أبطالٌ أم قتلة؟ ثنائية ملاديتش وميلوشيفيتش
د. زياد منصور
الحلقة الأولى: ملاديتش وميلوشيفيتش: البطل القومي في الذاكرة الصربيةد. زياد منصور
الهجرة في التاريخ الروسي
لم يكن موت راتكو ملاديتش هو الذي أثار عندي سؤال هذه المقالة، بقدر ما أثارته الحياة التي بدأت لاسمه بعد موته.
ففي اللحظة التي استعاد فيها خصومه صورة الرجل الذي ارتبط اسمه بأشد صفحات حرب البوسنة دموية، استعاد قسم من الصرب صورة أخرى تماماً: صورة الجنرال، والقائد، والحامي، والرجل الذي قاتل حين اعتقدوا أن شعبهم يخوض حرباً من أجل البقاء.
وهنا عاد إلى الذاكرة اسم آخر لا يمكن فصله عن تلك المرحلة: سلوبودان ميلوشيفيتش.
الرجلان مختلفان.
أحدهما سياسي حكم صربيا ويوغوسلافيا، والآخر جنرال قاد جيش صرب البوسنة. أحدهما أدار الدولة والدبلوماسية والحزب والمؤسسات، والآخر عاش القسم الأكبر من صورته العامة في الثكنة والجبهة وغرفة العمليات. أحدهما كان رجل السياسة، والآخر رجل الحرب.
لكن التاريخ جمعهما في نهاية غريبة.
كلاهما انتهى في لاهاي.
وكلاهما أراد خصومه أن تكون لاهاي خاتمة صورته.
وكلاهما أثبت، بعد سنوات طويلة، أن المحكمة تستطيع أن تحاكم الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تأمر شعباً بالطريقة التي يجب أن يتذكره بها.
ومن هنا يبدأ السؤال.
ليس: هل كان راتكو ملاديتش بطلاً أم مجرماً؟
وليس: هل كان سلوبودان ميلوشيفيتش زعيماً وطنياً أم مسؤولاً عن كارثة؟
لقد قيل في السؤالين ما يكفي لملء مكتبات.
السؤال الذي يعنينا هنا مختلف:
من يملك الرجل بعد موته؟
المحكمة التي حكمت عليه؟
خصومه الذين حاربهم؟
ضحاياه؟ جنوده؟ شعبه؟
أم المؤرخ الذي يأتي بعد الجميع ويحاول أن يفهم لماذا استطاع الإنسان نفسه أن يسكن ذاكرتين متناقضتين؟
هذا السؤال لا يخص ملاديتش وحده.
لكنه يبدأ منه.
الرجل الذي مات ولم تمت صورته
مات ملاديتش في السجن، بعيداً عن الجبال والمدن والقرى التي صنعت اسمه.
وهذه النهاية، في ظاهرها، تبدو هزيمة كاملة.
الجنرال الذي امتلك جيشاً لم يعد يملك غرفة يختارها لنفسه. الرجل الذي أصدر الأوامر انتهى تحت سلطة سجانيه. والقائد الذي رسمت تحركات قواته خرائط الحرب انتهت حياته في مكان اختاره له خصومه الدوليون.
لكن الهزيمة المادية شيء، والهزيمة في الذاكرة شيء آخر.
فالرجل الذي يفقد حريته يستطيع أن يحتفظ بصورته. والقائد الذي يخسر الحرب السياسية يستطيع أن ينتصر في أسطورة جماعته. والميت، على عكس الحي، لم يعد يستطيع ارتكاب خطأ جديد.
هنا تبدأ عملية غريبة يعرفها تاريخ الأمم جيداً. يموت الإنسان، ثم تبدأ الجماعة في تحرير سيرته. تختار منها ما تريد أن تتذكر، تضخم مشهداً، تختصر سنوات في صورة، تحذف تناقضاً، تضع مأساة في المقدمة وتترك أخرى في الخلف.
ثم يأتي الجيل الذي لم يعرف الرجل أصلاً، فيرث الصورة بدلاً من الإنسان.
وهكذا ينتقل القائد من التاريخ إلى الذاكرة. وهذا بالضبط ما حدث لراتكو ملاديتش.
لكي نفهم الصربي ينبغي أن نبدأ قبل ملاديتش
من السهل أن نبدأ سنة 1992. لكن ذلك لن يفسر شيئاً.
الصربي الذي دخل حرب البوسنة لم يولد سياسياً صباح اندلاعها. كان يحمل معه تاريخاً طويلاً: مملكة صربيا، والحرب العالمية الأولى، وكوسوفو بوصفها تاريخاً وأسطورة وذاكرة دينية وقومية، ويوغوسلافيا الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية.
ويحمل فوق كل ذلك واحدة من أشد ذكريات القرن العشرين الصربي ألماً: دولة كرواتيا المستقلة والأوستاشا وياسينوفاتس وقتل الصرب واليهود والغجر وغيرهم.
ثم جاء تيتو وبنى يوغوسلافيا أخرى. ودخل الصرب والكروات والسلوفينيون والمسلمون والمقدونيون والجبل الأسود وغيرهم في دولة اتحادية واحدة، وفي جيش واحد، وفي نظام سياسي حاول أن يجعل «الأخوة والوحدة» جواباً عن دماء الماضي.
