزرع استقراراً، بل إن التغيير الذي يأتي عبر الغزو البري يتطلب تكاليف باهظة بشرياً ومادياً، وينتهي غالباً إلى مستنقعات من الفوضى التي لا تخدم حتى مصالح القوة الغازية نفسها.
إن جوهر الإشكالية التي يقع فيها المخطط الغربي، ومعهم أولئك الشامتون الذين ينتظرون سقوط النظام الإيراني بضربة أمريكية إسرائيلية، هو الجهل بطبيعة التحولات الكبرى؛ فإسقاط الأنظمة وتغيير وجه التاريخ ليس مجرد فعل تقني عسكري، بل هو سيرورة تاريخية لا تكتمل إلا باستكمال الشروط الذاتية والموضوعية داخل بنية المجتمع المحكوم بالاستبداد. فالخارج، مهما تعاظمت قدراته، لا يعدو كونُه عاملاً مساعداً ثانوياً قد يسرّع العملية أو يبطئها، لكنه أبداً لا يحل محل الإرادة الشعبية التي تنضج في الداخل. التغيير الحقيقي هو عملية بناء تراكمية تقوم بها الشعوب حين تصل إلى لحظة الانفجار والوعي بضرورة البديل، أما المراهنة على صواريخ “كروز” أو طائرات “إف-35” لإرساء نظام ديمقراطي فهي محض وهم وتضليل؛ إذ لم يسبق للتاريخ أن سجل قيام ديمقراطية حقيقية تحت مظلات الطائرات المغيرة أو عبر فوهات مدافع الغزاة.
إن هؤلاء الذين يتوهمون أن الحرية تُهدى على أدرع الأسلحة الأجنبية ينسون أن قوات الغزو، تظل مدفوعة بمصالح جيوسياسية براغماتية لا تعبأ بمصير الشعوب. فالديمقراطية ليست منتجاً معلباً يتم إسقاطه بالمظلات، بل هي ثمرة كفاح وطني ونضج مجتمعي طويل النفس. لذا، فإن الفشل الأمريكي في مواجهة إيران هو في الحقيقة انتصار للمنطق التاريخي الذي تبينه المقارنة البسيطة بين النموذجين العراقي والإيراني من منظور السوسيولوجيا السياسية والذي يكشف بوضوح عن مكامن الخلل في الرؤية الأمريكية التي حاولت إسقاط تجربة “التغيير من الخارج” على واقع جيوسياسي واجتماعي مغاير تماماً، حيث يبرز الفارق الجوهري في بنية الدولة ومؤسساتها؛ فبينما كان النظام العراقي في عام 2003 نظاماً “هشاً” يعتمد على مركزية الفرد المطلقة مما جعل سقوط الرأس يؤدي آلياً إلى انهيار جسد الدولة بالكامل، نجد في الحالة الإيرانية نظاماً “صلباً” يتسم بتعدد مراكز القوى وتوزيعها بين مؤسسات عقائدية وأمنية وعسكرية كالحرس الثوري والبسيج، وهي بنية سوسيولوجية تجعل من استهداف النظام عبر القصف الجوي مجرد خدش للسطح لا يطال الجذور المتغلغلة في النسيج المجتمعي المستفيد من استمرار الوضع القائم.
ويتعاظم هذا الفشل الأمريكي حين نصطدم بمسألة “الشرعية القومية” والذاكرة التاريخية، إذ استطاع النظام الإيراني ببراعة دمج الهوية المذهبية بالنزعة القومية الفارسية، محولاً أي تهديد خارجي، سواء كان أمريكياً أو إسرائيلياً، إلى عدوان على “الأمة” برمتها وليس على السلطة السياسية فحسب، وهو ما يؤدي سوسيولوجياً إلى ظاهرة “الالتفاف حول العلم” التي تجعل حتى المعارضين يصطفون خلف الدولة في لحظات الخطر الوجودي، بخلاف الحالة العراقية التي كانت تعاني من تصدعات طائفية وعرقية عميقة مهدت الطريق للغزو الأجنبي.
وهنا يتقاطع التحليل مع الحقيقة الثابتة بأن التغيير المستدام يتطلب “كتلة تاريخية حرجة” من الداخل تمتلك مشروعاً بديلاً نابعاً من رحم المجتمع، فبينما جاء البديل في العراق محمولاً على دبابات الغزاة مما أفقده الشرعية الوطنية وأدخله في دوامة “الديمقراطية الهشة”، فإن الشروط الذاتية والموضوعية في إيران لم تنضج بعد بالقدر الذي يسمح بتجاوز الاستبداد داخلياً، والخارج مهما بلغت قوته اللوجيستية لن يكون سوى مقامر يحاول توظيف التناقضات لمصالحه الخاصة.
إن هؤلاء الذين يتوهمون أن الحرية تُهدى بواسطة القذائف الأجنبية ينسون أن قوات الغزو، مهما تدرعت بشعارات تحررية براقة كـ”نشر الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”، تظل مدفوعة بمصالح جيوسياسية براغماتية لا تعبأ بمصير الشعوب. فالديمقراطية ليست منتجاً تقنياً يُسقط بواسطة القاذفات، بل هي بناء تاريخي وثمرة كفاح وطني يتطلب ثقافة سياسية ونضجاً مجتمعياً لا يمكن استنباته في بيئة يسيطر عليها منطق الغزو والعدوان. وهو ما يجعل مراهنة الشامتين على الصواريخ لإقامة نظام ديمقراطي مجرد وهم سريالي يتجاهل أن الشعوب هي المختبر الوحيد لإنتاج حريتها. لذا، فإن الفشل الأمريكي في مواجهة إيران هو في الحقيقة انتصار للمنطق التاريخي الذي يؤكد أن التغيير الذي لا ينبع من الداخل، ولا تحمله سواعد الشعوب في الميادين، يظل تغييراً هشاً وقسرياً، ينتهي بالضرورة إلى فشل ذريع بمجرد رحيل آخر جندي غازٍ، تاركاً وراءه مجتمعات أكثر تمزقاً وأنظمة أقل استقراراً.
