أحمد مطر.. غاب الجسد وبقيت حكاية مخيم لا ينسى

أحمد مطر.. غاب الجسد وبقيت حكاية مخيم لا ينسى

د. خالد العزي

       تلقيتُ خبر رحيل صديقي أحمد مطر بحزنٍ عميق، وكان وقع الخبر عليّ مؤلماً، إذ بدأت دموعي تتساقط من عينيّ دون أن أتمكن من السيطرة عليها. منذ أن عرفت أحمد، كنتُ دائماً أسعى للاطمئنان عليه، خاصة في فترات مرضه الطويلة التي مرّ بها، وحين التقيته في المرة الأخيرة كان يبدو عليه التعب الشديد، لكنني كنت أستمر في مزاحه، أسأله: “خلص طِب يا أحمد، ما بدك تطعمنا لحم بعجين؟” مع أنني أعرف تماماً أنه لا يحب ذلك. كنت أحاول أن أخفف عنه عبر مزاحي، وأشعره ببعض الفرح رغم معاناته.

كنت أستمتع جداً بمحادثاته، وأذكر جيداً كيف كنت أستفزه في النقاشات رغم هدوئه الجم. كان أحمد طيباً جداً، ذا خلقٍ عالٍ، لكنني كنت أستطيع تحفيزه على النقاشات الحادة، وأحياناً كان يقول لي مازحاً: “الله يلعن لسانك الزفر”. كانت تلك اللحظات مليئة بالذكريات الجميلة رغم ما كنت أثيره من استفزازات.

أحمد كان لا يحب الحديث عماضيه إلا إذا اضطر لذلك، وكنت أرى في عينيه حزناً غير معلن عندما كان يذكر محطات حياته الصعبة، فقد كان جزءاً من تاريخ طويل من النضال، خاصة في حقبة “تل الزعتر”، حيث بدأ نضاله في سنّ مبكرة، وكان يعمل في مكتب “أبو عمر”. لكنني كنت أبحث دائماً عن تفاصيل أكثر عن تلك الحقبة التاريخية العميقة، ورغبت في أن أعدّ فيلماً وثائقياً عن ذلك المكان.

في أحد الأيام، قررنا الذهاب معاً إلى تل الزعتر لنتذكر تلك الأيام الصعبة. وصلنا إلى المخيم، لكن أحمد كان غارقاً في الذكريات المؤلمة، فقد تبدلت معالم المكان بشكل كامل، ولم يعد يستطيع تحديد أي مكانٍ فيه. قال لي بحزن شديد: “هل تعلم أنني لم آتِ إلى هنا منذ عام 1976؟”، وأضاف: “لقد أحببت أن آتي برفقتك، ولكنني تبينت أنني أتجنب تل الزعتر وما مرّ به من مشاهد مؤلمة، تلك الذكريات التي عجزتُ عن نسيانها“.

عدنا من هناك، وأحمد كان يتأمل الماضي بمرارة، يتذكر طفولته، وعائلته، وأصدقاءه الذين فقدهم. كان يتحدث عن والده وعن قبره الذي لم يعد يعرف مكانه بعدما جُرفت المقبرة وبُنيت عليها المساكن الشعبية.

أحمد لم يكن فقط جزءاً من تلك الحقبة التاريخية، بل كان أيضاً أحد أركان حركة فتح. ورغم أنه ترك المنشقين بعد أن أصبح الدم هو السائد، فقد ظلّ يحمل في قلبه كُرهاً عميقاً للعنف والدماء التي أُريقت. كان يتحدث عن مرحلة الانقلاب في حركة فتح، وعن الصراعات التي نشأت داخلها، لكنه دائماً ما كان يبدي أسفه على ما حدث، مشيراً إلى أنه لم يعد في مقدوره الاستمرار في تلك الأوضاع المليئة بالدماء.

ما زالت ذاكرته حية في قلبي، وكلماته تتردد في أذنيّ كلما تذكرت تلك الأيام، والألم الذي كان يحمله في داخله. لكن رغم كل ما مرّ به، لم يكن يترك مكاناً للحقد في قلبه، بل كان دائماً ما يشير إلى الأمل في غدٍ أفضل، حتى في أصعب الأوقات.

اليوم، بعد رحيله، لا أستطيع إلا أن أتذكره بكل الحب والاحترام، وأن أرسل له تحية من القلب، أيها المناضل الطيب، الذي عرفت فيه الإصرار والعزيمة، وعرفت فيه الصدق والنبل. رحيلك ترك في قلبي فراغاً لا يمكن ملؤه، لكن ذكرياتك ستظل حية فينا إلى الأبد.

ألف سلام لك يا عزيزي أحمد.. وداعاً وإلى اللقاء.

شارك هذا الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!