لكن الماضي لم يمت. لقد صمت. وهناك فرق كبير بين أن تموت الذاكرة وأن تُجبر على الصمت.
عندما بدأ النظام اليوغوسلافي يتصدع، خرجت الذكريات القديمة من مخابئها. بدأ كل شعب يفتح كتاب مظالمه. الكرواتي يتذكر ما يعتبره الهيمنة الصربية. الصربي يستعيد ياسينوفاتس والأوستاشا. الألباني يستعيد القمع. والصربي في كوسوفو يستعيد خوفه من فقدان الأرض التي يعتبرها مهداً قومياً.
والبوسنة، بتداخل سكانها، حملت جميع هذه الألغام داخل مساحة واحدة.
عندئذ لم يعد السؤال: كيف نحافظ على يوغوسلافيا؟ بل: ماذا سيحدث لنا إذا اختفت يوغوسلافيا؟
وهذا السؤال هو الباب الحقيقي لفهم ملاديتش وميلوشيفيتش.
ميلوشيفيتش: الرجل الذي عرف قوة الخوف
ظهر سلوبودان ميلوشيفيتش في اللحظة المناسبة تماماً لصناعة زعيم قومي.
لم يخترع كل المخاوف الصربية. وهذه نقطة مهمة. السياسيون يستطيعون استغلال الخوف وتضخيمه وتوجيهه، لكنهم لا يستطيعون دائماً اختراعه من العدم.
كانت هناك قضية كوسوفو. وكان هناك شعور قومي صربي بأن الاتحاد اليوغوسلافي، في نظر قوميين صرب كثيرين، لم يكن يمنح صربيا ما اعتبروه حقوقها الطبيعية. وكان هناك قلق من المستقبل.
ميلوشيفيتش فهم ذلك. وفهم شيئاً آخر أكثر أهمية: أن السياسي الذي يجعل نفسه لسان خوف الجماعة يستطيع أن يتحول بسرعة من موظف حزبي إلى رمز.
لكنه كان ابن النظام الشيوعي اليوغوسلافي نفسه. جاء من الحزب واستخدم مؤسسات الحزب، وتحدث بلغة قومية عندما أصبحت القومية طريقاً إلى السلطة.
وهذه المفارقة مهمة لفهمه: فالرجل الذي أصبح رمزاً للقومية الصربية خرج من داخل المؤسسة الشيوعية التي ادعت عقوداً أنها تجاوزت القوميات. وربما لهذا استطاع أن يجمع بين أدوات الدولة القديمة ومشاعر الأمة الجديدة.
ثم انهارت الدولة
سلوفينيا خرجت. كرواتيا اشتعلت. ثم جاءت البوسنة.
وبالنسبة إلى الصرب الذين عاشوا داخل هذه الجمهوريات، تغير معنى الحدود أمام أعينهم. الخط الذي كان بالأمس حدوداً إدارية داخل دولة واحدة أصبح اليوم حدود دولة مستقلة.
هنا يظهر سؤال لا تستطيع رواية الحرب المبسطة أن تجيب عنه بسهولة: ماذا يفعل الإنسان عندما تتغير الدولة من حوله بينما يبقى منزله في مكانه؟
هو لم يعبر الحدود. الحدود هي التي عبرته.
وهذا لا يعطيه حقاً تلقائياً في الحرب أو الاستيلاء على أرض الآخرين، لكنه يفسر الخوف الذي يمكن أن يدفع المجتمعات إلى الحرب.
في كرواتيا والبوسنة عاش الصرب داخل مناطق مختلطة وبين شعوب تحمل بدورها مخاوفها وذكرياتها ومشاريعها القومية. وكل طرف بدأ ينظر إلى المستقبل باعتباره احتمالاً لخضوعه للطرف الآخر.
عندها يصبح السلاح أكثر إغراء، وتصبح التسوية أصعب، ويبدأ السياسيون والعسكريون في التحدث بلغة البقاء. ومن هذه البيئة خرج الجنرال.
ملاديتش: عندما يتحول الضابط إلى حارس للجماعة
لم يحتج راتكو ملاديتش إلى اختراع صورة العسكري. كان عسكرياً بالفعل، ابن المؤسسة العسكرية اليوغوسلافية وضابطاً محترفاً تشكل داخل جيش كان يفترض أنه جيش جميع اليوغوسلاف.
ثم انهارت الدولة التي أنشأت ذلك الجيش، ووجد ضباطها أنفسهم أمام سؤال الولاء: لمن يكون الجيش عندما تختفي الدولة؟ للمؤسسة القديمة؟ للجمهورية الجديدة؟ للجماعة القومية؟
هنا تكمن إحدى مآسي انهيار الدول المتعددة القوميات. فالجيش الذي كان بالأمس رمز الوحدة يستطيع أن يصبح مخزن أسلحة الحروب التي تأتي بعد الوحدة.
وعندما أصبح ملاديتش قائداً لجيش جمهورية صرب البوسنة، بدأ ميلاد شخصيته الثانية. لم يعد ضابطاً يوغوسلافياً، بل أصبح في نظر جنوده ومؤيديه قائد الجيش الصربي الذي يقاتل من أجل أرض صربية وشعب صربي.
