حميد البوهالي يفتح علبة ذكريات “التقشاب”: من قسوة الاعتقال في عهد البصري إلى توثيق جماليات موغادور
عبد الرحيم التوراني
♦
في تاريخ الصحافة المغربية لم يكن الكاريكاتير مجرد خطوط عابرة على ورق الجرائد، بل كان جبهة مواجهة حقيقية، قُدر لروادها المشي فوق حقل من الألغام السياسية. وقد تجسدت هذه المحنة بشكل صارخ في صحافة المعارضة والمنابر المستقلة، التي حاولت اتخاذ السخرية سلاحا لتعرية الواقع، فاصطدمت بخطوط حمراء لم يكن مسموحا حتى بالاقتراب منها.
شكل عام 1989 محطة فارقة في توثيق نظرة السلطة العليا في المغرب لفن الكاريكاتير، ففي لقاء تلفزيوني فرنسي شهير وحاشد بالمواقف، حسم الملك الراحل الحسن الثاني موقفه بوضوح لا يدع مجالا للشك. في ذلك اللقاء، الذي أعقب إقدام الصحيفة الفرنسية الساخرة “لوكانار أونشيني” Le Canard enchaîné على نشر رسم يجسده، عبّر الملك الراحل الحسن الثاني بصرامة عن رفضه المطلق لأي مساس بشخصه أو محاكاته عبر الرسوم الكاريكاتورية، إذ كان يرى في ذات الملك رمزية سيادية ترتبط وجوديا بهيبة المؤسسة الملكية واستقرار الدولة، وهي هيبة مقدسة لا تفرط في وقارها البصري ولا تقبل التجرؤ عليها بأي شكل من الأشكال.
وعلى الرغم من أن النظام السياسي في تلك الحقبة أظهر نوعا من التسامح المشروط والمحسوب تجاه النقد الموجه لوزراء الحكومة والمسؤولين التنفيذيين والفاعلين السياسيين في الصحف الحزبية والمستقلة، إلا أن استثناء المؤسسة الملكية ظل خطا أحمر وسدا منيعا لا يمكن اختراقه.
هذا الهامش الضيق والمفارقة الصارخة في حرية التعبير، جعلا فن الكاريكاتير يتحرك داخل فلك مرسوم سلفا، مما تسبب في انكماشه وحرمانه من التطور الطبيعي كأداة صحفية مستقلة، ليظل مكبلا بأغلال الحذر والتوجس طيلة عهد الملك الحسن الثاني.
بلغت قسوة الرقابة والمطاردة الفكرية حدا دفع بيومية “العلم” (لسان حال حزب الاستقلال) إلى الاحتجاج بأسلوب بليغ، حيث كانت تعمد إلى ترك مساحة الكاريكاتير في صفحتها الأخيرة فارغة تماما.. وكان هذا البياض الصامت بمثابة إحالة تاريخية ذكية تُذكّر بما كانت تقترفه الإقامة العامة أيام الحماية الفرنسية، حين كانت الصحف الوطنية تصدر ببياضات قسرية يحمل سوادها عبارة واحدة تختزل المشهد: “حذفته الرقابة“.
***
من رحم هذه المعاناة الشديدة وفي قلب الآلة الرقابية الصارمة، برز اسم الفنان حميد البوهالي كعلامة فارقة في تاريخ الصحافة الساخرة بالمغرب. إن البوهالي ليس مجرد رسام، بل هو شاهد عيان على مخاض ولادة السخرية السياسية من رماد المنع والاضطهاد.
في هذا الحوار الشامل والتاريخي، يفتح البوهالي خزانة ذاكرته المترعة بالأسرار ليوثق مرحلة استثنائية من تاريخ المغرب الحديث… يعود بنا إلى سياق السبعينيات والثمانينيات الصاخب، مستحضرا ذكريات التأسيس والمغامرة لجريدتي “أخبار السوق” و”التقشاب”، المنبرين اللذين حاولا صناعة وعي شعبي ساخر، قبل أن يصطدما مباشرة بالقبضة الحديدية لوزير الداخلية الأسبق إدريس البصري.
