صرخة الاحتفالي في احتفالية “الناس والحجارة”

صرخة الاحتفالي في احتفالية “الناس والحجارة”

 د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

عذراً إخوتي، إذا كنت في هذه الكتابة أتكلم باسم المتكلم، وأقول “أنا”. ولعلوماتكم الخاصة، فإن هذا “الأنا” ما هو إلا واحد من الناس، ولكنه لا يكره أبداً لو أنه كان بإمكانه أن يختزل في ذاته الواحدة كل الناس، وأن يجمع في عمره الواحد كل الأعمار، وأن يختزل في زمانه الواحد كل الأزمان. ولقد اكتشفت أن هذه الإمكانية ممكنة، ليس في هذا الواقع اليومي المحدود والمحدد، ولكن في ذلك العالم السحري، العجيب، الغرائبي والمدهش دائماً، والذي يسمى عالم المسرح.

وفي هذا المسرح تعددت هذه “الأنا” الواحدة، والتي هي معطى وجودي. ولقد أصبح من حقي، بفعل قوة وسحر هذا المسرح، أن أكون أكبر من مجرد اسم، وأن يكون لي أكثر من وجه، وأكثر من قناع، وأكثر من حضور، وأن يكون لي أكثر من شخص واحد في هذا الكون المسرحي الواحد، وأن يكون اسمي: ابن الرومي، وسقراط، وابن رشد، وامرؤ القيس، وجحا، وجحجوح، وفرانكنشتاين، وإيكاروس، والصعلوك، والزعيم ميم، ونبي الجنون، وأبو الغرائب، وبحر العلوم.

وأقول “أنا” إذن، وهذا ليس أنانية مني، ولكنه محاولة فقط لمعرفة هذه “الأنا”؛ والتي أحملها وتحملني، والتي هي عنواني في دنيا الناس والحجارة. وهل هي حقيقة أم هي وهم؟ وهل هي يقظة أم هي منام؟ وهل هي واحدة أم هي ذوات متعددة؟ وهل هي ذات حرة أم هي ذات مقيدة؟

لقد تعودت على أن أتعامل مع كل الكلمات بكثير من الحذر، وعلى أن لا أحملها ما لا يمكن أن تحتمل؛ ولهذا فإنني أقول بأن هذه “الأنانية” ليست في كل الحالات والمقامات أنانية واحدة، وهي في حقيقتها أنانيات متعددة ومتنوعة. ولقد تعود الاحتفالي، في كل كتاباته، على أن يميز بين الاحتفالية السعيدة والأنانية البغيضة، وبين الأنانية المفتوحة والأنانية المغلقة على نفسها، وبين الأنانية العاشقة لكل الأنانيات الإنسانية الأخرى وبين تلك الأنانية الكارهة والحاقدة والحاسدة، والأنانية الكريمة والأنانية البخيلة. وبالنسبة للاحتفالية، فإن أنانيته لا يمكن أن تكون إلا جزءاً أساسياً من “النحنية” الجماعية والمجتمعية والإنسانية والكونية الكبرى.

وأنا المبدع المسرحي، والذي أوجد كل هذا الحشد الكبير من الشخصيات، ومن العلاقات، ومن البنيات، ومن المواقف، ومن الأحداث، ومن التساؤلات الفكرية، هل كنتُ أنانياً عندما تمثلتُ حيوات كل الناس في التاريخ ونسيتُ نفسي؟ وماذا يعني أن أقتسم اسمي مع كل الأسماء، وأن أترافع لفائدة كل الغرباء، وأن أتبنى كل قضايا المقهورين والمهمشين؟

أعتقد أنه من حقي أن أقول بأنني في هذه الصناعة المسرحية لم أكن في يوم من الأيام وحدي، وأنا الكاتب الذي يسكن بداخلي كاتب آخر خفي، مهمته هي أن يفكر معي في فلسفة الإبداع، ومهمتي أنا هي أن أستشيره وأن أسأله، وأن أتخيل عالماً مسرحياً يقترحه عليّ هذا الذي يختفي بداخلي، والذي أوحى لي بفلسفة التعييد الاحتفالي، ونحن معاً، وجهان اثنان في جسد واحد، وهذا هو ما يجعلني أكتب “أنا” وأنا أقصد “نحن“.