ومن هنا تبدأ كلمة «الحامي». وهي أهم بكثير من كلمة «البطل» إذا أردنا فهم الذاكرة الصربية. لأن البطولة تأتي لاحقاً، أما الحماية فتأتي أولاً.
الجماعة التي تشعر بالخوف تبحث عن حامٍ. والحامي الذي يبقى معها في الحرب يتحول بعد الحرب إلى بطل.
ولكن: حامٍ ممن؟
هنا ينقسم التاريخ.
البوشناقي الذي عاش الحرب يستطيع أن يجيب بطريقة، والصربي يستطيع أن يجيب بطريقة أخرى. وكل منهما سيستدعي أسماء موتاه.
وهذه إحدى أصعب مشكلات الحروب الأهلية. في الحرب بين دولتين يستطيع كل مجتمع أن يتخيل عدوه وراء حدود واضحة. أما في الحرب الأهلية، فالعدو قد يكون القرية المجاورة، والرجل الذي كنت تشتري منه البضاعة، وزميل المدرسة، والعائلة التي تسكن على الطريق نفسه.
ولهذا تكون الحروب الأهلية أكثر وحشية في الذاكرة. فالعدو ليس غريباً؛ إنه قريب تحول إلى عدو.
الصربي يسمع عن قرية صربية تعرضت للهجوم، والمسلم يسمع عن قرية مسلمة تعرضت للهجوم، والكرواتي يسمع قصته. كل قصة حقيقية بالنسبة إلى من فقد ابنه فيها.
لكن كل جماعة تبدأ شيئاً فشيئاً في بناء خريطة أخلاقية للحرب: موتانا ضحايا، مقاتلونا مدافعون، قادتنا حماة، أما الآخر فمعتدٍ.
وهكذا لا تولد أسطورة البطل من الفراغ. إنها تولد من المقبرة.
موتانا وموتاهم
ربما تكون أخطر كلمة في ذاكرة الحروب هي كلمة «لكن».
نعم مات هؤلاء، لكن ماذا عن موتانا؟ نعم حدثت هذه المجزرة، لكن ماذا حدث في قريتنا؟ نعم كان هؤلاء ضحايا، لكن لماذا لا يتحدث أحد عن ضحايانا؟
من هذه الـ«لكن» تبنى حروب الذاكرة.
والخطأ أن نتعامل معها باعتبارها مجرد حيلة سياسية. قد تكون كذلك عند السياسي، لكن عند الأم التي فقدت ابنها ليست حيلة؛ إنها ألم.
ومن هنا نفهم لماذا شعر قطاع من الصرب بعد الحرب بأن العالم لا يرى موتاهم بالطريقة التي يرى بها موت الآخرين.
يمكن مناقشة مقدار صحة هذا الشعور، ودراسة الإعلام والمحاكمات والأرقام والتغطية، لكن لا يمكن إنكار أن الشعور نفسه موجود. والمؤرخ يدرس الشعور أيضاً، لأن الشعور عندما ينتشر بين مئات الآلاف يتحول إلى قوة تاريخية.
إذا كان الخارج يقول: هذا الرجل يمثل الجريمة، فإن مؤيده الصربي يستطيع أن يسمع شيئاً مختلفاً: جيشك مجرم، حربك مجرمة، أبوك الذي قاتل مجرم، أخوك مجرم، أمتك مجرمة.
وعندما يشعر الإنسان أن الاتهام انتقل من الفرد إلى الجماعة، يصبح الدفاع عن الفرد دفاعاً عن الذات.
عندها لم يعد ملاديتش رجلاً. أصبح متراساً.
لاهاي: حين لم يثق جزء من الصرب بالقاضي
لكي يؤدي الحكم القضائي وظيفة أخلاقية داخل المجتمع، لا يكفي أن يصدر الحكم. ينبغي أن يثق المجتمع بالمحكمة.
إذا فقد الثقة بالقاضي، قد تتحول الإدانة إلى دليل جديد على المؤامرة في ذهنه. وهذا ما حدث لدى قطاعات من الصرب في تعاملهم مع المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
رأوا أن العدالة الدولية لم تكن متوازنة، وأن الصرب ظهروا في قفص الاتهام أكثر مما ظهر خصومهم، وأن العالم الذي قصفهم عام 1999 هو العالم نفسه الذي يريد أن يعلمهم بعد ذلك كيف يقرؤون تاريخهم.
وجود هذا الاعتقاد لا يثبت صحته، لكن وجوده يفسر السلوك.
نحن لا ندرس فقط ما كان صحيحاً. ندرس أيضاً ما اعتقد الناس أنه صحيح، لأن البشر يتصرفون وفق معتقداتهم عن الواقع.
وهكذا استطاعت لاهاي، بصورة مفارقة، أن تمنح ملاديتش وميلوشيفيتش صورة الرجل الذي يقف أمام العالم.
ميلوشيفيتش في لاهاي: المتهم الذي أراد أن يصبح متهِماً
رفض ميلوشيفيتش أن يتعامل مع المحاكمة بالطريقة التي كان ينتظرها خصومه. لم يقدم نفسه باعتباره رئيساً سابقاً يطلب الرأفة، بل أراد تحويل المحكمة إلى ساحة سياسية.
