وجْدان مولاة السّر
نجيب طلال
إبـحار
يُعتبر [الزجل] أحد أنواع فنون القول؛ ديناميكيته وحضوره قوياً وفاعلاً في المشهد الثقافي والإبداعي، وذلك من خلال فعالياته التي تتكاثر ممارسةً وعشقاً لأسراره الفطرية والموغلة في التربة الشعبية؛ بصفته فنّاً شفهياً يعتمد على السليقة والفطرة. لكن قوته الحقيقية تكمن في أنه لم يغترب عن هذا الأصل، ورغم ذلك فالقصيد الزجلي تطور بتطور المراحل وتعدد الأصوات، مما يُلاحظ أن القصيدة لم تعد مجرد “فولكلور” أو نظم شعبي بسيط يدور في حلقة مفرغة من المواضيع التقليدية؛ بل قطعت أشواطاً هامة خلال مسيرتها الحديثة، من حيث الإبحار وتنوع المواضيع، المتجاوزة لنمطية الموضوعات والإيغال في سراديب الإيديولوجيا -الدوغما- وإن كانت أي كتابة تحمل إيديولوجيتها، باعتبار أن الكتابة ليست محايدة تماماً؛ فكل نص يعكس خلفية كاتبه.
وفي هذا السياق، نكتشف أن الزجال “حميد تهنية” طور آلياته الزجلية ورؤيته للعالم من خلال ديوانه [“مولاة السر”] (1)، الذي يختلف نسبياً عن ديوانه الأول [نوار الظلمة] (2) من حيث تجريب الإيقاع الداخلي للقصيدة لكي تتأرجح بين السكون والحركة، مركزاً على النبش في التاريخ كمدخل لتفعيل السكون والحركة، ومسهماً كبقية الزجالين الحداثيين حيث: «حرص الزجال حميد تهنية على الحفاظ على قالب أو شكل السّرابة وهو يجدد المضمون لكي يضعنا أمام حداثة من نوع خاص، حداثة تترجمها نصوص متلائمة ورروح العصر» (3) لإخراج هذا الفن من خانة “الهامش الثقافي” ليكون في قلب “المتن الإبداعي”، موظفاً “التاريخ”، وذلك لارتباطه بالوجدان الإنساني بالنسبة للزجال “تهنية”؛ إذ حاول توظيف تراكم وظيفته كأستاذ لمادة “الاجتماعيات”، متخذاً من التاريخ مادته الخصبة للإشتغال -كمحاولة/مغامرة- لإنتاج المعنى والدلالة بعيداً عن السردية، لكي يمنح للقصيدة تنغيماً غنائياً متدفقاً يناسب دقات القلب المعزوفة في النص الذي يتقاطع بالهوية الوجدانية التي تتفجر بين ثنايا القصائد المدرجة.
رمزية مولاة السر:
هي بالأساس رمز معاكس للمرأة/الأنثى. رغم أنه يبدو لنا حضورها في قصيدة (لام ميم راء نعمة)، فالإشكال يكمن في الحروف المقطعة التي افتُتحت بها بعض سور القرآن الكريم [الرعد وإبراهيم]. وللعلم، لقد اختلف فيها المفسرون، وأشهر الأقوال أنّ علم حقيقتها عند الله تعالى، وأنها من أسرار القرآن، مع وجود اجتهادات ترى أنها تشير إلى الإعجاز القرآني. والملاحظ بأن السورتين معا تحملان لفظة “الكتاب”: {الٓر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} (4)، و{الٓمر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} (5).
فمن هذا الباب أراد الزجال “حميد تهنية” أن يؤطر القصيدة بأنها سر من الأسرار، ولكن بعيداً عن التشبيه أو المقارنة بالقرآن الكريم، بقدر ما حاول الاقتباس العرضي للحروف التي عجز العلماء عن تفسيرها، والذي يذكي ذلك:
“نراها نعمةً / في حروفِ كلمة / الداوي بالغرام علّتي / منها جئتُ حمّالاً كَرْبَه” (6).
