لبنان يدفع الثمن مرتين
حسين قاسم
بعد جولة إسناد غزة، وحرب الستة والستين يوماً، وحرب الثأر، بدأت الجولة الرابعة، وتشير التقديرات إلى أنها ستكون الأعنف والأكثر فتكاً وإجراماً من سابقاتها. وبالتالي صار الصراع الراهن أزمةً لا حروباً، مما يعني أنها أزمة معقدة وطويلة، ولم يعد ثمة داعٍ لتعداد الجولات.
تشير المعطيات إلى أن ثمة تطورات حصلت في أعقاب الحديث عن اتفاق بين أميركا وإيران، والمعطيات هي:
- لا يُستبعد أن يكون الرئيس الأميركي يعتمد الخداع كالعادة، ليفاجئ أعداءه بضربات محكمة كما حصل في المرات السابقة، وهذا يُفسّر البلبلة التي حصلت في الأسبوع المنصرم، من قطعه عطلته الأسبوعية إلى إعلانه رغبته في الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب.
- لوحظ أن الموقف الإيراني لم يتغير منذ وقف إطلاق النار الأخير، إذ اتّسم بالتشدد من موقع المنتصر الذي لن يتنازل أمام ترامب. وهذا لم يمنعهم من اعتماد أسلوبهم التفاوضي القائم على المراوغة لكسب الوقت. في المقابل، اكتُشف في خطتهم أنه إذا كان التركيز الأميركي منصبّاً على مسألة نزع السلاح النووي، فإن إيران ترى أن أذرعها تُعادل قنبلة نووية، وعبرها قادرة على تحقيق طموحها في دور ونفوذ إقليميين. وهذا ما أقلق الطرف الإسرائيلي الذي بات، أولاً، يشك في طريقة ترامب بإدارة الحرب، وثانياً، يخشى أن يستخف الأميركي بمسألة الأذرع ويتركها لتعالجها الدول المعنية من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق. لذلك حصل ضغط إسرائيلي عالي المستوى أفضى إلى إذعان الرئيس الأميركي، وبالتالي سماحه لنتنياهو بأن يفعل ما يشاء من أجل أمن إسرائيل.
- في هذا الإطار، برز تطور لافت يتصل بالاهتمام الأميركي بلبنان؛ إذ للمرة الأولى ترد وزارة الخارجية الأميركية على خطاب رئيس حزب في لبنان بعد ساعتين من إلقائه، وأعني خطاب الشيخ نعيم. وبصرف النظر عن مضمون الرد، فإن دلالاته أعمق مما يبدو، مما يعني أن الإدارة الأميركية باتت تُعدّ العدة لردّ إيراني على التصعيد الإسرائيلي في لبنان، لتبرير تحميلها الطرفَ الإيراني مسؤولية فشل المفاوضات.
- بدورها، ستستغل إسرائيل فترة السماح الأميركية للقيام بضربة لحزب الله أشد قسوة من الضربات السابقة، ومن غير المستبعد بالتالي أن يشمل العدوان مناطق جديدة في العاصمة وسائر المحافظات.
- ثمة معطى مهم يتمثل في التركيز المفاجئ للعدوان حالياً على قرى البقاع الغربي، مما يؤشر على انتقال المخطط الإسرائيلي إلى الخط الأحمر، الذي يعني وصول الاجتياح إلى قضاء جزين، وامتداده إلى البقاع سواء باجتياح بري أم بالسيطرة النارية، بهدف إحكام كماشة على مدن الجنوب الكبرى: صور والنبطية وصيدا.
والخلاصة.. المشهد يكشف أن إسرائيل لا تريد لأي تسوية أميركية-إيرانية أن تُفضي إلى “سلام ناعم” يُبقي على البنية المسلحة لحزب الله وعلى البرنامج النووي الإيراني. وطالما أن المفاوضات مستمرة وغير محسومة، فإن التصعيد في لبنان يخدم وظيفة مزدوجة: الضغط على إيران في الميدان، والضغط على واشنطن في الدبلوماسية. لبنان يدفع الثمن مرتين.