أراد أن يحاكم الرواية التي حاكمته، وأن يناقش الناتو والغرب وتفكك يوغوسلافيا وكوسوفو والحرب.
بالنسبة إلى خصومه كان ذلك تهرباً من المسؤولية، أما بالنسبة إلى مؤيديه فكان تحدياً.
والفارق بين الكلمتين هو الفارق بين الذاكرتين: تهرب عند هؤلاء، وتحدٍّ عند أولئك.
الفعل واحد، لكن الجماعة تختار اسمه.
1999: السنة التي تغير فيها معنى ميلوشيفيتش
لا يمكن فهم بقاء ميلوشيفيتش في جزء من الذاكرة الصربية من دون التوقف عند سنة 1999.
قصف الناتو يوغوسلافيا ثمانية وسبعين يوماً. وللمرة الأولى منذ الحروب التي كانت تدور خارج قلب صربيا، وصلت الحرب مباشرة إلى المدن الصربية.
سمع سكان بلغراد صفارات الإنذار، ورأوا الجسور والمنشآت والمباني تضرب، وعاشوا تجربة القصف من الطرف الذي يتلقى القنابل.
حتى الصربي الذي كان يكره ميلوشيفيتش يستطيع أن يرفض الناتو، وحتى المعارض للنظام يستطيع أن يشعر بأن بلده يتعرض للهجوم.
فليس كل من رفض القصف أصبح ميلوشيفيتشياً، وليس كل من رأى نفسه ضحية للناتو نسي معارضته للنظام.
لكن التجارب التاريخية الكبرى يكفي أن تدخل في ذاكرة الأمة. وقصف 1999 دخل.
الطفل الذي يسمع صفارة الإنذار لا يقرأ القانون الدولي
المواطن العادي لا يعيش الحرب كما يكتبها أستاذ العلاقات الدولية. عندما يسمع الانفجار لا يسأل أولاً عن المذكرة القانونية التي تبرر العملية، بل يسأل: أين وقع؟ هل أهلي بخير؟ هل سيأتون إلينا؟
وهذه التجربة تصبح بعد سنوات ذاكرة. يقول الأب لابنه: كنا هنا عندما قصفونا. وتقول الأم: كنت أحملك ونزلنا إلى الملجأ.
الطفل الذي ولد بعد القصف لم يشاهده، لكنه يستطيع أن يرثه.
وهكذا تتحول التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية. ومن هنا ينبغي أن نقرأ استمرار مركزية 1999 في الوعي الصربي، لا باعتبارها دعاية سياسية فقط، بل باعتبارها أيضاً تجربة بشرية حقيقية لملايين الأشخاص.
وهل كان ميلوشيفيتش بطلاً عند جميع هؤلاء؟
بالطبع لا.
صربيا نفسها قاومت ميلوشيفيتش. خرج ضده طلاب وصحفيون ومثقفون وأحزاب معارضة ومواطنون عاديون، وشهدت بلغراد احتجاجات ضخمة، وفي النهاية كان الشارع الصربي نفسه جزءاً أساسياً من سقوطه.
وهذه الحقيقة ضرورية، لأن الحديث عن «الذاكرة الصربية» لا يعني وجود ذاكرة صربية واحدة.
هناك صرب يتذكرون ميلوشيفيتش بوصفه الرجل الذي دمر مستقبلهم، وآخرون يرونه الرجل الذي حاول الحفاظ على الدولة في زمن كانت القوى الداخلية والخارجية تمزقها. وبين الطرفين درجات كثيرة.
بعضهم لا يحبه لكنه يرفض الطريقة التي حوكم بها. بعضهم يرفضه ويرفض الناتو في الوقت نفسه. وبعضهم يحمل الغرب مسؤولية كبيرة ويحمل ميلوشيفيتش مسؤولية كبيرة أيضاً.
وهكذا يعمل المجتمع الحقيقي، لا بالشعارات الثنائية.
جنازة ميلوشيفيتش: عندما أصبح الموت استطلاعاً للذاكرة
عندما مات ميلوشيفيتش في لاهاي سنة 2006 لم يكن موته حدثاً شخصياً. تحول إلى امتحان لصربيا.
بالنسبة إلى جزء من الصرب، كان موته في لاهاي نهاية مأساوية لرئيس سابق مات في قبضة المحكمة التي رفض شرعيتها. وبالنسبة إلى آخرين لم يكن هناك ما يدعو إلى البطولة.
لكن مجرد أن يصبح موت الرجل بعد سنوات من سقوطه حدثاً يفتح مجدداً نقاشاً وطنياً واسعاً يعني أن الرجل لم يكن قد خرج من التاريخ.
النسيان هو الهزيمة الحقيقية للزعيم. أما الكراهية فليست نسياناً، والحب ليس وحده الخلود.
يمكن للزعيم أن يخلد لأن المجتمع يستمر في الشجار حوله. وميلوشيفيتش فعل ذلك.
وملاديتش أكثر قابلية للأسطورة
ملاديتش يمتلك شيئاً لم يمتلكه ميلوشيفيتش بالدرجة نفسها: إنه الجندي.
