حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرقتها الأنا
المختار عنقا الادريسي
حين يصبح الصمت موقفا.. والرحيل استعادة للمعنى
لم يكن الصمت الذي بدأ يتسلل الى التجربة فجأة، مجرد غياب للكلام، بل كان امتدادا لذلك التحول العميق الذي أخد في التشكل التدريجي، حين بدأت موازين الجماعة في الاختلال ، وحين أخذت الأنا تتقدم بهدوء الى مركز القرار.
فعندما يفقد النقاش معناه، وحين لا يعود الاختلاف مصدر غنى، ويتحول الى مدعاة للتهميش أو التجاهل، لايبقى أمام الجماعة سوى أحد الخيارين:
إما مواجهة صريحة تعيد ترتيب الأمور وصياغة الأسئلة الاستفهامية.
أو الانسحاب الصامت المُعَبِّر بطريقة أو أخرى ، عن رفض ما لم يعد مقبولا، وقد طغى على السطح العلائقي لتجربتنا الجماعية.
وبعد تفكير ملي – بدا لي أنذاك صائبا – ونزولا عند رغبة بعض من أعضاء المجموعة، قدمت استقالتي الشفهية ونحن في خضم اجتماع ساخن حرصا مني في المحافظة على ماتبقى من وسائج لترابط أخوي / فكري، كان قد جمعنا ذات يوم. وللحقيقة والتاريخ أشير هنا الى أن أحد أعضاء المجلة – (ب . ع) – ألح علي في عدم نشر الاستقالة على صفحات الجرائد – كما كنت أعتزم – لاكتفي بابلاغ المجموعة بها مكتوبة وهو الأمر الذي رضخت له لارضاء صديقي وأخي – (ب . ع) – ، لمكانته عندي. وهو قرار اكتشفت مع مرور الزمن عدم صوابه. ومع الوقت لم يعد ذاك الصمت حيادا، بل تحول الى لغة قائمة بذاتها. لغة تقول ما لم يعد يقال، وتعبر عن ذاك التصدع الذي أصاب روح المشروع. فكان – الصمت – في كثير من الأحيان أصدق من أي كلام، أمام التعنت والأحادية في اتخاد القرار، ومن جهة ثانية لأنه لم يكن يُجَمِّلُ الواقع بل يكشفه في عريه الهادئ. الأمر الذي بدأت معه المسافات تتسع بين طاقم المجلة لا في المكان… الموقع… القرار… المسؤولية فقط، بل حتى في المعنى. وجوه كانت مألوفة غابت، أصوات فاعلة خفتت دون ضجيج . لم تكن هناك قطيعة معلنة، بل كان هناك تخلي تدريجي – غير معلن – يشبه انسحاب المعنى نفسه من داخل التجربة. وفي ظل هذا الجو المشحون، ارتأى” السيد المدير ” إصدار العدد المزدوج 39/40 ( نساء وقضية ) – سنة 2012 – بالمحافظة على أسماء كل الطاقم، والتأكيد على اضافة عنصر الخلاف بيننا والمتمثل في تحمل – (ل .غ) – مسؤولية تصفيف العدد. هو الأمر الذي لم نتفق عليه اطلاقا، وانما جاء تبعا لرغبة يعتقد المدير ورئيس التحرير أنه وحده يعلمها.
