هذه الرائحة (نص قصصي)
المعطي قبال
لكل رائحة نكهة بل نكه عديدة، ألوان وأشكال. فرائحة السمن الحار الحايل ليست هي رائحة الكرشة أو الشوكولاته. في الشوارع، المتاجر، قاعات السينما، التجمهرات العامة الخ… تصدر بشكل رهيف الروائح المنبعثة من الأفواه، الملابس، سواء منها البلاستيكية أو القماشية. الرائحة لازمة للجسد. لما تستيقظ صباحا، تنبعث منك رائحة الإبط وأسفل البطن. لما تتكلم، تنفث روائح كريهة محملة ببقايا الأمس المثخن بالولائم أو بعشاء دسم. ولما تفضفض الفراش ترتخي منه روائح “لغمولية”، والتنفس الكريه. قد تصل أيضا إلى خشمك رائحة الرجلين وهي من أفسد الروائح الكريهة. الروائح تسكن الكون وتعمره. من دونها يصبح الكون بلا مذاق. أتذكر من بين ما أتذكره بدقة الروائح الكريهة التي كانت تغمر بيتنا لما كنا نقطن تلك القرية الفوسفاطية. كان البيت، ونحن في الستينيات، يفتقر إلى دورة المياه ولم نكن نعرف ما يعنيه المرحاض ولا مناديل المراحيض التي لم تدخل إلى حيز الاستعمال إلا في تاريخ متأخر.
كنا نأخذ مكاننا في الطبيعة الذي تترجمه عبارة “سير لخلا”. كان الحجر يقوم مقام هذه المناديل ويأتي الحمام أو الاغتسال في الجفنة لإدخال بعض النقاء والنظافة على الجسم. وحتى في هذه الأماكن وعند ممارسة الاغتسال، تعبق الأجواء بروائح هي مزيج من الوسخ والصابون. وتختلط بروائح أخرى على منوال نفس النكهة. ثم لا ننسى رائحة الفئران وسراق الزيت وغيرهم من الحشرات المتطفلة التي تندس تحت الأسرة، هذا دون الحديث عن القمل، الهيبوش، البرغوث الخ…
كانت إحدى مهام الأمهات هي تطهير البيت من هذه الروائح وذلك بتمرير الشطابة، الماء والجفاف. وبقيت رائحة “سانيكروا” الذي دخل السوق في تاريخ متأخرعالقة بأخشامنا حيث تمسح مؤقتا رائحة الأنفاس الخبيثة قبل أن تعود هذه الأخيرة للاتنشار. خليط سانيكروا مع رائحة لخنز هو بمثابة لعكر على لخنونة. مع السن والتحسن النسبي لظروف المعيشة بدأت هذه الروائح تندثر على مهل. ولما تزوج الإخوة، كانت أحد مهام نسائهم هي إدخال النقاء في البيت حيث بدأن في نشر الكاشات على السطوح أو غسلهن بانتظام في الأودية، الشيء الذي ساعد نسبيا على التخفيف من وطأة ما هو كريه. وقلت في قرارتي أن الروائح الكريهة على مختلف تصانيفها تعشق الفقر وتتعايش معه. فالفقير وإن اغتسل بماء ولماس يبقى نتنا. وعليه فالجسد تفوح منه باستمرار مخلفات الاتساخ.. مع التحسن النسبي لأوضاعنا إذن بدأت والدتي في رش ثيابها إما بماء الزهر وإما برائحة الريفدور.
ولم أشعر بوقوعي تحت تأثير هوس النظافة إلا فيما بعد. كنت أرمي على جسدي سطلا أو سطلين من الماء البارد، كما أتردد على الحمام بانتظام. وفي القسم أتسلل إلى دورة المياه لغسل يدي وتفريكهما بالصابون. كما كنت دائم التوجس والانتباه لركاب الباص أو المارين في الشوارع. أستغل الفجوات لأندس فيها وأبتعد عن المارة. أثار هذا التصرف انتباه احماد صاحب الحانوت وساعي البريد وبائع الخبز. فسر الأول هذا السلوك بالخجل فيما ذهب الآخر إلى أنها من علامات الجنون. أما الثالث فاعتبر أنه سلوك من سلوكيات الهوس وكان على حق.