وفي الذاكرة القومية هناك فرق بين السياسي والعسكري. السياسي يساوم ويوقع ويتراجع ويخسر الانتخابات ويعقد الاتفاقات، أما الجنرال فيمكن اختزاله بسهولة أكبر في صورة: الزي العسكري، القبعة، الخريطة، الجنود، الجبهة.
وهذه مادة مثالية لصناعة الأسطورة.
السياسي يحتاج إلى خطاب طويل، أما الجنرال فتكفي صورته.
ولهذا أصبحت صورة ملاديتش على الجدران ذات معنى يتجاوز سيرته. الجدارية تقول قبل أن نقرأ أي كلمة: هذا الرجل ما زال هنا.
الجدار باعتباره كتاب تاريخ
نحن عادة نبحث عن التاريخ في الأرشيف، لكن المدن تملك أرشيفاتها الخاصة. الجدران أحدها.
من يرسم صورة ملاديتش على جدار في بلغراد أو في منطقة صربية لا يكتب دراسة تاريخية، لكنه يقوم بفعل تاريخي: يعلن ملكية الذاكرة.
يقول: أنتم تملكون محكمتكم، ونحن نملك جدارنا. أنتم تكتبون اسمه في الأحكام، ونحن نكتبه هنا.
خصوصاً عندما تتحول محاولة إزالة الجدارية إلى أزمة، لم يعد الخلاف حول الطلاء، بل حول سؤال: من يملك الفضاء العام؟ ومن يملك الحق في تحديد من يستحق أن يظهر فيه؟ ومن هو البطل؟
محاولة محو الرمز قد تقويه
إذا تركت الرمز وشأنه، ربما يبهت. لكن إذا حاولت محوه بالقوة، قد تمنحه حياة جديدة.
لأن أتباعه لا يعودون يدافعون عن الرجل فقط، بل عن حقهم في تذكره.
وهنا يتحول الصراع من: هل كان ملاديتش بطلاً؟ إلى: هل يحق لنا أن نقول إنه بطل؟
والسؤال الثاني أقوى سياسياً، لأنه يتعلق بالهوية والحرية والكرامة الجماعية. ومن هنا نفهم لماذا تستطيع الجدارية أن تصبح أهم من كتاب.
البطل لا يحتاج إلى إجماع
هناك اعتقاد خاطئ بأن «البطل القومي» ينبغي أن يحبه الشعب كله. التاريخ لا يقول ذلك.
كثير من الأبطال القوميين كانوا موضع خلاف داخل أوطانهم. البطولة القومية ليست استفتاء؛ إنها وظيفة داخل ذاكرة جماعة.
ولهذا يمكن أن نقول إن ملاديتش أصبح بطلاً قومياً في قطاع واسع ومؤثر من الذاكرة الصربية من دون أن نزعم أن جميع الصرب يرونه كذلك.
وهذا أكثر دقة، لأن السؤال يصبح: لماذا يحتاج جزء من المجتمع إلى هذا البطل بينما يرفضه جزء آخر؟
ملاديتش ليس فقط ملاديتش
لو كان الخلاف حول الرجل وحده، لربما خفت مع مرور الزمن. لكن ملاديتش أصبح حاملاً لأشياء أكبر منه: جيش جمهورية صرب البوسنة، حرب البوسنة، ضحايا الصرب، جمهورية صربسكا، العلاقة بالغرب، لاهاي، والشعور بأن التاريخ الذي كتبه المنتصر السياسي ليس التاريخ الذي عاشه الناس.
ولهذا فإن الدفاع عن ملاديتش لا يكون دائماً دفاعاً عن كل قرار اتخذه. أحياناً يكون دفاعاً عن رواية كاملة.
وهذا يفسر كيف يستطيع شخص أن يقول: «ملاديتش بطل» من دون أن يكون قد قرأ ملفاً واحداً من ملفات الحرب.
إنه لا يصدر حكماً قضائياً. إنه يعلن هوية.
وميلوشيفيتش أيضاً أكبر من ميلوشيفيتش
ميلوشيفيتش يحمل بدوره أشياء تتجاوز شخصه: يوغوسلافيا الأخيرة، العقوبات، العزلة، الحرب، كوسوفو، الناتو، 1999، لاهاي، سنوات الفقر، سنوات التحدي، والدولة التي لم تعد موجودة.
لهذا يمكن لشخص أن يكره ميلوشيفيتش الاقتصادي والسياسي، لكنه يشعر بالحنين إلى زمن كانت فيه بلاده، في نظره، أكثر استقلالاً. ويمكن لآخر أن يرى فيه المسؤول عن ضياع عقد كامل.
الاثنان يتحدثان عن الرجل نفسه، لكن كلاً منهما يتحدث في الحقيقة عن حياته هو.
عندما نتحدث عن الزعماء الموتى، نتحدث كثيراً عن أنفسنا.
ماذا فعل الغرب بصورة الرجلين؟
هل ساهم خصوم ملاديتش وميلوشيفيتش في تخليدهما؟ إلى حد ما، نعم.
ليس بمعنى أنهم اخترعوا شعبيتهما، بل لأن تحويل الشخصية إلى رمز مطلق للشر يسهل على الطرف الآخر تحويلها إلى رمز مطلق للمقاومة.