ولعل مايميز تلك اللحظة، أنها لم تكن لحظة صراع بقدر ماكانت لحظة إدراك ، ادراك بأن الاستمرار – والحالة تلك – لم يعد ممكنا دون كُلْفة أخلاقية، وأن البقاء قد يتحول في لحظة معينة الى شكل من أشكال التواطؤ الصامت مع ما لم تعد الجماعة تؤمن به،خاصة بعد الاقتناع أن الاشكال لم يكن في الأشخاص بقدر ماكان في طبيعة التدبير، وفي غياب ذاك النَفَس الجماعي الذي يمنح لأي مشروع فكري معناه الحقيقي. الأمر المتجلي في أحادية وفوقية اتخاد القرار، والتخلي عن الالتزام بالقرارات الجماعية. وهو ما سيطفو على السطح ويسهم في تبديد الحلم الجماعي مع اصدار العدد41 – الذي كان موضوعه (التصوف في المغرب. قراءة وتأويلات) سنة 2013 – خاليا من كل الأسماء التي كانت تتحمل المسؤلية بالمجلة. وجلاء التغول في الاحتكار التام للمجلة، بعد اختفاء روح العمل الجماعي والرغبة التشاركية. فكان التشتت – القصري – امتدادا طبيعيا لما سبقت الإشارة إليه، وليس حادثا معزولا كما يتوهم البعض. وهكذا سنجد أن رحيل كل الطاقم – ضدا على رغبتهم، وتعويضه بما سماه (هيئة الاستشارة العلمية) مع صدور العدد 45 – لم يكن هروبا، بل كان في جوهره محاولة لاستعادة الذات الجماعيةولم يكن انسحابا من الفعل، بل رفضا لشكل من أشكال الفعل الفاقد لشروطه الأخلاقية. وبحثا هادئا عن معنى لم يعد ممكنا داخل نفس الدائرة التي ضاقت بأصحابها. ومن هنا بالضبط أصبح الصمت أكثر من مجرد حالة عابرة، أصبح بداية أخرى، وإن جاءت في هيئة غياب. انها لحظة اكتمال ملامح التحول: من حلم جميل يتسع للجميع إلى تجربة تضيق بأصحابها الحقيقيين، ومن حضور مشترك الى غياب متعدد، يحمل في طياته سؤالا سيظل معلقاهل يمكن للحلم أن يستمر، حين يفقد أولئك الذين كانوا يمنحونه بُعْدَه ومعناه؟
الرسالة الخامسة: الصمت كخيار مفضل للمثقف
إن الكلمات حين تبلغ أقصى درجات تعبها، لا تنهار دفعة واحدة، بل تنسحب في هدوء كما لو أنها تفسح المجال لشيء أعمق منها. وفي هذه اللحظة الدقيقة بدأنا في اكتشاف معنى اخر للكلمة… معنى لا يتجلى في حضورها، بل في قدرتها على أن تترك مكانها للصمت حين ندرك أنه أبلغ، وأنه ليس غيابا للكلام، بل هو اكتمال له بعد أن استنفد وتعبت مكوناته. ومن هذا الاكتمال تحديدا، أفتحها نافذة أخرى للتأمل…
نافذة تجعلني – صديقي – شديد الايمان بأن الصمت ليس علامة عجز – كما يُراد له أن يكون – بل هو أحيانا أعلى درجات الوعي بما ينبغي أن يقال وما ينبغي أن يترك. فليس كل مايعرف يقال، وليس كل ما يقال يكون في وقته أو في موضعه. ومن هنا يبدأ الصمت في التحول من غياب للكلام الى موقف فكري وأخلاقي. لقد اعتدنا أن نربط بين المثقف والكلمة الصادقة، حتى خُيّل الينا أن قيمته تقاس بقدر ما يقول. لكن التجارب علمتنا شيئا آخر، نلخصه في الذهاب إلى أن المثقف الحقيقي، هو ذلك الذي:【 يعرف متى يصمت ؟ – لماذا يصمت ؟ – لأجل ماذا يصمت ؟ . فالصمت حين يكون اختيارا، فهو ليس انسحابا من المعنى، بل عودة إليه. انه لحظة مراجعة داخلية، نعيد فيها ترتيب أفكارنا، ونستعيد من خلالها الصفاء بعيدا عن ضجيج المواقف المتسرعة والانفعالات العابرة. دون أن يغيب عنا القول بأن الصمت ليس دائما فضيلة في ذاته. فثمة صمت يولد من الخوف، واخر يولد من المصلحة، وكلاهما يُفقد المثقف شيئا من معناه. أما الصمت الذي أعنيه هنا، فهو ذاك النابع من الوعي العميق بمسؤولية الكلمة ، ومصداقية القرار والالتزام بالمتفق عليه داخل الجماعة ، ومن ادراك أن بعض اللحظات لا تحتاج إلى أي مزيد من الكلام، بل إلى مزيد من الوعي… الفهم… الالتزام. ويبقى أجمل ما في الصمت الذي نرومه، أنه لا يقطع الصلة بالعالم ، بل يعيد وصلها على نحو أكثر نضجا وأوسع صفاء. فهو لايُقصي الاخر ، ولا يتنكر للتجربة، ولا يُغْرق الذات في مزالق وتضخم الأنا… بل يحتفظ بها في منطقة هادئة من الذاكرة، حيث تتحول من حدث عابر الى معنى قابل للتأمل. ولهذا – ياصديقي – أستسمحك القول: إن الصمت قد يكون أحيانا أصدق من أي كلمات، لا لأنه بديل لها أو عنها، بل لأنه يحفظ لها معناها ويحميها من أي ابتذال.