الفكرة الاحتفالية صخرة سيزيفية

ونحن، عندما عرفنا المسرح، وعندما قدمناه لكل الناس في إطار من الاحتفالية ومن العيدية الاحتفالية، لم نقف عند درجة تأسيس الفكرة فقط، ولكن قدمنا منهجيتها أيضاً؛ في تأسيس الأفكار، وفي طريقة استخراج الأفكار من الأفكار، وفي تفكيك الأفكار وتفكيك المعاني والصور، وفي إعادة تركيبها من جديد بشكل جديد.

ويعرف الجميع أن هذا الفعل التأسيسي لم يكن بالمجان، وعلى أنه لا أحد قد صبر صبراً جميلاً على الأذى القبيح مثل الإنسان الاحتفالي، وعلى أنه لا أحد أسس مشروعاً فكرياً وجمالياً وآمن به، ودافع عنه، مثل المفكر والمبدع الاحتفالي.

وبخصوص كل الأفكار الاحتفالية، والتي كانت في الأصل قديمة قدم الإنسان وقدم الحياة وقدم الاحتفال بالوجود، يقول المفكر الاحتفالي في كتابه المخطوط (مسافر وجهته السحاب): “بأن الاحتفاليين الجدد، ورغم أنهم لا يؤمنون بتناسخ الأرواح، فإنهم يؤمنون بتناسخ الأفكار، وبتناسخ الصور، وبتناسخ الاختيارات الوجودية والأدبية والفنية، وهذا شيء يعطيهم الإحساس بأنهم ورثة الفكر الإنساني، في عموميته وشموليته، وأنهم مؤتمنون على العبقرية الإنسانية، وذلك على امتداد التاريخ كله“.

ولعل هذا هو ما جعلني، في كل كتاباتي، أؤكد دائماً أن الاحتفالية قديمة، وعلى أن الجديد هو الاحتفالي المغربي والعربي، والذي أعاد قراءة هذه الاحتفالية، وأعاد كتابتها من جديد بشكل جديد في هذا الزمن الجديد، أعاد صياغتها نظرياً وجمالياً في ضوء المتغيرات التاريخية الجديدة والمتجددة.

ونحن لا ننكر أن الفكرة الاحتفالية قد كانت فكرة سيزيفية بامتياز، وأن هدفنا الأساس هو أن ندفع بصخرتها حتى تصل إلى القمة، في حين كانت هناك مخلوقات شبحية لا ترى بالعين المجردة، تعمل في السر وفي العلن من أجل أن تسقط هذه الفكرة، وأن تنزل بها إلى السفح، بل وإلى الحضيض وإلى الوحل. وقدر هذه الفكرة هو أن تكون في الأعلى وفي القمة دائماً، وأن تكون وجهتها السماء، وهذا ما جسده الكاتب الاحتفالي في كتاب (مسافر وجهته السحاب).

وأما بخصوص مسرحية (الناس والحجارة)، والتي كانت هي المدخل الرئيس للعوالم الاحتفالية، فإنني أقول فيها اليوم ما يلي: لقد كان في ذهني، ساعة كتبتها سنة 1976، “جدار برلين” الذي كان سجناً كبيراً بسعة وطن، أو بسعة وطنين هما في الأصل وطن واحد. وإلى حدود هذا اليوم، ورغم سقوط جدار برلين، فمازال في هذا العالم الذين يبنون السجون، ومازال هناك الذين يعتقلون الإنسان، ومازال هناك الذين يجردونه من إنسانيته، ويمنعونه من حريته ومن حقه في الحياة ومن حقه في الفرح الصادق.