كل شيطنة كاملة تولد إمكانية تقديس مضاد.
إذا قلت لجماعة: هذا الرجل ليس فقط خصمنا، بل هو تجسيد لشركم أنتم، فقد تجيب: إذا كان هو رمزكم لشرنا، فسنجعله رمزنا لكرامتنا.
وهنا يحدث انقلاب المعنى. الصورة نفسها التي يراد لها أن تكون وصمة تتحول إلى شارة، والاسم الذي يراد له أن يثير الخجل يتحول إلى شعار.
هل يعني هذا أن الحقيقة غير موجودة؟
لا.
دراسة الذاكرة لا تعني أن كل الروايات صحيحة بالدرجة نفسها. هناك وثائق وقبور وأوامر وشهادات وسجلات عسكرية ووقائع يمكن للمؤرخ التحقق منها.
التاريخ ليس مسابقة مشاعر
لكن هناك فرق بين ما حدث وكيف يتذكر الناس ما حدث. الأول موضوع التحقيق التاريخي، والثاني موضوع الذاكرة.
قد تثبت الوثيقة شيئاً بينما ترفض الجماعة إدخاله في روايتها، وقد تضخم الجماعة حادثة أخرى لأنها أصبحت مركزية في تعريفها لنفسها.
وظيفة المؤرخ ليست أن يخلط الاثنين ولا أن يلغي أحدهما، بل أن يقول: هذه الواقعة، وهذه الطريقة التي تذكرت بها.
لذلك لا تكفي المحكمة لكتابة التاريخ
المحكمة تسأل سؤالاً محدداً: هل ارتكب المتهم فعلاً يدخل ضمن اختصاص القانون؟
المؤرخ يسأل أسئلة أوسع: لماذا اندلعت الحرب؟ كيف رأى الناس أنفسهم؟ كيف صنع الخوف قراراتهم؟ لماذا اتبع الجنود هذا القائد؟ لماذا أحبه بعضهم وكرهه آخرون؟ كيف تغيرت صورته بعد الهزيمة؟ ماذا فعلت المحاكمة بذاكرته؟ وكيف يراه جيل لم يكن قد ولد عندما انتهت الحرب؟
هذه أسئلة لا تستطيع المحكمة الإجابة عنها لأنها ليست وظيفتها.
ومن الخطأ أن نطلب منها ذلك، كما من الخطأ أن نطلب من المؤرخ أن يصبح قاضياً فقط.
الأجيال الجديدة: هنا يبدأ الخلود الحقيقي
الرجل لا يصبح رمزاً خالداً عندما يحبه الذين عرفوه، بل عندما يحبه الذين لم يعرفوه.
الجندي الذي قاتل تحت قيادة ملاديتش لديه ذاكرة شخصية. أما الشاب الصربي الذي ولد بعد الحرب بعشر سنوات فلا يملك شيئاً من ذلك.
إذا حمل صورة ملاديتش، فهذه ذاكرة موروثة.
وهنا تدخل الأسرة والسياسة والإعلام والكنيسة والمدرسة والإنترنت والأغنية والجدارية والذكرى السنوية.
تأخذ الجماعة الطفل من يده وتقول له: هذه قصتنا، وهؤلاء موتانا، وهؤلاء أعداؤنا، وهذا بطلنا.
عندها يصبح التاريخ هوية.
لماذا يحتاج الجيل الذي لم يحارب إلى بطل حرب؟
ربما لأنه يحتاج إلى قصة تفسر له من هو.
الأجيال الجديدة ترث دولاً لم تؤسسها وحروباً لم تخضها وحدوداً لم ترسمها، لكنها تحتاج إلى تفسير.
لماذا توجد جمهورية صربسكا؟ لماذا كوسوفو قضية؟ لماذا قصف الناتو بلغراد؟ لماذا انتهت يوغوسلافيا؟ لماذا يوجد هذا القبر؟ لماذا هذه الجدارية؟
كل جواب يحتاج إلى شخصيات.
والتاريخ الشعبي يحب الأشخاص أكثر من البنى. أسهل أن تقول: ميلوشيفيتش، ملاديتش، تيتو، من أن تشرح عشرين سنة من التحولات الاقتصادية والدستورية والقومية والدولية.
ولهذا يصبح القائد اختصاراً لعصر.
هل خلّد السجن ملاديتش؟
إلى حد بعيد، ساعد على ذلك.
السجن الطويل يمتلك قوة رمزية خاصة، خصوصاً عندما لا يثق أنصار السجين بالمؤسسة التي سجنته.
في نظر خصومه: السجن عقوبة. وفي نظر مؤيديه: السجن تضحية.
الرجل يشيخ ويمرض وتظهر صورته بعيداً عن صورة الجنرال القوي. بالنسبة إلى خصمه قد يكون ذلك عدالة متأخرة، أما المؤيد فيرى شيخاً يدفع ثمن دفاعه عن شعبه.
ومن هنا تستطيع المعاناة الشخصية أن تدخل الأسطورة.
ميلوشيفيتش مات في لاهاي وملاديتش مات أسيراً لها
هذه النهاية المشتركة تمنح الرجلين، داخل الذاكرة القومية المؤيدة لهما، رابطاً لا توفره السياسة وحدها.