لم تكن ريشة حميد البوهالي مجرد أداة للرسم، بل كانت ريشة متمردة قادته مباشرة إلى زنازين الاعتقال، بتهمة تحدي الخطوط الحمراء التي رسمتها وزارة الداخلية.
بعد غياب طويل واعتزال فرضه الإقصاء تارة والاختيار تارة أخرى، يدلي حميد البوهالي لأول مرة بحوار مطول وجريء خص به منصة “السؤال الآن”، يسرد فيه تفاصيل محنته الصعبة كرسام كاريكاتير ملاحق في مغرب الحسن الثاني وإدريس البصري.
حوار استثنائي لا يقف عند حدود سرد الوقائع، بل يمزج بمرارة ممتعة بين مرارة القمع متمثلة في التضييق والمنع والاعتقال. وبين جماليات الفن، وكيف يمكن للخط البسيط أن يحمل عمقا فكريا جارفا، ومن جهة أخرى بين أمل التحرر الذي ظل يراود ريشة الفنان رغم قسوة السجان.
لنتابع شهادة الذاكرة، في حوار يستنطق الذاكرة المحاصرة لسنوات الرصاص.
♦
ريادة الصحافة الساخرة ومواجهة الخطوط الحمراء..
ولادة “أخبار السوق” في سياق السبعينيات واختيار الدارجة
السؤال الآن: كيف ولدت فكرة “أخبار السوق” مع “التقشاب” في سياق السبعينيات؟ وهل كنت تدرك حينها أن اختيار “الدارجة” والكاريكاتير هو بمثابة إعلان حرب على “البروتوكول” الإعلامي الرسمي؟
حميد البوهالي: وُلدت فكرة “أخبار السوق” في سياق طبيعي عاشه المغرب خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت الحاجة ملحّة إلى خطاب إعلامي قريب من الناس، يعكس يومياتهم ويخاطبهم بلغتهم المباشرة والبسيطة. وكانت البداية من مدينة الصويرة، وبالضبط من ثانوية كنت أتابع بها دراستي، حيث جمعتني صداقة وزمالة بالفنان والصديق الفيلالي، وكنا نتقاسم الشغف بالفن التشكيلي والرسم والصحافة منذ سن مبكرة.
في تلك المرحلة، كنت أرسم لمجلة الثانوية وأتعاون مراسلا مع جريدة “الكواليس” للأستاذ مصطفى العلوي، بينما التحق صديقي الفيلالي بجريدة “لوبينيون”. ومع مرور الوقت ظل التواصل بيننا قائما، إلى أن اتصلت بصديقي الفيلالي وطرحت عليه فكرة “أخبار السوق”، وهي الفكرة التي كانت تختمر في ذهني منذ مدة، وتبحث عمن يشاركها الإيمان بها.
وقبل ذلك، كان الفيلالي قد زارني في منزلي بالدار البيضاء رفقة رسام الكاريكاتير العربي الصبان، وعرضا عليّ فكرة إصدار مجلة للأشرطة المرسومة باللغة الفرنسية. أعجبتني الفكرة، فأنجز كل واحد منا عملا مصورا، وصدرت المجلة لتكون من أوائل التجارب المغربية المهتمة بالكوميكس والأشرطة المصورة.
بعد ذلك اقترح عليّ أحد الأصدقاء الشعراء فكرة إصدار جريدة باللغة العربية الفصحى، تكون أقرب إلى القارئ المغربي. ومن هنا وُلدت “أخبار السوق”، التي كان نصفها بالعربية ونصفها الآخر بالدارجة، وخرجت إلى الوجود من منزلي البسيط في الدار البيضاء.
