ما بعد أحداث سبتة؟
حـسـن زهـيـر الاتحاد الأ
عندما يتعلّق الأمر بالعلاقة مع المغرب، يتجاوز الاصطفاف السياسي الإسباني الانقسام التقليدي، إذ مباشرة بعد أحداث سبتة، انبرَت قوى سياسية إسبانية، ذات اليمين وذات اليسار، إلى تبني خطاب عدواني تجاه المغرب، مستنكرة، في البداية، استعانة الاتحاد الأوروبي بدولة خارج حدودها في إدارة ملف الهجرة. تُم انتقل التصعيد السياسي، بشكل سريع، من قضية هجرة وتداعياتها إلى ملف رياضي، ذي رمزية كبيرة، كما تجلى ذلك في مبادرات من داخل البرلمان الإسباني تطالب بمراجعة صيغة التنظيم المشترك لكأس العالم.
وعندما استحضر وزير الأوقاف المغربي، في خطابٍ أُلقِي بمناسبة دينية أمام الملك، كتاب “دلائل الخيرات” للعلامة الجزولي، سارعت المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إلى الإعلام للرد على ذلك بالقول: “إن سبتة ومليلية إسبانيتان. إنهما حدودنا الجنوبية وحدود أوروبا كذلك. ولا شيء يضاف إلى هذا”. وتجدُر الإشارة إلى أن لكتاب “دلائل الخيرات” أهمية خاصة في الذاكرة الجماعية المغربية، بالنظر إلى ارتباطه، خلال القرن الخامس عشر الميلادي، بتعبئة المغاربة من أجل تحرير المدن التي كانت خاضعة للاحتلال الإيبيري.
وقد جاء هذا الرد الرسمي الإسباني عقب اجتماع لمجلس الأمن القومي عُقد يوم الثلاثاء 25 غشت 2026، وُصِف بالاستثنائي، إذ شارك فيه بالإضافة إلى رئيس الحكومة وزراء الداخلية والدفاع والخارجية ومدير مركز الاستخبارات ورئيس الأركان، إلى جانب حاكم سبتة. وقد وصَف الإعلام الإسباني الحدث بأنه غير مسبوق في التاريخ الحديث لإسبانيا.
كل هذه الأجواء المشحونة، والتي رافقتها حالة من التجييش والتحامل الإعلامي على المغرب، كانت مسبوقة، أصلاً، بعدة أحداث نذكر من بينها ما يلي:
– حاكم سبتة المحتلة دقّ ناقوس الخطر معتبراً أن أمن حدود المدينة أصبح مرتهناً من طرف المغرب، مؤكداً أن السيادة الإسبانية على سبتة “يؤكدها التاريخ ويثبتها القانون”.
– حاكم مليلية المحتلة يستبعد أي مقارنة بين وضع المدينة ووضع جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية، مؤكداً أن هذا الأخير “يُعد إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي؛ في حين مليلية جزء من إسبانيا”.
– توصيف رئيس الحكومة الإسبانية لأحداث سبتة بأنها قضية مساس بالسيادة الوطنية، والدولة الإسبانية تؤكد أنه لا يمكن التفريط في المدينة، مُحوّلة “أزمة العبور الجماعي” من قضية هجرة وتداعياتها إلى مسألة أمن قومي استراتيجي.
– زيارات متسارعة لمسؤولين عسكريين إلى مدينة سبتة تحت إشراف وزيرة الدفاع نفسها، مع استنفار القوات المسلحة وإلغاء عُطل العسكريين ونقل التعزيزات ونشر القطع والفرقاطات البحرية لمراقبة المياه الإقليمية وتركيب الحواجز العائمة، وما إلى ذلك من المبادرات ذات الطابع العسكري والأمني. تُمّ، في الأخير، التعبير، سياسياً، عن الاستعداد لمواجهة أي تهديد قد يمس السيادة الإسبانية على ترابها.
– وزارة الخارجية الإسبانية سارعت إلى الرفض القاطع لأي طرح يمس وضعية سبتة ومليلية، لا حالياً ولا في المستقبل، مؤكدة أنهما “مدينتان إسبانيتان تشكلان جزءاً من السيادة والوحدة الترابية لإسبانيا”، وذلك رداً، على تصريح لوزير العدل المغربي، يُذكّر فيه، فقط، بأن “سبتة ومليلية حق تاريخي وجغرافي للمغرب”…
كما لا يجب أن ننسى، أيضاً، موافقة لجنة العدل في مجلس النواب الإسباني، قبل الأحداث الأخيرة، على مشروع قانون تجنيس الصحراويين. وقد استكثر الإعلام الإسباني على المغاربة طرح الخلفيات السياسية لقانون التجنيس، بالنظر لتوقيته المرتبط بتطورات قضية الصحراء، رافضين التفاعل، إيجابياً، مع أسئلة مغربية من قبيل: هل الأمر مجرد تسوية قانونية وحقوقية ذات طابع إنساني أم أن المسألة ذات أبعاد أخرى خفية؟ أليس من حق المغاربة التساؤل: هل يتعلّق الأمر، فعلاً، بمُجرّد عملية تندرج ضمن تهيئة الظروف أمام حل سياسي مرتقب دولياً لقضية الصحراء؟ أم أننا أمام مناورة جديدة بحثاً عن دور ما مازالت إسبانيا تريد أن تلعبه في علاقتها بالمغرب وبصحرائه؟
كل ما سبق ذكره هو مجرّد جزء من تطورات وأسئلة “ما بعد أحداث سبتة”، إذ ما زلنا في بدايتها. وفي هذا السياق يحضرني تعليق للمفكر المغربي، عبد الله العروي، حول السياسة الإسبانية تجاه المغرب عندما كتب ما يلي: “الدولة الاسبانية متوّلدة عن الكنيسة، بصفتها مؤسسة عالمية وليس وطنية، لذا تنبذ كل ما ليس أوروبياً نصرانياً غربياً. واهم من يعتقد أن إسبانيا ستنهج يوماً “سياسة مغربية”. حلم لن يتحقق أبداً… لنوازع قوية في النفس، أهمّها ما حصَل لإسبانيا، طوال القرن التاسع عشر، حيث رفضَها الأوروبيون وراحوا ينظرون إليها كتجسيد لكل ما لفَظوه وثاروا ضده مند عهد الانوار… تودّ، الآن، أن تمّحي هذه الوصمة… تشمئز من أن تُحشر، من جديد، مع الجنوب إن هي اقتربت منه أو التفتَت إليه”.