مسرحية احتفالية بقناع مأتمي

وفي هذا النفس الجديد من هذه الكتابة الجديدة والمجددة، أقول اليوم نفس ما قاله ذلك السجين الوجودي في تلك الاحتفالية الناقصة، والتي أعطت نفسها، في ذلك الزمن السبعيني من القرن الماضي الذي كان، اسم (الناس والحجارة).

في البدء كان هناك ظلام تام، وكان هناك صمت يعم المسرح، ثم انفتحت الستارة فجأة وبدون مقدمات، وجد ذلك السجين نفسه أمام جمهور ينتظر منه أن يقول له شيئاً، ولقد تكلم وقال: (بحق الله، لا تسألوني عن قصتي، هل هي ضاحكة أم باكية، وهل هي مفيدة أم مسلية، وكل ما أعرفه عنها هو أنها قصة، مثل كل القصص، قصة وكفى، وقد لا تكون هذه القصة قصتي وحدي، وقد لا أكون أنا هو أنا، ولا أكون واحداً من الناس، ومن يدري، فقد أكون كل الناس وأنا لا أدري..).

هكذا تحدث ذلك السجين في تلك الاحتفالية المسرحية، والذي لا يحمل اسماً من الأسماء، والذي يمكن أن نسميه بما نشاء من الأسماء. وقد يكون هو هذه الحياة الاحتفالية المحاصرة والمقموعة والممنوعة من الحضور ومن الكلام ومن التعبير ومن التواصل مع الناس، وقد يكون هو “أنا” الاحتفالي، الحامل لصليب الاحتفالية على ظهره على امتداد خمسين سنة.

وهذه المسرحية كان أول من أخرجها المخرج الاحتفالي محمد الباتولي مع “مسرح لبساط” بمدينة وادي زم، ثم قدمها المسرح الكوميدي بالقاهرة باسم (أنا والقرد)، كما أخرجها المخرج المسرحي والأستاذ الحقوقي د. امحمد الأزهر، وقدمها في مدينة المنامة في البحرين في أواسط الثمانينات من القرن الماضي. كما قدمها المسرح القومي العراقي في إخراج بديع للفنان المرحوم هاني هاني، والذي شكلها في إطار لوحة تشكيلية يمكن أن تُرى من جانبين. ولقد كان الذي حرر الجمهور من قيوده السرية والخفية في هذه الاحتفالية المسرحية، وزرع فيها الحياة، هو الممثل والمخرج المسرحي العراقي الكبير عزيز خيون.

أما أول ممثل لعب دور السجين، والذي لم يكن يومها معروفاً، فهو الفنان المرحوم عبد الواحد قيصر، ولم يكن أحد من المسرحيين قد سمع باسمه من قبل، حتى فاجأ الجميع في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بمدينة فاس سنة 1988. ذلك الاحتفال المسرحي كان من إخراج المسرحي والشاعر الغنائي الكبير محمد الباتولي، مؤسس الأغنية الاحتفالية مع الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي.

وفي مقدمة المسرحية يقول الكاتب في صفحة الإهداء ما يلي: (هذه الاحتفالية المسرحية مهداة إلى: روح الفنان الصادق عبد الواحد قيصر، والذي كان أول من شخصها ومن أعطاها الحياة من حياته السريعة سرعة البرق. وإلى روح الفنان العراقي هاني هاني، والذي كان له موعد مع الموت وهو في طريق عودته إلى مدينته الموصل. وإلى الفنان والأستاذ الصديق امحمد الأزهر، والذي اقتسم معي هذا الحلم أو هذا الكابوس الوجودي).