وبعد هذا الانطلاق المتواضع لم تمضِ سوى فترة وجيزة حتى عرفت الجريدة نجاحا لافتا، وتزايد الإقبال عليها بشكل غير متوقع، مما انعكس إيجابا على مداخيلها. هذا التحول مكننا من الانتقال من العمل داخل فضاء بسيط إلى تأسيس مقر مهني كبير، يضم عدة مكاتب مخصصة للصحافيين، حيث كان لكل واحد فضاؤه الخاص للإبداع والكتابة. وقد أصبح هذا المقر في فترة وجيزة من بين أرقى وأفخم مقرات الصحافة في بلادنا، يعكس حجم الطموح الذي كنا نحمله، والتحول الذي حققته التجربة.
غير أن المسارات لا تسير دائمًا في اتجاه واحد، فمع مرور الوقت اختار صديقي الفيلالي أن يتجه نحو مجالات أخرى، حيث انخرط في مشاريع جديدة، واستثمر في ميدان البناء، كما اقتنى مركبًا وولج مجال الصيد البحري، فابتعد تدريجيًا عن العمل الصحفي، ولم يعد متفرغا له كما في السابق. بعد ذلك التحق العربي الصبان بجريدة “العلم”، وهكذا وجدت نفسي أتحمل مسؤولية الجريدة كاملة، أواجه التحديات وحدي، وأواصل المسار بنفس الروح والإصرار.
وكانت جرائدنا من أوائل الجرائد في المغرب التي تجرأت على اعتماد الدارجة بشكل واضح ومباشر، وجعلتها لغة للنشر والتعبير.. لا مجرد لهجة هامشية.
لقد كنا نؤمن أن الدارجة ليست لغة هامشية، بل هي لغة الحياة اليومية ولسان الناس، ولذلك كانت وسيلة فعالة لإيصال الفكرة بسرعة ووضوح.. في ذلك الزمن كانت العربية الفصحى بالنسبة إلى كثير من القراء لغة رسمية أكثر منها لغة تواصل يومي، بينما كانت الدارجة أكثر قدرة على نقل روح السخرية والنقد والكاريكاتير والنبض الشعبي.
كما كنا نولي أهمية كبيرة للعنوان، فبدل الإطالة والتشعب، كنا نعتمد عنوانا واحدا مركزًا يُكتب في سطر واحد على غلاف الصفحة، يحمل الفكرة الأساسية ويشد انتباه القارئ منذ النظرة الأولى، لأننا كنا نؤمن أن قوة الصحافة تبدأ من لحظة الالتقاء الأولى بين العين والعنوان.
ولم يتوقف هذا التوجه عند الصحافة المكتوبة فقط، بل امتد أيضًا إلى التجربة السمعية البصرية، حيث قمنا أنا وصديقي الفيلالي بإنجاز أعمال كراكيز (دمى) للتلفزة، قُدمت كذلك بالدارجة في محاولة لإيصال نفس الروح الساخرة والنقدية إلى جمهور أوسع وبأسلوب بسيط وقريب من الناس.
أما بخصوص ما إذا كنت أدرك أن هذا التوجه يشكل “إعلان حرب” على البروتوكول الإعلامي الرسمي، فأقول إننا لم نكن نبحث عن الحرب بقدر ما كنا نبحث عن الحرية. كنا نريد صحافة تنزل من الأبراج العالية إلى الشارع، صحافة تسمع صوت البسطاء وتعبر عنهم، وتكسر الجمود الذي كان يطبع الإعلام التقليدي آنذاك.
صحيح أننا تعرضنا لانتقادات من بعض المثقفين ومن قراء الصحف الحزبية، الذين اعتبروا استعمال الدارجة خروجا عن المألوف، لكن الواقع أثبت أن الجمهور كان متعطشًا لمنبر يشبهه ويتحدث بلغته. حتى الإذاعة والتلفزيون في تلك الفترة كانا يقدمان المسرحيات والسكيتشات بالدارجة، لأنهما يدركان قوتها في الوصول إلى الناس.