الرئيس والجنرال انتهيا بعيداً عن الوطن، تحت سلطة المؤسسة الدولية، ولم يعد أي منهما إلى حياة سياسية طبيعية.
وهذا يسمح بصناعة سردية سهلة الانتقال بين الأجيال: لقد حاربا، ثم هُزما، ثم أخذهما المنتصرون، ثم ماتا بعيداً عن الوطن.
التاريخ الحقيقي أعقد كثيراً، لكن الأسطورة لا تحب التعقيد. تحتاج إلى قصة يمكن روايتها في دقيقة، وهذه القصة تملك جميع عناصر المأساة القومية.
لكن لماذا لم يمت ميلوشيفيتش عندما أسقطه الصرب أنفسهم؟
لأن سقوط الزعيم لا يعني سقوط جميع الأسئلة التي حملها.
سقط ميلوشيفيتش، لكن كوسوفو بقي. وذاكرة قصف الناتو بقيت. ويوغوسلافيا لم تعد. والصرب ما زالوا يتجادلون حول التسعينيات.
وهذا يعني أن الرجل الذي ارتبط بهذه الأسئلة يستطيع أن يعود كلما عاد السؤال.
الزعماء الموتى يعيشون في القضايا غير المحسومة.
وكذلك ملاديتش يعيش في البوسنة التي لم تغلق كتاب الحرب
اتفاق السلام يستطيع أن يوقف المدافع، لكنه لا يوحد الذاكرة.
البوسنة والهرسك بقيت دولة تحمل داخلها روايات مختلفة للحرب. في إحدى الروايات ملاديتش اسم للرعب، وفي أخرى اسم للدفاع الصربي، وبينهما دولة واحدة.
الطفلان اللذان يولدان اليوم داخل حدود الدولة نفسها يمكن أن يكبرا على قصتين مختلفتين تماماً عن الرجل نفسه. أحدهما يتعلم أن يخاف اسمه، والآخر يرى صورته باعتباره بطلاً.
وهكذا لا تكون الحرب قد انتهت تماماً. لقد انتقلت من الجبهة إلى الذاكرة.
عندما تصبح الذاكرة حدوداً جديدة
انتهت الحرب ورسمت الحدود، لكن حدوداً أخرى ظهرت داخل العقول.
تعرفها من أسماء الشوارع والنصب والمقابر والاحتفالات والكتب المدرسية والأعلام، ومن الأشخاص الذين يستطيع المرء أن يسميهم أبطالاً في مكان ولا يستطيع أن يذكر أسماءهم بالطريقة نفسها في مكان آخر.
إنها جغرافيا الذاكرة. وفي هذه الجغرافيا يحتل ملاديتش مساحة ضخمة.
هل يستطيع الزمن أن يغير صورته؟
نعم. فالذاكرة ليست حجراً.
كل جيل يعيد تفسير الماضي وفق مشكلاته. قد يأتي جيل صربي أكثر نقداً، وقد يأتي جيل أكثر قومية. قد تفتح أرشيفات جديدة وتظهر وثائق وتتغير العلاقات مع البوسنة والغرب.
كل ذلك سيؤثر في ملاديتش الذي سيعرفه المستقبل.
البطل في جيل يصبح موضع نقد في جيل آخر، والمكروه يعود أحياناً، والمنسي يُكتشف.
ولهذا لا يوجد حكم نهائي للذاكرة.
لكن شيئاً واحداً أصبح مؤكداً. لن يكون من السهل محو الرجلين.
ملاديتش وميلوشيفيتش تجاوزا مرحلة الشخصيات السياسية العابرة ودخلا تاريخ الهوية الصربية المعاصرة، ليس بالمعنى نفسه ولا بالمكانة نفسها ولا بالإجماع نفسه.
لكن من المستحيل تقريباً كتابة تاريخ صربيا منذ نهاية يوغوسلافيا من دون أن يكون الرجلان في قلبه.
أحدهما يمثل الدولة في لحظة الانهيار، والآخر يمثل الجيش الصربي البوسني في لحظة الحرب. الأول يجسد السياسة، والثاني يجسد السلاح.
والاثنان يلتقيان في سؤال واحد: ماذا كان الصرب في التسعينيات؟ معتدين؟ ضحايا؟ مدافعين؟ قوميين توسعيين؟ شعباً حاول حماية نفسه؟
أم، وهذه الإجابة هي الأصعب لأنها تهدم راحة الشعارات ــ مجتمعاً يمكن أن يكون في لحظات مختلفة ضحية وفاعلاً في العنف معاً؟
ربما هنا تبدأ المصالحة الحقيقية مع التاريخ.. ليس عندما يجبر الصربي على كراهية بطله، ولا عندما يجبر البوشناقي على احترام الرجل الذي يربطه بمأساته.
المصالحة تبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يعترف بأن ألم الآخر حقيقي من دون أن يشعر أن ذلك يلغي ألمه.
أن يقول الصربي: كان لنا ضحايانا، ولكن وجود ضحايانا لا يمحو ضحايا الآخرين. وأن يستطيع الآخر قول الشيء نفسه.