وماذا يمكن أن نقول اليوم عن هذه المسرحية، والتي كانت ومازالت احتفالية إنسانية غير تامة وغير مكتملة؟ في هذه المسرحية يحضر الغياب، وتموت الحياة، ويختفي الناس، ولا يبقى وجود إلا للحجارة الخرساء والبكماء. ونجد أنفسنا أمام شخص وحيد وغريب في سجن غريب وعجيب، تماماً كما هي هذه الاحتفالية اليوم، والتي سبق أن قال الاحتفالي في إحدى كتاباته السابقة بأن هذه “الاحتفالية حلال”، رغم أن هناك من أفتى، من بين فقهاء المسرح المغربي، بأنها حرام؛ لأنها فقط “بدعة”، وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وفي تقديمه لهذه الاحتفالية المسرحية، والتي لها وجه آخر مختلف، والذي هو وجهها المأتمي والعبثي والفوضوي والعدمي، والذي قد لا يكون ذلك الوجه وجهها الحقيقي، ويكون مجرد قناع استوجبه هذا الكرنفال الكاذب والمزيف، في هذا الزمن الكاذب والمزيف، يقول الكاتب الاحتفالي عن هذا السجين ما يلي: “إنه لا أحد معه في غربته ومنفاه إلا ذلك الرشح الذي في الجدار، والذي اتخذ صورة قرد، والذي أخرجه السجين من الجدار بسلطة خياله، وأعطاه اسم قردل، وجعل منه صديقاً في سجنه، وجعل منه رفيقاً في رحلاته الخارجية، والتي أوصلته إلى عالم الناس المخيف وإلى مدنهم المرعبة“.

هو البحث عن الآخر إذن، أي عن الناس هرباً من الحجارة، ولو كان ذلك البحث في العالم الافتراضي أو في العالم الخيالي؛ المهم هو الهروب المشروع من الوحدة ومن العزلة ومن السجن ومن الغربة ومن المنفى ومن الموت غير المعلن.

من يكون السجين ومن يكون السجان؟

نحن في هذه الاحتفالية المسرحية، كما يقول الكاتب الاحتفالي في التقديم: “أمام احتفالية ناقصة ومعطوبة؛ لأن شرط الاحتفال الأساس هو الحضور والتلاقي، وهو الجوار والحوار، وهو الغنى والامتلاء لحد الفيض. وفي هذه (الاحتفالية) المسرحية نجد الحجارة وحدها ويغيب الناس، ونقتنع بالحقيقة المرعبة التالية، وهي أن أقدم سجن في الوجود هو سجن الوجود، وبأن أخطر سجن في الحياة هو سجن الحياة، وبأن أقدم سجين في التاريخ هو هذا الذي يسمى الإنسان. ولعل أخطر جرائم هذا الإنسان، الحي والعاقل والمحتفل والمعيد، رغم غياب كل شروط التعييد، هو أنه كائن يصر على أن يكون إنساناً بشكل حقيقي، وأن يكون حياً وعاقلاً ومشاغباً ومحتفلاً ومعيداً دائماً. أما أخطر أعداء هذا الإنسان، الناطق والمتحرك والمتجدد، فتتمثل في صمت الحجارة الخرساء والجامدة، كما تتمثل في غياب الحياة والأحياء فيها، والحياة الحقيقية بكل تأكيد، وليس تلك الحياة التي هي مجرد صور سينمائية متحركة في هذا العالم السينمائي المتحرك“.

هذه المسرحية كُتبت كتابتين، وفي زمنين اثنين مختلفين، وهذا ما جعل الكاتب الاحتفالي يقول في التقديم ما يلي: “(الناس والحجارة) مرة أخرى، وهي اليوم كتابة أخرى جديدة ومتجددة لأقدم مسألة في الوجود، والتي هي مسألة الوجود نفسها، وتأتي هذه الكتابة (الجديدة) بعد ثلث قرن من كتابتها الأولى، والتي تمت في القرن الماضي، وفي الألفية الماضية، وهي اليوم تنكتب بنفس يد المؤلف، وذلك بعد أن تغير هذا المؤلف، وبعد أن تغير الناس في عالم الناس أيضاً، ولكن، هل تغير شيء في عالم الحجارة المرعب؟“.