ومن هذا المنطلق، ومع تراكم التجربة وتحمل المسؤولية بشكل كامل، جاءت لاحقا خطوة جديدة في مساري، حيث أنجزت جريدة أخرى هي “التقشاب”، التي حرصت أن تكون صفحاتها كلها بالدارجة من الصفحة الأولى إلى الأخيرة، لأنني كنت مقتنعا بأن الصحافة الشعبية ليست مجرد لغة، بل روح وأسلوب وقرب من الناس.
باختصار، “أخبار السوق” و”التقشاب” لم تكونا تمردا من أجل التمرد، بل كانتا محاولة صادقة لتأسيس إعلام شعبي حر، جريء، بسيط، ومتصالح مع نبض الشارع المغربي.
مواجهة إدريس البصري والرسمة التي فجّرت العاصفة

قصاصات صحفية تعبر عن الاحتجاج ضد اعتقال حميد البوهالي
السؤال الآن: عاصرتَ ذروة سطوة وزير الداخلية إدريس البصري.. كيف كانت تصلك قرارات الحجز والمنع؟ وهل تذكر واقعة رسم معينة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت لاعتقالك؟
حميد البوهالي: في تلك المرحلة، كانت جريدة “التقشاب” تحمل منذ صفحتها الأولى شعارًا واضحا: “جريدة شعبية سياسية واعرة”، وكلمة واعرة آنذاك كانت تعني الجريئة، الصعبة، والتي لا تهادن أحدا. كنت أدير هذه الجريدة من منزلي بمدينة الدار البيضاء، وحرصت أن تكون مواضيعها ورسوماتها بالدارجة من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، لأنها لغة الناس البسطاء، ولأنني كنت أؤمن أن السياسة يجب أن تنزل من المكاتب المغلقة إلى الشارع.
وكانت الصفحة الأولى مخصصة دائما لكاريكاتير لاذع يتناول الوزراء ورجال الدولة والسياسيين بلا خوف ولا مجاملة. لقد كبرت وأنا أقرأ مجلة “لوكانار أنشيني” الفرنسية، وكانت الصحافة الفرنسية مدرستي الأولى، ومنها تعلمت أن حرية التعبير لا معنى لها إذا لم تجرؤ على الاقتراب من السلطة.
وعندما كنت أسلم مواد الجريدة إلى المطبعة، أو أزور شركة التوزيع، كان العمال يمطرونني بأسئلة محرجة ويقولون لي: أنتم تنشرون رسوما كاريكاتورية عن جميع الوزراء، إلا البصري… فهل تخافون منه؟ وكان جوابي دائما: إن البصري كان يخاف منه المغرب كله. كان خطًا أحمر لا يجرؤ أحد على لمسه.
كنت أتوفر على رسم كاريكاتيري للبصري أنجزه حمودة (محمد عليوات)، وكنت أحتفظ به ولا أريد نشره، إدراكا مني لخطورة الأمر. لكن حمودة كان يلح عليّ دائما ويطلب مني نشره، كما أن الجميع كان ينتظر ذلك الرسم اللعين. وفي لحظة تحدٍّ، أو ربما لحظة صدق مع نفسي، رضخت للأمر الواقع، وسلمت مواد العدد إلى المطبعة، وكان من بينها ذلك الرسم الكاريكاتيري الذي أصبح فيما بعد القشة التي قصمت ظهر البعير.
طُبِع العدد في الصباح، ووُزِّع في المساء، وفي مساء اليوم نفسه بدأت العاصفة. دق باب منزلي الكوميسار الحاج مصطفى ثابت، وكان معه رجل شرطة يدعى المشماشي، وهو من مدينة الصويرة. وما أن فتحت الباب حتى دخلوا دون استئذان، كأن البيت لم يعد بيتا، وكأن حرمة الأبواب لا معنى لها في تلك الأيام. قال ثابت لزوجتي ببرود: أنا الكوميسير، جئت لآخذ معي حميد بوهالي، فقط لأطرح عليه بعض الأسئلة البسيطة، وسيعود بعد قليل… لكن ذلك “القليل” تحول إلى عشرين يوما من الجحيم.
