“الرقص مع الذئاب” على جمر الغضب

“الرقص مع الذئاب” على جمر الغضب

عبد الرحيم التوراني

         يتوالى العبث السياسي في البلاد كشريط سينمائي بطيء وممل، يتفرج عليه الجميع دون أن يملك أحد حق الضغط على زر الإيقاف. وتتلاحق الأزمات والمهازل حتى يخيّل للمتابع أنه يتابع فصول مسرحية من الكوميديا السوداء، تشكل في مجموعها صورة واقع مكشوف، واقع فقد أدوات تجميله وديكوراته المزيفة، ولم يعد يغري أحدا بجدوى متابعته أو الإيمان بمخرجاته.

     تبدأ التراجيكوميديا الوطنية من ذلك التسريب الصوتي الذي ملأ الآفاق وشغل المجالس، متضمنا تهديد رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي لفوزي لقجع، تهديد قطعي وصارم بأن حلم الإمساك بوزارة المالية في الحكومة المقبلة قد تبدد إلى غير رجعة، وأن هذه الحقيبة التليدة أضحت حكرا مقفولا وموكولة حصريا لصاحبتها ناديا فتاح العلوي، المنتمية لحزبه التجمع الوطني للأحرار…

يقع هذا في وقت تنطلق فيه الشائعات والتكهنات حول إمكانية اعتلاء رئيس جامعة الكرة نفسه منصة رئاسة الحكومة القادمة، ليصبح المشهد برمته أشبه بمزاد علني تقسم فيه الغنائم جهارا نهارا قبل حتى أن توضع الصناديق!

على الجانب الآخر من المشهد يتطوع رئيس الحكومة عزيز أخنوش ومحازبوه لإعطاء دروس في الأخلاق السياسية، متهمين الخصوم بالترحال والتنقل بين الأحزاب، في غفلة سوريالية عن كونهم فرسان هذا الترحال وأربابه الأصليين، إذ ترحلوا وتجولوا بين التيارات والمؤسسات دون أن يملك أحدهم الأفضلية على الآخر في رحلة التيه والتقلب هذه.

لا يكتمل هذا السيرك السياسي إلا بتصريحات متضاربة تفتقر لأدنى مقومات الرصانة، فتارة نتابع الخرجات الشاردة والسطحية لفاطمة الزهراء المنصوري المحمولة على ظهر التراكتور، وتارة نستمع لشطحات الوافد الجديد فوزي لقجع، الذي أطال الكلام وراكم اللغط، فصدّق وهما بأنه رجل المرحلة الاستثنائي وربما المنقذ المنتظر.

بل إن المتابعين موعودون منه بمفاجآت أكثر غرابة وعبثية من وصفه لزملائه الوزراء بالـ “الإرهابيين”، كما حدث في معرض تهديده ورده الانفعالي على القيادي في حزب الأحرار رشيد الطالبي العلمي.

وبالعودة قليلا إلى الوراء نجد أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه لم يتورع عن تهديد معارضيه في البرلمان ومنتقديه خارجه، حين لمح إلى أن الاستمرار في شيطنة المقاولات قد يدفع أصحابها إلى إيقاف استثماراتهم ويسبب شللا للاقتصاد، وهو ما اعتبر حينها ابتزازا مباشرا للمعارضة وتهديدا لأجهزة الدولة على حد سواء.

 أما عبد الإله بنكيران فيواصل أداء دوره الأثير كحاطب ليل يتعثر في أدغال السياسة، أو كغراب أضاع مشيته، يظهر معتمرا طاقيته وجلبابه، منتظرا في العتمة إشارة أو نداء ليرتدي بدلته العصرية وربطة عنقه… تلك الربطة التي لم تكن يوما في تاريخنا القريب سوى حبل مشدود لشنق خلق الله وتكبيل تطلعاتهم، تارة باسم الدين والشرعية، وتارة باسم النظام والسيستم.

على مستوى المعارضة والهياكل التاريخية، لك أن تتحدث عن السقوط ولا حرج. لقد افتضح أمر إدريس لشكر بشكل لا يدع مجالا للشك، حيث حول حزب الاتحاد الاشتراكي إلى بورصة مفتوحة لتسويق التزكيات وتجارة الترشيحات، وهي وإن كانت ممارسة قديمة تراكمت لديه منذ جلوسه على عرش الاتحاد، إلا أنها انكشفت هذه السنة في أبشع صورها، حتى مسخ تلك الوردة الاتحادية التي أينعت بدماء الشهداء ونضالات الشرفاء، ليحولها إلى مجرد نبتة نخاسة تباع وتشترى في سوق النخاسين.

ولا ينتهي هذا المسلسل المشين إلا لتطل علينا عنتريات نزار البركة.. حفيد علال الفاسي، ابن ابنته ووريثه في حزب الاستقلال، بخطب وتصريحات متكلفة لا تتلاءم إطلاقا مع ملامحه ولا نبرة صوته الجريحة، وهو يوزع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال حول من سماهم خفافيش الظلام، غافلا أو متغافلا عن أنه ليس سوى واحد من ناسجي ذلك الظلام الممتد.

