يحيى جابر في “القرنة البيضا”.. راديكالية السخرية وتشريح للهويات القلقة
عبد الرحيم التوراني
حين نتأمل المسار الفني ليحيى جابر، نجد أنفسنا أمام مبدع لا يكتفي بتقديم فرجة مسرحية، بل يمارس نوعاً من الأنثروبولوجيا الثقافية عبر الخشبة. لقد أدرك الشاعر يحيى جابر مبكراً أن القصيدة، برغم سموها قد تظل حبيسة النخبوية، لذا قرر النزوح من ضيق الورقة إلى رحابة المواجهة المباشرة. ولم يكن هذا الانتقال انسلاخاً عن الشعر، بل عملية تسييل له ليجري في عروق الشخصيات، فتتحول العبارة من استعارة لغوية إلى صفعة درامية تستفز المتلقي لتوقظ وعيه… إنه الرهان على جوهر الإنسان وقدرته على مواجهة الركام بالكلمة والضحكة والوقوف الشجاع أمام التاريخ.
يرتكز مختبر جابر الإبداعي على المفارقة كأداة أساسية، فهو الكائن الذي يبتسم في ذروة المأساة، لا استخفافاً، بل لأن السخرية هي الدرع الأخير ضد الانهيار الوجودي. في مسرحه، يضحك الجمهور مع الشخصية على واقع سوريالي ممعن في القسوة. هذه الكوميديا السوداء هي مشرط الجراح الذي يفتش في جروح المجتمع اللبناني، محولاً الأورام الطائفية والسياسية إلى مادة للتحليل والتفكيك… والسخرية هنا ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة إيضاح ترفع الغطاء عن المسكوت عنه، وجعل الحقائق المرة قابلة للهضم دون أن تفقد مرارتها الضرورية للتغيير.
من تراب لبنان وحجارته، ينحت يحيى جابر عناوين مسرحه. ففي مسرحية “القرنة البيضا”، تلاعب بجدلية اللون والمكان، محولاً اسم أعلى قمة في بلاد الأرز وعموم الشام من سوادها المعهود إلى بياض متخيل، ليخبرنا أن المخاض العسير فوق قمم الألم لا بد أن ينتهي بإشراقة أمل جديدة.
وفي هذا السياق، يستحضر شخصية جبران خليل جبران ليضعه في كادر درامي جديد، مبتكراً له ابنةً عاشقة تدعى كاميليا، كأنها تختصر بجمالها صلة الرحم بالأرض. وعبر هذا الحضور، يسلط العمل الضوء على التناقض في محاكمة جبران، فبينما واجه اتهامات الكفر في مهجره ورفضت الكنيسة الأمريكية الصلاة عليه، يبعثه جابر مؤمناً في قلب بيئته الأم “بشري”، حيث ينتصر له الراهب الماروني معلناً أن الصلاة على روح هذا المبدع هي حقٌ وواجب ديني.
هذا الصفح الديني عن جبران يؤكده الكاتب والمخرج جابر اعترافا بصاحب “النبي” وبوصاياه حين ينهي مسرحيته بكلمات من جبران: “أولادكم ليسوا أولادكم.. بل هم أولاد الحياة”.
كما لم يتناول يحيى جابر في “القرنة البيضا” موضوع الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، لكن القتل حاضر في النص كجرائم اجتماعية بين ناس الطائفة الواحدة.
في المونودراما يبرز الممثل كركيزة لا غنى عنها، ولعل تجربة يحيى جابر مع الفنانة ماريا الدويهي تمثل الذروة في هذا التلاحم. فقد استطاعت الدويهي، بطاقة تعبيرية مذهلة، أن تحمل النص بمحمولاته التاريخية وثقله السياسي على كتفيها طيلة ساعة ونصف دون انقطاع. لم تكن مجرد مؤدية تشخص دورا، بل كانت حمَّالة أساطير وذاكرة تمشي على قدمين، تنتقل بسلاسة بين لوحات اجتماعية معقدة.
هذا الأداء الراقي لماريا الدويهي هو الذي مَنح نص يحيى جابر أبعاده القصوى والمُضمرة، وجعل الجمهور مشدوهاً أمام قدرة جسد واحد وحنجرة واحدة على اختزال مجتمع الشمال اللبناني بأسره، وتجسيد صراعاته العميقة فوق خشبة عارية إلا من الموهبة والصدق.. لكنّ هذا الانبهار بالدّويهي سيتضاعف حين ندرك أن خلف هذا الحضور الطاغي عقلٌ مفكر، فهي ليست مجرد ممثلة قديرة، بل كاتبة ومخرجة وأكاديمية نالت درجة الدكتوراه في الفن المسرحي، ما جعل أداءها مزيجاً عبقرياً بين عفوية الموهبة ودقة المعرفة.
في كل محطة، يختار يحيى جابر أن تكون المرأة هي الحاملة لهذا التاريخ، فهي الذاكرة الحية والجسد الذي تتقاطع فوقه صراعات السلطة. أما خيار المونودراما فليس تقشفاً، بل هو رهان على البطولة الإنسانية، فحين تكسر الممثلة الجدار الرابع، يصبح الجميع شركاء في اعتراف جماعي عما آلت إليه أحوال البلاد.
إن مشروع جابر يمثل رحلة استكشافية في العمق اللبناني… من الجنوب في “شو منلبس”، حيث استنطق ذاكرة النضال والمقاومة، وصولاً إلى الشمال في “القرنة البيضا” حيث فكك بنية المجتمع الزغرتاوي بجرأة لافتة. وهذا الاحتضان الجماهيري الذي يحظى به ليس عفوياً، بل هو ثمرة لالتصاق أعماله بالواقع اليومي، مما يشجعه على المضي قدماً في قراءته الموسوعية الممسرحة للواقع والتاريخ والمستقبل.
ويظهر عمق هذا التأثير الاجتماعي في العروض التي تجري حالياً بمسرح “المونو” في بيروت، حيث يُلاحظ الحضور النسائي الطاغي الذي يملأ الصالة. إن هذا الإقبال ليس صدفة رقمية، بل هو استفتاء حي على مشروع جعل من الأنثى بوصلته الدرامية. فالنساء يرين في مسرحه مرآة تعكس شرطهنّ الإنساني، ومنصة تدافع عن حقوقهنّ، حيث ينتصر جابر لوجودهنّ كفاعل أساسي في صياغة تاريخ البلد.
لقد استطاع يحيى جابر دمج الوجع اللبناني بالعملية الإبداعية، محولاً الألم إلى مشهدية مسرحية، ومضفياً لمسة شعرية فريدة على الإخراج. ومن خلال قاعدة جماهيرية وفية، أكد لنا أن الرهان على صدق الفن هو الرهان الوحيد على الأمل، حتى وإن كان الطريق إليه وعراً ومملوءاً بالسخرية الموجعة.