في كوميسارية سيدي عثمان بدأ الكوميسير ثابت يمطرني بأسئلة عادية استمرت قرابة ساعة، ثم قال لي في النهاية: أنت معلم، وأنا كنت معلما، وأحترم رجال التعليم. لقد أُمرت أن أعاملك بقسوة، وأن أسجنك مع المجرمين، لكنني لن أفعل. سأعطيك هذه القطعة من الكرتون لتنام فوقها، وبدل أن أتركك مع المجرمين، سأتركك مع رجال الشرطة في مكتبهم… وكانت تلك القطعة من الكرتون فراشي الأول في ليلة لا تُنسى، ليلة شعر فيها الإنسان كم يمكن للكرامة أن تُهان بصمت.
في اليوم الأول تركني في المكتب، ثم بعد ذلك أدخلني إلى الديمومة، حيث قضيت عشرين يوما كاملة، كل يوم منها كان يساوي عمرا من القهر والانتظار.
وبعد مرور أسبوع، جاءني الكوميسير ثابت وقال: – لم يسأل عنك أحد. هل تريد أن أبعث رجل شرطة ليطمئن زوجتك عليك؟ فقلت له نعم. كانت زوجتي تبحث عني في كل كوميساريات الدار البيضاء، ولم يخبرها أحد بمكاني. كانت تركض من باب إلى باب، ومن مركز إلى مركز، ولا تجد إلا الصمت والإنكار. وحين اتصل بها ذلك الشرطي، اطمأنت أخيرا، ثم زارتني في كوميسارية سيدي عثمان.
أما ما ذقته هناك من عذاب، فلا أحب أن أستعيده ولا أن أصفه. ويعرف كثيرون ماذا كان يقع للمواطنين في تلك الأيام، في زمن الوزير إدريس البصري، حيث كان الإنسان يُعامل أحيانا كما لو أنه بلا قيمة، بلا صوت، بلا حق. إنني أشمئز من ذكر تلك الأفعال، ولا أريد أن أفتح أبوابا أغلقتها الذاكرة بصعوبة.
وبعد عشرين يوما، زارني الكوميسير ثابت وقال: – أُمرت أن أطلق سراحك، وانتظر استدعاءك للمحاكمة. وستكون في الإقامة الجبرية. ثم سلمني دفترا وقال: – ستوقع حضورك ثلاث مرات في الأسبوع.
وهكذا بدأت أوقع حضوري في ذلك الدفتر مدة سنة كاملة، وكأن السجن خرج معي إلى الشارع ولم يغادرني. إلى أن اشتكيت الأمر إلى الكوميسار بوفوس، وهو من مدينة الصويرة ويعرفني جيدا، فاتصل هذا الأخير بالحاج ثابت، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن التوقيع.
والمفارقة التي لا ينساها كثير من المغاربة، أن ثابت نفسه، الذي كان يوما رمزا للجبروت والخوف داخل المخافر، ارتكب بعد فترة وجيزة فعلا خطيرا هزّ الرأي العام، وتحولت قضيته إلى واحدة من أشهر قضايا الفساد والجرائم التي عرفها المغرب. ذلك الرجل الذي أرهب الناس زمنا، انتهى به الأمر إلى المحاكمة، وصدر في حقه حكم بالإعدام، ليدخل التاريخ من بابه المظلم، بعد أن ظن أن السلطة تدوم وأن البطش لا حساب عليه.
تلك المرحلة لم تكن مجرد اعتقال بسبب رسم، بل كانت رسالة تخويف لكل من يظن أن الريشة أضعف من السلطة. لكنها علمتني شيئًا واحدًا: قد يسجنون الجسد، وقد يرهقون الروح، لكنهم لا يستطيعون اعتقال الفكرة.