عندها فقط يمكن للذاكرة أن تتوقف عن كونها سلاحاً.
لكن الوصول إلى ذلك أصعب بكثير من توقيع اتفاق سلام.
من يقرر من هو البطل؟
ربما لا أحد، أو ربما الجميع.
المحكمة تحدد المسؤولية القانونية. المؤرخ يبحث في الوقائع. الضحية تحمل ألمها. الجندي يحمل ذاكرته. والجماعة تصنع رمزها.
وكل واحد منهم يتحدث لغة مختلفة.
ولهذا لا يستطيع الحكم القضائي وحده أن يمنع ظهور جدارية، ولا تستطيع الجدارية أن تلغي وثيقة، ولا يستطيع المؤرخ أن يطلب من أم أن تنسى ابنها لأن تحليله أكثر تعقيداً من حزنها.
التاريخ الحقيقي يبدأ عندما نعترف بوجود هذه المستويات كلها.
ملاديتش بعد ملاديتش
لقد مات الرجل، وانتهت إمكانية أن يفعل شيئاً جديداً.
من هذه اللحظة سيقوم الآخرون بكل شيء نيابة عنه. أنصاره سيعيدون بناء صورته، وخصومه سيعيدون استحضار ضحاياه، والسياسيون سيستخدمونه، والمؤرخون سيدرسونه، والجيل الجديد سيختار ماذا يحتفظ منه.
والصرب أنفسهم سيواصلون الخلاف عليه.
وهنا فقط نعرف أن ملاديتش أصبح شخصية تاريخية بالمعنى الكامل. لم يعد يملك صورته؛ لقد أصبحت ملكاً للذاكرة.
وميلوشيفيتش سبقه إلى ذلك بعشرين عاماً
مات ميلوشيفيتش، لكن صربيا لم تتوقف عن النقاش حول العصر الذي يحمل اسمه.
وهذا هو الرابط العميق بين الرجلين. ليس أن كلاً منهما «بطل» بالطريقة نفسها، بل أن كلاً منهما أصبح موقعاً للذاكرة.
عندما يتحدث الصربي عن ميلوشيفيتش، قد يكون يتحدث عن كوسوفو أو الناتو أو العقوبات أو انهيار يوغوسلافيا أو سنوات الفقر أو السيادة.
وعندما يتحدث عن ملاديتش، قد يكون يتحدث عن البوسنة أو جمهورية صربسكا أو الجيش أو الضحايا الصرب أو لاهاي أو العلاقة بالغرب.
الرجلان أصبحا أبواباً يدخل منها المجتمع إلى ماضيه.
وهنا بدأ السؤال الذي سيأخذنا خارج صربيا
كنت أستطيع أن أنهي المقالة هنا، وأن أقول إن ملاديتش وميلوشيفيتش حالة صربية وإن تاريخ البلقان شديد الخصوصية.
لكن شيئاً في هذا التفسير غير مقنع.
لأنه كلما نظرت إلى صورة ملاديتش المعلقة عند صربي، تذكرت صوراً رأيتها أقرب إلينا بكثير: صور رجال ماتوا منذ عقود وما زالت وجوههم على الجدران، رجال لا يحتاج أتباعهم إلى أن يكونوا قد عرفوهم كي يحبوهم، ورجال يراهم قسم من وطنهم أبطالاً ويرى فيهم القسم الآخر شيئاً مختلفاً تماماً.
وهنا لم تعد بلغراد بعيدة عن بيروت.
ما الفرق، من زاوية الذاكرة وحدها لا من زاوية المسؤولية التاريخية، بين شاب صربي ولد بعد حرب البوسنة ويحمل صورة قائده، ولبناني ولد بعد اغتيال كمال جنبلاط وما زال يسميه «المعلم»؟
كيف يستطيع بشير الجميل أن يبقى حياً في ذاكرة أجيال لم تكن قد ولدت عندما اغتيل؟ وكيف يستطيع موسى الصدر، الغائب منذ عقود، أن يكون حاضراً لدى أناس ولد آباؤهم بعد اختفائه؟ وكيف يصبح رفيق الحريري بعد اغتياله أكبر من رئيس حكومة؟ وكيف يتحول جورج حاوي إلى جزء من ذاكرة اليسار، وحسن نصرالله إلى رمز يتجاوز حياته السياسية لدى جمهوره؟
عندها تدرك أن السؤال لم يكن صربياً.
إنه سؤال عن الإنسان.
لماذا نحتاج إلى أبطال؟ ولماذا نختارهم من موتانا؟ ولماذا يصبح الرجل الذي يكرهه خصمنا أكثر التصاقاً بنا أحياناً بسبب كراهية خصمنا له؟ ولماذا تستطيع الصورة أن تعيش أكثر من صاحبها؟ ولماذا يرث الأبناء ولاءات آبائهم تجاه رجال لم يروهم قط؟
من بلغراد إلى بيروت، يبدو أن الشعوب لا تدفن زعماءها عندما تدفن أجسادهم. إنها تبدأ، في أحيان كثيرة، حياة أخرى لهم.
وهناك، في بيروت، تبدأ الحلقة الثانية.
يتبع: من بلغراد إلى بيروت: كيف تصنع الجماعات أبطالها الخالدين؟