لا أدري لماذا كانت تصلني روائح البشر العفنة. مرة لما تعريت وبقيت في ثوب آدم واستنشقت ثيابي، شممت فيها رائحة الموت. كنت إذا أحمل أثقال الموت في جسدي. ولم أتمكن مع مر السنين من التخلص منها. لما استأنست بالموت تخلصت من الهوس، الشيء الذي أهلني فيما بعد أن أصبح غسالا رسميا للموتى. وهي الممارسة الوحيدة التي لا تتطلب شهادات جامعية أو دبلومات معترف بها. ومع ذلك توفر لصاحبها عيشا معقولا وسلطة واهية تبعا للقول المأثور: “آش يدير الميت أمام غسالو؟”. لربما سأدخل الجنة بسبب هذا العمل الإنساني. وقد حفظت عن ظهر قلب واجبات الغسال كما أوردها ابن حبان البغدادي:
“غسل الميت له آداب وأحكام، فمن أراد أن يغسل ميتاً، فإنه يبدأ بستر عورته وجوبا، وهي بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك بالنسبة للمرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة. ثم يجرده من ملابسه، لقول الصحابة حين مات النبي صلى الله عليه وسلم: “هل نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا” رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم، وصححه الألباني في أحكام الجنائز. ويستحب أن يستره عن عيون الناس، ويكره لغير من يعين في غسله حضوره، ثم يضعه على سرير الغسل أو مكان مرتفع، ويرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذ، ثم يلف على يده خرقة فينجيه (أي يغسل مخرجيه)، ولا يحل أن يمس ـ مباشرة بدون حائل ـ عورة من له سبع سنين فأكثر، ويستحب ألا يمس سائر جسده إلا بخرقة، ثم يوضئه ندباً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته: “ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها” رواه البخاري ومسلم.
ولا يُدخل الماء في فيه ولا في أنفه، ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، ويدخلهما في منخريه فينظفهما.
ويكون على إصبعيه خرقة حين ذلك، ثم ينوي غسله ويسمي، ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط، والسدر يدق ويوضع في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة. وذلك حتى لا يصل شيء من تفل السدر إلى شعر رأسه ولحيته، فيصعب إخراجه، أما الرغوة فليس فيها تفل.
ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ثم كله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، حسب ما يقتضيه الحال مع المحافظة على الإيتار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك” رواه البخاري ومسلم.
ويمر في كل مرة يده على بطنه.
ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، لقوله صلى الله عليه وسلم: “اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً، أو شيئاً من الكافور” متفق عليه.
والكافور طيب معروف أبيض يدق ويجعل في آخر غسلة، وفائدته تطييب الميت، وطرد الهوام عنه، لما لرائحته من خاصية في ذلك، ولا حرج في استعمال الصابون إن احتيج إليه.
ومن أهل العلم من قال: يقص شاربه ويقلم أظفاره، ولا يسرح شعره، ثم ينشفه بثوب.
وإن خرج من الميت شيء بعد الغسلات السبع حشي مخرجه بقطن، ثم يغسل المحل ويوضأ، وإن خرج بعد تكفينه لم يُعد الغسل. والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
أما الصفات الواجب توفرها في الشخص المغسل:
فقد قال الفقهاء: ينبغي أن يكون الغاسل ثقة أمينا، عارفاً بأحكام الغسل.
ولا يجوز له إذا رأى من الميت شيئاً مما يكره أن يذكره إلا لمصلحة، وإن رأى حسنا من أمارات الخير مثل وضاءة الوجه ونحو ذلك، فيستحب له إظهاره، ليكثر الترحم عليه، والرغبة في الاقتداء به.
إلا إذا كان الميت مبتدعاً ورأى على وجهه مكروها سواداً أو ظلمة، فإنه ينبغي أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته ومنهجه.
وأولى الناس بغسل الميت وصُّيه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته. وكذلك الأنثى أولى الناس بها وصيتها ثم القربى فالقربى من نسائها.
ولكل من الزوجين غسل صاحبه، ولرجل وامرأة غسل من له سبع سنين، لأنه لا حكم لعورته
وأما كيفية تكفين الميت:
قمت بتغسيل وتكفين أشخاص وافتهم المنية وهم على سرير المستشفى، أشخاص لفظوا أنفاسهم وهم فوق زوجاتهم، أو توفوا بسبب حادثة سير أو ضربة سكين الخ… كنت المرحلة ما قبل الأخيرة في مشوار الميت قبل أن يوارى الثرى. ما عاينته جعلني أوقن أن علاقة الموت بالجسد علاقة انمحاء دائم. لما يموت الجسد فإنه لا مرد لعودته البثة. يفقد مقوماته، يبهت، يذبل، قبل أن ينحل ويتلاشى في القبر ملفوفا في روائح النتانة والعفن. هو ذا الإنسان إذن: تراب في البدء ونتانة في المتم.