وبالتالي فالقصيدة الزجلية حاول أن يعطيها قدسية خاصة، وهذا يتجلى في قصيدة “مولاة السر”:
“لا تكوني كرفة مكرفة / معدومة ظلامة / ياك أنت النهر / وأنا مجراه” (7).
وإن كانت هذه الأسطر تنضح بجمالية الشعر الزجلي، يبرز فيها بقوة توظيف “المفارقة” وتبادل الأدوار بين (الشاعر – الزجال / القصيدة)، معتمداً على صور مستمدة من الطبيعة، والوجدان الإنساني، ومن التاريخ. إلا أن هنالك مبالغة مفرطة في تقديس القصيدة وتمجيدها عبر صور تستمد مادتها من الطبيعة، ومن الوجدان الإنساني، ومن الذاكرة التاريخية. غير أن هذا التمجيد يبلغ حدَّ المبالغة حين يرفع القصيدة إلى مرتبة المطلق، فيجعلها نهراً دائم الجريان، قائلاً: (ياكِ أنتِ النهرُ… وأنا مجراه).
وهنا تنبثق مفارقة دلالية عميقة؛ إذ نجد أنفسنا إزاء جدلية النهر والمجرى، أو كما أشرنا سلفاً “السكون والحركة”. فالنهر رمز الحياة والتدفق والتجدد، غير أنه لا يستطيع أن يجري أو يحقق وجوده إلا داخل مجرى يحتضنه، ويمنحه الاتجاه، ويرسم له المسار. وإذا كان الشاعر قد جعل نفسه “مجرى”، فقد وضع ذاته في موقع التابع للقصيدة، مع أن العلاقة الإبداعية في جوهرها تقتضي العكس.
تأسساً على ذلك؛ فالقصيدة لا تستقل عن مبدعها استقلالاً مطلقاً، بل تتشكل من رحم تجربته وتنبثق من وعيه ورؤيته. وبالتالي، الإبداع الأصيل لا يُفتعل ولا يُصنع بقرار مسبق، وإنما يولد ولادةً طبيعية، كما يولد الفجر من رحم الليل، وكما تنبثق القطرة من صمت الغيم. فالقصيدة ليست كياناً تسبق الشاعر أو تستعبده، بل هي ثمرة اتحاده العميق بالعالم واللحظة التي تتحول فيها التجربة الإنسانية إلى لغة ووجدان.
ورغم ذلك، وضعها في رمزية خاصة تتخذ من الصفات ما فوق الصفة المبالغ في دلالتها، مثل: (جلنار / زهر الرمان – ص 33)، و(لمعرصة ف حلام – ص 49)، و(سلطانة لريام – ص 59)، و(قرة العيان – ص 63)، و(شهوة الحرف – ص 71). وتزداد المفارقة في قلب الصورة الدلالية بين السكون والحركة حينما يضع الشاعر في قصيدة (صرخة) أنه:
“هداوي / فكري رزين ومعقول / كلامي عطور وجاوي / فيه حتارت لعقول / ميزان مكاد” (8).
سؤال الوجدان:
فما علاقة كل هذا بالتاريخ؟ من خلال هيام الفنان “تهنية” بالقصيدة على حد الشبق أو الهوس العاطفي، حاول أن يخوض غمار التجريب؛ ليحول السرديات لقصيدة لها إيقاعان: الداخلي والخارجي، وخاصة التركيز على الإيقاع الداخلي الحزين والمشحون بالعاطفة، لتعكس كيف يمكن للتاريخ الشخصي للمشاعر أن يتشكل عبر صور الطبيعة البسيطة في ظاهرها، والعميقة في أبعادها الفلسفية والوجدانية.
