آدمية اللقاء.. لا عبودية الرَّقم

آدمية اللقاء.. لا عبودية الرَّقم

أحمد لعيوني

       نعيش اليوم تحولاً بنيوياً غير مسبوق في تاريخ الأسرة والمجتمع؛ حيث لم تعد “الشاشة” مجرد أداة تقنية، بل تحولت إلى “حقل اجتماعي” منافس يمتلك سلطة رمزية تفوق أحياناً سلطة الأب والمدرسة. إن ما نواجهه ليس مجرد انشغال بالأجهزة، بل هو عملية إعادة صياغة شاملة لـ “هابيتوس” الأجيال الصاعدة (أي نظام استعداداتهم الذهنية وسلوكهم اليومي)، وهو ما يستدعي وقفة تأملية عميقة لاستعادة “جادة الصواب” قبل أن تذوب الروابط الإنسانية في سديم الافتراض.

كيف سرقت الشاشات “السلطة الرمزية”؟

حسب منظور السوسيولوجي بيير بورديو، تمتلك الأسرة تاريخياً حق احتكار “إعادة الإنتاج الثقافي”. لكن في عصر الرقمنة، تسللت الخوارزميات لتمارس “عنفاً رمزياً” ناعماً؛ فهي لا تجبر الأبناء على التبعية بالقوة، بل بالإغراء، مما جعل “الولاء” ينتقل من القيم الأسرية والكونية الرصينة إلى “نماذج افتراضية” لا تُعير اهتماماً لعمق الروابط الإنسانية.

هذا التحول خلق نوعاً من “النفاق الاجتماعي الرقمي”؛ حيث يتواجد الأفراد في مكان واحد بأجسادهم، لكن عقولهم مستلبة في حقول افتراضية أخرى، مما أدى إلى تآكل “الرأسمال الاجتماعي” للأسرة والمجتمع.

العودة إلى فلسفة “الحوار الآدمي المباشر”

إن القيمة المضافة التي يجب أن نغرسها في نفوس أبنائنا هي أن “المحادثة المباشرة”  هي أسمى أشكال التبادل الرمزي. النظر في العيون، مراقبة نبرة الصوت، وفهم لغة الجسد، هي مهارات “آدمية” لا يمكن للآلة تعويضها.

في البيت، يجب أن يدرك الأبناء أن مجمع الأسرة هو “حرم مقدس” لا تنتهكه الشاشات.

وكما في المجتمع، أن النظر في الهاتف أثناء حديث الجليس هو خدش للوقار، ونوع من التبعية التي تعكس ضعف الشخصية وضياع البوصلة الأخلاقية.

ولكي لا يظل التوجيه الأسري مجرد “نصح عابر” قد يُفهم كعنف مادي، ينبغي تقنينه عبر “ميثاق رقمي أسري”. هذا الميثاق يحول العلاقة مع التقنية من “فوضى” إلى “نظام قانوني مصغر” داخل البيت.

حيث يتطلب تحديد “المناطق المحرمة”، من مائدة الطعام إلى مجالس الضيوف، وغرف النوم بعد ساعة محددة، وجعلها مساحات خالية من الترددات الرقمية، وبالمقابل لا يمكن للأب استعادة سلطته الرمزية وهو يمارس التناقض. “السيادة الآدمية” تبدأ من الكبير؛ ضع هاتفك جانباً لتفتح قلباً وعقلاً صاغياً.

كما يجب دمج مفاهيم الكرامة، الاستقلالية، والحرية الفكرية في برامجنا التربوية المنزلية، ليعرف الابن أن التمسك بالهاتف في حضرة الناس هو “تبعية ذليلة” للآلة.

وللعودة إلى جادة الصواب، والتخلص من “تخدير” الآلة الرقمية، يمكن اقترح على كل أسرة تبني استراتيجيات معينة تكمن في التخلص من الأجهزة بوضعها في مكان واحد بعيد عن غرف النوم قبل الخلود إلى النوم بساعة على الأقل، لاستعادة الهدوء النفسي والسكينة الروحية. وتعويضها بتفعيل المناقشة الجدلية بدلاً من الصمت القاتل، كطرح قضايا اجتماعية أو تاريخية للنقاش الجماعي. وجعل الأبناء يمارسون التفكير المستقل بدلاً من تلقي المحتوى الجاهز.

كما يفترض فينا تعليم الأبناء أن قيمة المرء في حضوره الذهني. الجليس له حق الاستحواذ الكامل على الاهتمام، وأي خرق لهذا المبدأ هو تراجع في مستوى الرقي الحضاري.

إن معالجة الاستلاب الرقمي تتطلب تظافر الجهود؛ فالدولة مطالبة بتقنين المحتوى وحماية الفئات الهشة، والمثقف مطالب بالتنبيه، لكن الأسرة تظل هي القلعة الأخيرة. إن دمج الفئات الاجتماعية في التنمية لا يتم فقط بالمال، بل بتربية جيل يمتلك “رأسمالاً ثقافياً” متيناً، جيل يدرك أن قيم التربية الحقيقية تبدأ من التحرر من قيود الشاشة للعودة إلى رحاب الإنسانية.

إننا اليوم أمام خيارين: إما أن نترك أبناءنا ليكونوا مجرد أرقام في خوارزميات الربح التجاري، أو أن ننتشلهم لنعيدهم إلى جادة الصواب عبر تقديس الروابط الآدمية. إن الأذن الصاغية التي ننشدها لدى المسؤولين والآباء هي تلك التي تؤمن بأن المواطنة الحقة تبدأ من قدرة الفرد على النظر في وجه أخيه الإنسان والإنصات إليه بصدق، بعيداً عن برودة الزجاج وسطوة الآلة.

ليكن شعارنا : “هاتفك خلفك.. وجليسك أمامك”.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!