سيكولوجية الرقيب في زمن “المزاليط” وسلطة الضحكة الشعبية
السؤال الآن: من خلال تحقيقاتهم معك، كيف كان يفكر الرقيب في ذلك الوقت؟
حميد البوهالي: من خلال التحقيقات التي خضعت لها، بدا لي أن الرقيب في ذلك الوقت لم يكن دائما يفكر بمنطق سياسي عميق أو برؤية فكرية واضحة، بل كان يفكر أولا في أشياء أقرب إلى حياته اليومية: في قوت يومه، وفي أطفاله، وفي عائلته، وفي كيفية ضمان الاستمرار داخل وظيفة تمنحه مورد رزق في زمن كانت فيه “الزلط والميزيرية” تهيمن على فئات واسعة من الشعب.
الكثير ممن اختاروا هذه المهنة لم يدخلوها بدافع القناعة أو حب السلطة، بل اختاروها كوسيلة للتغلب على الفقر وضيق الحال. كانت الوظيفة بالنسبة إليهم بابا للعيش، أكثر مما كانت مشروعًا للهيمنة أو الرقابة.
لكن في المقابل، كانت هناك فئة قليلة اختارت هذا الطريق لسبب آخر، وهو استعراض العضلات وإظهار القوة وتخويف “المزاليط”. ومن بين هذه النماذج كان الحاج مصطفى ثابت، الذي كان يمثل في نظر الناس صورة رجل السلطة المتشدد. كان يسير رافع الرأس إلى السماء، وكأن الهيبة تسبقه أينما مرّ. وإذا تجول في الشارع كان كثيرون يهابونه ويخشونه، حتى بدا حضوره في بعض الأماكن كأنه أمر يفرض الصمت والانكماش.
وفي الجهة الأخرى، لا بد من الإنصاف، فقد كان هناك أيضا صنف آخر من رجال السلطة، رجال متواضعون يتحدثون معك باحترام، ويعاملون الناس بقدر من اللباقة والإنسانية. لم يكونوا جميعا على شاكلة واحدة، ولا يمكن اختزال تلك المرحلة في صورة واحدة فقط.
أما عن سؤالكم: هل كانوا يخشون الفكرة السياسية أم يخشون ضحكة المواطن في الأسواق؟ فأعتقد أنهم كانوا يخشون الأمرين معا، لكنهم كانوا يدركون جيدًا أن الضحكة أخطر أحيانا من الخطاب المباشر. الفكرة السياسية يمكن محاصرتها أو تأويلها، أما ضحكة المواطن البسيط حين تنفجر في السوق أو المقهى بسبب رسم ساخر أو كلمة لاذعة، فهي تنتشر بسرعة وتكسر حاجز الخوف، وتسقط الهيبة المصطنعة.
ولهذا كانت الصحافة الساخرة تزعجهم، لأن الكاريكاتير قد يقول في لحظة واحدة ما لا تقوله مقالات طويلة، ولأن السخرية تصل إلى الناس بسهولة وتتحول إلى حديث يومي بين الجميع.
ذلك كان حال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي مرحلة كانت لها ظروفها الخاصة وأمزجتها الثقيلة. أما اليوم، فقد تغير الحال كثيرا، واختفت أمور عديدة من ذلك الزمن، والمغرب تبدل، وأصبح الناس سواسية أكثر مما كان عليه الأمر في السابق. وقد لاحظت ذلك بنفسي عندما كنت أزور مقرات الشرطة لأغراض إدارية أو مهنية.
ثم إن الفكرة السياسية نفسها لم يعد يخشاها أحد كما كان في الماضي، لأننا نعيش اليوم عصر الإنترنت، وعصر التواصل المفتوح، حيث أصبح بإمكان الجميع أن ينتقد ويعبر ويقول رأيه. إنه زمن آخر مختلف تمامًا… لقد مضى زمن الحاج مصطفى ثابت، ومضى زمن البصري إلى غير رجعة.
يتبع
