أحمد قعبور.. صدى الناس وأغنية الشوارع

أحمد قعبور.. صدى الناس وأغنية الشوارع

فاطمة حوحو

       في هذه الأيام المثقلة برصاص الحزن، حيث يمر الوقت كنسيج مهترئ تحت وطأة أخبار الحرب، وبينما نغرق في لجة التصريحات الجوفاء عن بطولات وهمية تُشيّد على أنقاض بلد يُهدم جهارا نهارا، والناس يفرّون بكسور أرواحهم من بيت إلى تيه.. في هذا الزحام الموحش، ينسل من بيننا إنسان عزيز، يرحل أحمد قعبور بهدوء لا يشبه ضجيج العصر، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه إلا صوته. لم يكن رحيله مجرد غياب لفنان مرّ بالذاكرة، بل كان انكسارا لحالة إنسانية نادرة استطاعت أن تسكن وجدان الناس بلا استئذان. تجلّت تلك الروابط الوثيقة على شاشات الهواتف، وفي عيون الأصدقاء، وفي غصات العائلات.. بدا وكأن كل بيت في لبنان يودّع فردا من شجرته الخاصة، لا مجرد شخصية عامة يلفّها الضوء.

ابن البيئة.. وصداها الأطهر

من أزقة “طريق الجديدة” الضاجة بالحياة والمتاخمة لتراب مخيمي صبرا وشاتيلا، استل قعبور خيوط تجربته الأولى. في تلك البيئة الشعبية التي لا تعرف التكلف، نضجت ملامحه الفنية، فنهل من حكايات البسطاء، ومن رائحة القهوة الصباحية، ومن تعب العمال وأحلام المقاتلين القدامى. لم يكن أحمد فنانا يراقب المشهد من شرفة عاجية أو من خلف زجاج مصقول، بل كان واحدا من الناس.. يشبههم في قلقه، ويعبر عنهم في وجعهم، ويمنحهم صوتا حين يغلبهم الصمت.

فاطمة حوحو مع أحمد قعبور في مهرجان الشباب العالمي بموسكو 1985
فاطمة حوحو مع أحمد قعبور في مهرجان الشباب العالمي بموسكو 1985

وفي زمن كان فيه الفن مكبلا بقيود الإيديولوجيا الصارمة، ومال فيه الكثيرون إلى تبني الخطاب السياسي المباشر والمنبري، شق قعبور لنفسه مسارا مختلفا تماما. رفض أن يكون بوقا لأي جهة، وأبى أن يُحبس في قوالب فكرية ضيقة تقتله فنيا. ظل وفيا للإنسان أولا، فحين غنى للقضية الفلسطينية “أناديكم”، لم يفعل ذلك من باب رفع الشعارات أو استجداء التصفيق، بل فعلها من موقع الإحساس العميق بالظلم، ومن إيمان فطري بأن القضية هي جوهر الكرامة الإنسانية.

من الناس.. وإلى قلوبهم

تميزت عبقرية أحمد قعبور في قدرته الفائقة على استنطاق التراث الشعبي وإعادة تقديمه كحياة نابضة، لا كفولكلور جامد محفوظ في المتاحف. في “بيروت يا بيروت بصندوق فرجة كبير”، وفي أغاني العيد ونداءات المسحراتي، كان يعيد صياغة هويتنا الجماعية، جعلنا نرى تلك التقاليد بعيونٍ جديدة، وندرك أننا جزء أصيل من هذا النسيج، نحبه وننتمي إليه بعيدا عن صراعات السياسة.

لقد أعاد قعبور الاعتبار لكل ما كان يُظن أنه بسيط أو هامشي. قدّم “المسحراتي” بوصفه رمزا اجتماعيا وإنسانيا يربط الأرض بالسماء والناس ببعضهم، ولم يحصره في إطاره الطقسي الضيق. فتح أعيننا على الجمال الكامن في تفاصيلنا اليومية التي نمر بها مرور الكرام.. وفي ثنائيته مع عايدة صبرا، وتحديدا في “حلونجي يا إسماعيل”، تجلّت قدرته السحرية على تحويل اللحظة العابرة إلى ملحمة صغيرة مليئة بالشجن والحياة، حيث البساطة هي قمة الفن.

الإنسان الذي غلب الفنان

بعيدا عن أضواء المسارح، كان قعبور “إنسانا استثنائيا” في تواضعه الفطري. يذكر رفاقه في مهرجان الشباب بموسكو عام 1985 كيف ترك أثرا لا يُمحى في نفوس الجميع.. لم تكن تعنيه حسابات المنافسة، ولم تلوثه غيرة الفنانين أو صغائر الأمور. كان يتعامل مع الحياة بهدوء وثقة ومحبة غامرة، وكأن فنه لم يكن مجرد أداء مهني، بل كان امتدادا طبيعيا لشخصيته الودودة.

مع وضعت الحرب اللبنانية أوزارها، انخرط قعبور في ورشة إعمار الأمل. ومن خلال نافذة “تلفزيون المستقبل”، ومواكبته للمرحلة التي ارتبطت بمشروع رفيق الحريري، غنّى لبيروت المدينة، وبيروت الفكرة، وبيروت الحلم. كان صوته جسرا يربطنا بالمستقبل، يدعونا لتجاوز رماد الماضي، ويحثنا على الإيمان بأن الحياة ممكنة، وأن المدينة التي ماتت مراراً قادرة على الانبعاث من جديد.

إنسانية لا تشبه الضجيج

إن ما يمنح تجربة أحمد قعبور خلودها هو ابتعادها عن  الصراخ السياسي أو البروباغندا  الفجة. لقد خلق مساحة إنسانية دافئة، عبّر فيها عن الحب ببساطة العشاق في الأحياء الشعبية، وعن ترابط العائلة، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي لوجودنا. حتى في مواقفه الوطنية، كان صريحا وواضحا كعين الشمس، منحازا لفكرة الدولة والمؤسسات، مؤمنا بأن الإنسان هو البوصلة والغاية، دون أن يحتاج للاختباء خلف تبريرات واهية.

الوداع.. يشبه هدوء الأغنية

اليوم، يرحل أحمد قعبور في مشهدٍ يشبهه تماما، وداع هادئ، رزين، ومهيب. كأنه مرّ بيننا ليوشوشنا بكلمة “إلى اللقاء”، ثم مضى تاركا خلفه أثرا لا تمحوه السنون. رحل الجسد وبقي الحضور طاغيا: في الأغاني التي تتردد في أروقة البيوت، في الذاكرة الجمعية التي لا تخون، وفي الشعور العميق بأن هذا الرجل لم يكن يوماً غريبا أو عابرا.. بل كان واحدا منا، يحمل همنا ويغني وجعنا.

أحمد قعبور ليس مجرد اسمٍ في سجل الفن اللبناني، بل هو فصل كامل من فصول هويتنا.. فنان جعلنا نرى أنفسنا في مرآة فنه، فنتصالح مع ذواتنا ونحب ما نحن عليه. وفي هذا الزمن الذي يطغى فيه الضجيج، يبقى صوته الرخيم تذكيرا نادرا وأبديا: بأن الفن الحقيقي هو الذي يولد من رحم الناس.. ليعود إليهم مُطهرا بالصدق والجمال.

شارك هذا الموضوع

فاطمة حوحو

صحافية وكاتبة لبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!