وهذا يرتبط أساساً بـ: «التراكم المعرفي؛ دفع الزجال للمغامرة في عالم التجريب، وهو ما جعل أعماله من حيث الشكل والمضمون متفردة، ومختلفة عن غيره من زجالي جيله» (9)، مما سعى أن يضع لنا شخصيتين تاريخيتين: (ديهيا = الملكة والقائدة الأمازيغية) و(سوليكا = الفتاة اليهودية)، كإحالة ضمنية بأن “مولاة السر” / القصيدة لا تصنيف لها ولا عرق، بل هي ذاك الوجدان الإنساني الطافح كمجرى النهر. في نفس الوقت، تطويع التاريخ لقصيدة حتى لا يكون مجرد مادة جافة أو سردية توثيقية باردة، بل تتحول إلى أداة ديناميكية لتوليد الحركة والسكون داخل بنية القصيدة الزجلية الحديثة.
وهذا يتجلى كذلك في قصيدة “فران الدنيا”:
“جار تجبر وطغى / يخفي دلو / ف سم ناب اللفعة” (ص 41)،
والتي تذكرنا بقصيدة: (جاري يا جاري / يالي دارك حدا داري) (10) ذات أبعاد تاريخية/سياسية. مقابل هذا، يستحضر المكشوف كصدمة معرفية تكشف عن آليات التاريخ في حركيته في قصيدة “شياحنة”:
“زمم يا تاريخ / فرسان الصحرا متولة / تفك يا تاريخ” (11).
فهذا التوظيف الذكي للتاريخ فرض استحضار مدينة فاس:
“ف محراب معاليك / حلقت نسور” (ص 70)،
وكذا استحضار الصحراء ببوح شعري يحمل مسحة وجدانية رقيقة جداً تختزل المسافة بين الرؤية والشفاء بالحلم:
“يأهل الصحرا لحرار / راني ليكم جيت شاكي سري / غرضي ف لي هويت / رفاد العار / ف مولاي علي شريف يتفاجا ضري” (12).
لهذا فال hisمقاربة النقدية لديوان “مولاة السر” جد متشعبة، وخاصة من حيث التوظيف اللغوي الذي ركز على تاريخية والذاكرة الشعبية للعديد من المفردات، والتي تلامس ما يسميه “أحمد سهوم” بالعلم الموهوب (الملحون). وهذا انتبه إليه شيخ الزجالين: «حميد تهنية يطعم قصائده بمفردات، نبش عليها في الملحون… حفر عليها في الذاكرة الشعبية وفي تضاريس الجهة التي ينتمي إليها، المعروفة بثرائها المعجمي وبانتسابها لفن الملحون» (13).
مقابل [ذلك]، يبقى ديوان “مولاة السر” تختلف معادلتها ابتداءً من “أمّي حنا” إلى “ديهيا” إلى “سوليكا”، واللائحة طويلة. وفي هذا الاشتغال، يبرهن الشاعر حميد تهنية عن معرفة عميقة بتراثه وثقافته، مختاراً الحوار تارة، والمساءلة تارة أخرى (14).
الإستئناس:
1. نوار الظلمة: في 88 صفحة من القطع المتوسط لحميد تهنية، لوحة التشكيلي: محمد فيلالي فكير، عن مطبعة – آنفو برانت – 2009.
2. مولاة السر: عن مطبعة – آنفو برانت / 2015.
3. مقدمة ديوان مولاة السر: لشيخ الزجالين إدريس أمغار مسناوي – ص 7.
4. سورة إبراهيم: الآية 1.
5. سورة الرعد: الآية 1.
6. مولاة السر: قصيدة (لام ميم راء نعمة) – ص 68.
7. مولاة السر: – ص 19.
8. مولاة السر: قصيدة (صرخة) – ص 37.
9. المقدمة: – ص 9.
10. كلمات: أحمد الطيب العلج، وألحان: عبد القادر الراشدي – أداء الفنانة: نعيمة سميح.
11. مولاة السر: قصيدة (شياحنة) – ص 98.
12. مولاة السر: (قرة لعيان) – ص 63، مولاة السر – ص […].
13. مقدمة ديوان مولاة السر: لشيخ الزجالين إدريس أمغار مسناوي – ص 6.
14. المقدمة الثانية: لجمال بوطيب – ص 15.