ذلك هو السؤال الذي يطرحه هذا الرحيل الإبداعي على فكر ووجدان وروح واحد من الناس، والذي قد يكون هو كل الناس ونحن لا ندري. وإلى حدود هذا اليوم، فمازال ذلك السجين بين الجدران العالية والعاتية، ومازال مبعداً عن الناس وعن عالم الناس، ومازال محروماً من الحق في الاحتفال والتعييد، ومازال دائماً ـ كما كان من قبل ـ يعاني بؤس الغربة ووجع المنفى، ومازال ذلك السجين الغريب ـ والذي هو أقدم سجين في الوجود والحياة ـ يتساءل عن معنى وجوده في سجنه:

  • فهل هو سجين أفكاره الغريبة والعجيبة؟
  • وهل هو سجين معتقداته التي تسربت إليه من أي مكان، أو من اللامكان؟
  • وهل هو اليوم سجين عصره البلاستيكي الجديد، والذي يحتفي بالصورة وحدها، ولا يهمه صاحب الصورة؟
  • وهل هو سجين تاريخه الذي لم يختره؟
  • وهل هو سجين هويته التي فرضت عليه فرضاً، من غير أن يختارها، فكان ضرورياً أن يكون هو هو، وأن لا يكون غيره؟
  • وهل هو سجين جغرافيته التي ألزمته بالتزام مكان واحد، وحرمته من أن يكون حاضراً في كل الأمكنة الأخرى، التي لا يمكن أن يكون لها عد ولا حصر؟
  • وهل هو سجين ثقافة مجتمعه، والتي حكمت عليه بالغربة والقهر وبالمنفى، وأبعدته بالتالي عن الثقافات الأخرى، وعن اللغات الأخرى، وعن الحضارات الأخرى؟
  • وهل هو سجين عماه الفكري والروحي؟
  • وهل هو سجين قدره الذي كُتب عليه في السماء، والذي لا يمكن أن يمحوه الماء؟

هي أسئلة وجودية كبرى تطرحها هذه الاحتفالية المسرحية، ولكن الأجوبة عنها تظل غائبة أو مغيبة، أو تظل متعلقة بعالم الغيب، ويبقى هذا الإنسان السجين متهماً بتهمة غير واضحة، أو بتهمة غير معروفة، أو بتهمة غير معقولة، وذلك لأن ملف هذا المتهم احترق، أو لأن ذلك القاضي المنتظر قد أدركته الشيخوخة ومات، وبذلك يظل سجيناً إلى.. ما لا نهاية.

الصمت ولغة الأشياء الناطقة

في هذا المسرح الوجودي يحضر الجدار الوهمي دائماً، ورغم أنه وهمي فهو موجود وقاتل ومدمر، وتلك هي المأساة؛ أي أن تعذبنا الأشياء والصور والمشاهد التي نخلقها من الفراغ، والتي كان من الممكن أن تكون صوراً ومشاهد احتفالية وعيدية قائمة على الفرح العيدي. ويصرخ هذا السجين الوجودي في وجه كل الجدران المختلفة والمتنوعة المحيطة به، الجدران الحقيقية والوهمية، والمادية والرمزية، والظاهرة والخفية، والتي تبعده عن الناس وتبعد الناس عنه. ونجده في هذه الاحتفالية المسرحية مضطراً لأن يكلم الجدار الرابع الذي يبعده عن الناس ويقول: (افتح يا جدار.. افتح يا لعين.. افتح قلت لك.. افتح يا.. سمسم.. ليست هذه كلمة السر.. افتح يا شعير.. ولا هذه هي كلمة السر.. افتح يا بصل.. حتى هذه ليست كلمة السر.. أسعفيني أيتها الذاكرة المتعبة، أسعفيني حتى أجد كلمة السر الضائعة.. افتح يا.. لست أذكر.. افتح قلت لك.. بالله عليك افتح.. افتح..).