  أما عبد اللطيف وهبي.. صاحب لقب “وزير التقاشر”.. فقد نصّب نفسه في الآونة الأخيرة ناطقا يصول ويجول عبر الشاشات والقنوات، فتوالت تصريحاته الشاردة بلا زمام، حتى تعذّر حصر عبثيتها، وأضحى تحكيم العقل في تصريحاته أبعد من ثالث المستحيلات.

***

دعونا من هذا الهراء كله، ومن لغط التصريحات الطائشة التي لا تعدو كونها زبدا يذهب جفاء، وليشرح لنا أولو العلم والخبرة ما معنى التسريب الأخير المنشور عبر ما يسمى بموقع “جبروت”، والذي نشر لوائح مسربة تفصيلية لمن قيل إنهم عملاء المخابرات المغربية بأسمائهم وأرقام بطاقاتهم الوطنية، والذين تجاوز عددهم سبعين ألفا؟

وليفسر لنا الراسخون في الفهم التابعون لأجهزة القرار ما معنى هذا الصمت المريب والمطبق الذي التزمت به الجهات العليا إزاء الهرب الجماعي والكبير للشباب والمراهقين والأطفال الذين ألقوا بأنفسهم في البحر صوب الجارة الشمالية إسبانيا؟ نزوح جماعي ينفذ كأن الأمر حدث عادي لا يحرك ساكنا ولا يستدعي حتى بلاغا مقتضبا من أعلى السلطات يوضح للمواطنين حقيقة ما يجري!

*** 

المشهد قاتم كئيب وتزداد شدة ظلمته يوما بعد يوم، بشكل يمنع أي قراءة موضوعية أو فهم عقلاني يستند لمفاهيم العلوم السياسية. فحين تجن الظلمة وتصبح حالكة كقطع الليل المظلم، لا فائدة ترجى حينها من فتح الأعين أو ادعاء الرؤية.

من وحي هذه الخيبة، نعود لأغاني مجموعة ناس الغيوان، لنترحم على روح الراحل المؤسس بوجميع ونردد معه تلك اللازمة الحارقة:  “واش إحنا هما احنا… يا قلبي ولا محال”.

الحقيقة المرة هي إن الأحزاب التي تتعارك وتتصدر المشهد اليوم لا تمثل إطلاقا من تدعي التمثيل والدفاع عنهم، بل هو الكذب الصراح والتضليل الممنهج. الجماهير الشعبية تعاني في صمت، ومعاناتها تشتد وتتأزم يوما بعد يوم، في غياب تام لطليعة تقودها وتنظم صفوفها لتحقيق أمانيها المشروعة في العدالة والكرامة والمساواة.

أما إن سألت عن اليسار فذاك المبحث الأشد إيلاما، أين اليسار اليوم؟

هنا لا نملك إلا أن نضحك كالمذبوح من الألم، ونحن نتذكر ما ردد إدريس لشكر يوما حين نفخ أوداجه وضرب بكفه على الطاولة مخاطبا الفلول المشترذمة المتحلقة حوله: “لو سألوكم عن اليسار فأجيبوهم نحن اليسار!”

أي يسار هذا الذي اختزل النضال في بورصة التزكيات ومسح أدبيات التحرر ليجلس على موائد الغنائم؟

***

يشعر الشعب المغربي اليوم أكثر من أي وقت مضى بيتم سياسي كامل، بينما تجد السلطة نفسها مكشوفة بلا مصدات ولا حواضن مجتمعية تحميها، أي بلا “بارشوك” يقيها الصدمات، بعدما قضت بنفسها على الأحزاب الحقيقية والنقابات التي كانت تتلقى الضربات وتلطف أثر الأزمات.

أما أولئك المحللون والمْرايقية الذين يزينون للسلطة صواب اختياراتها، ويدعون أن هذا الشعب لا يساق إلا بالعصا والقمع على طريقة العقود الماضية، فهم أبعد ما يكونون عن فهم العصر وسيكولوجية هذا الجيل… إنهم يلعبون بالنار في زمن غير الزمن، فالنيران إذا اشتعلت وأججها الغضب الدفين لن تطمئها كل أمواج المحيط.

إن التاريخ القديم والحديث مليء بالدروس والعبر، لكننا نعلم أن مسألة الاتعاظ من حقائقه ليست بالشيء السهل، ولا هي في متناول من استبدت بهم السلطة وسكرتها. لذلك نشهد اليوم هذه المهازل المأساوية تتكرر حرفيا، مصداقا لمقولة كارل ماركس الشهيرة: “التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة “.

***

يبدو أن من يحركون الحبال من خلف الستار عدمت لديهم المخيلة وتكلست أفكارهم، ولم يعد بإمكانهم تحريك خيوط بديلة غير التي بأيديهم، وإذا ما فكروا في التغيير فلن يغيروها إلا بماركة الحبال ذاتها وباستهداف الأعناق نفسها، حتى وإن عمدوا إلى مساحيق وصباغات أخرى..

إنهم يمارسون الرقص مع الذئاب” على جمر الغضب

إنه البلوكاج الحقيقي الذي يسد تدفق دماء الأمل والمستقبل في الشرايين، لكن ليس باستطاعته بأي حال صد الإعصار ولا المخاطر القادمة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!