هو في هذه الاحتفالية المسرحية مجرد شخص واحد من الناس، قد يكون رجلاً وقد يكون امرأة، وهو في هذه الاحتفالية المسرحية يختزل الإنسان كله، ويختزل تاريخه كله من مبدأ الخلق إلى ما بعد الآن. أما سجنه الضيق المحدود، فيسع كل هذه الأرض، والتي لا يمكن الخروج منها إلا لنعود إليها، وإلى بطن تربتها التي أنبتتنا أول مرة. الأساس في هذه الاحتفالية المسرحية هو الاختزال؛ فالجموع يختزلها الفرد، والزمن التاريخي تختزله اللحظة الحية ـ الآن، هنا. والحياة كلها يمكن أن يختزلها عمر واحد من الأحياء، وهكذا عبر عنها هذا السجين الوجودي.

تبدأ هذه الاحتفالية المسرحية من خلال هذا المشهد الافتتاحي التالي: (الستارة مغلقة تماماً. فجأة يعم الظلام الصالة كلها. صمت البداية تخترقه أصوات مركبة ومتداخلة: صوت دقات القلب، مع صوت دقات الساعة، مع صوت الآلة الكاتبة، مع صوت أبواب السجن الحديدية وهي تفتح وتغلق، مع صوت المفاتيح وهي تُدار في الأقفال.. تأخذ الستارة في الارتفاع شيئاً فشيئاً. في أقصى الخلف، تظهر بقعة ضوء صغيرة، بداخلها جسد نحيف منكمش على نفسه. تتسع دائرة الضوء، فنرى سريراً وخلفه جداراً به رسومات وأرقام وكتابات. يتابع الرجل السجين انفتاح الستارة بكثير من الاندهاش ومن الفرح. تضاء الخشبة كلها، ويعم الضوء الصالة أيضاً، وكأن الأمر يتعلق بنهاية المسرحية. يغادر الرجل السجين سريره، يقترب من مقدمة المسرح، يتأمل وجوه الحاضرين أمامه، وهو لا يكاد يصدق ما يراه).

ويبقى السؤال: هذه الأصوات ماذا تعني؟ وكيف يمكن أن نقرأها قراءة مسرحية؟

  • إن صوت دقات القلب يفيد الخوف والقلق، ويفيد الضجر والسأم.
  • أما صوت دقات الساعة، فهو يفيد حركية الزمن.. هذا الزمن الحاضر في غيابه، والغائب في حضوره.
  • أما صوت دقات الآلة الكاتبة، فإنه يفيد الاستنطاق البوليسي، ويفيد بوجود تهمة ووجود متهم ووجود جهة مهمتها صناعة الاتهامات.
  • أما صوت أبواب السجن الحديدية، فهو يفيد أن الحرية مسيجة بالأبواب وبالقضبان الحديدية.
  • أما صوت المفاتيح وهي تُدار في الأقفال، فهي تفيد بوجود الأمل، بأن الأقفال المغلقة يمكن أن تُفتح اليوم، أو غداً، أو في يوم من الأيام.
  • أما الرسومات والأرقام والكتابات على جدران الزنزانة، فهي تفيد أن السجين يحكي قصته، وأنه يحسب أيامه وأعوامه في سجنه.
  • وأما الستارة في المسرحية، فهي الحد الفاصل بين عالمين يتقابلان ولا يلتقيان: عالم الناس وعالم الحجارة، وعالم الحياة وعالم الموت.

أما آخر الكلام في ختام هذه المقالة، فهو مجرد سؤال يمكن أن نصوغه على الشكل التالي: هذا السجين في هذه الاحتفالية المسرحية من يكون تحديداً؟ وفي الجواب أقول: قد يكون “أنا”، وقد يكون من حق أي واحد منا بأن يقول “هو أنا”؛ أي أنا السجين، وأنا المنفي، وأنا الغريب، وأنا القتيل، وأنا الممنوع، وأنا المقموع، وأنا الممنوح من الحرية، وأنا المحروم من الفرح ومن التلاقي ومن الحضور ومن التعييد الإنساني مع بني الإنسان المعيدين.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!