ملاديتش وميلوشيفيتش: كيف يتحول القاتل إلى بطل؟

ملاديتش وميلوشيفيتش: كيف يتحول القاتل إلى بطل؟

من بلغراد إلى بيروت: كيف تصنع الجماعات أبطالها الخالدين؟ (الحلقة الثانية)

د. زياد منصور

       انتهت الحلقة السابقة عند جدار في بلغراد. على ذلك الجدار بقي وجه راتكو ملاديتش بعد أن انتهت الحرب، وسقطت الدولة التي عرفها، وطورد الرجل، واعتقل، وحوكم، وسجن، ثم مات. ومع ذلك بقي الوجه. وهنا كان السؤال: من الأقوى في النهاية؟ الرجل؟ الدولة؟ المحكمة؟ أم الصورة التي تحتفظ بها الجماعة عن الرجل بعد أن يصبح عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أو تغيير سيرته؟

لكن ما بدا في البداية سؤالاً صربياً لم يبق صربياً طويلاً؛ فكلما نظرت إلى ذلك الجدار في بلغراد، تذكرت جدراناً أقرب إلينا: بيروت، والجبل، والضاحية، والأشرفية، والطريق إلى المختارة، والطريق إلى الضريح. صور رجال رحلوا منذ سنوات وعقود، وما زالت وجوههم أكبر من أجسادهم، وأحياناً أكبر من الأحزاب التي أنشأوها ومن الأحداث التي عاشوها. هنا صورة كمال جنبلاط، وهناك بشير الجميل، وفي مكان آخر موسى الصدر، وفي آخر رفيق الحريري، وجورج حاوي، وحسن نصرالله.

هؤلاء رجال لا يجمعهم مشروع سياسي واحد، بل إن بعضهم كان خصماً للآخر، وبعض الجماعات التي ترفع صورة أحدهم قد تنظر بريبة أو عداء إلى صورة الآخر. وهذا بالضبط ما يجعل المقارنة مفيدة. فنحن لا نقارن بينهم لكي نقول إنهم سواء، ولا لكي نضع تاريخهم في ميزان أخلاقي واحد، ولا لكي نساوي بين أدوارهم أو مسؤولياتهم أو ظروف موتهم، بل لكي نسأل سؤالاً آخر:

كيف يتحول الإنسان إلى ذاكرة؟

وكيف تصبح صورته بعد موته جزءاً من تعريف جماعته لنفسها؟ وهل تختلف الآلية كثيراً بين صربي يرسم ملاديتش على جدار في بلغراد، ولبناني يعلق صورة زعيم مات قبل ولادته؟

من هنا تبدأ الرحلة من بلغراد إلى بيروت.

الجدار لا يقول فقط من كان الرجل

هذه أول حقيقة ينبغي الانتباه إليها. عندما ترى صورة زعيم على جدار، فإنك لا تتعلم شيئاً عن الزعيم وحده، بل تتعلم شيئاً عن صاحب الجدار، وعن الحي، وعن الجماعة، وعن التاريخ الذي تعتقد أنه تاريخها، وعن المأساة التي تعتبرها مأساتها، وعن النصر الذي تعتبره نصرها.

الصورة ليست سيرة ذاتية، بل بيان هوية. ولهذا لا يحتاج من يعلق الصورة إلى كتابة مئة صفحة تحتها؛ يكفي الوجه، فالوجه يحمل الكلمات كلها. وصورة ملاديتش عند بعض الصرب لا تقول فقط: هذا راتكو ملاديتش، بل تقول أيضاً: هذه قراءتنا للحرب، وهذا جيشنا، وهذه ذاكرة موتانا، وهذه الطريقة التي نرفض بها أن يكتب الآخرون تاريخنا بدلاً منا.

والصورة اللبنانية تعمل بالطريقة نفسها. حين تدخل إلى منطقة لبنانية وتعرف من الصور المعلقة أين أنت سياسياً وطائفياً، تكون الصورة قد قامت بوظيفتها قبل أن تتحدث إلى أحد. ففي لبنان يستطيع الجدار أن يخبرك بالسياسة أكثر مما تخبرك به بعض الصحف.

لبنان: بلد عاش الحرب ثم اختلف على معناها

ربما كان لبنان من أنسب الأماكن في العالم لفهم ما حدث للصرب بعد يوغوسلافيا، ليس لأن الحربين متشابهتان، فهما ليستا كذلك في كثير من الأسباب والبنى والنتائج، لكن لأن المجتمعين عرفا شيئاً واحداً شديد الأهمية: الحرب التي تنتهي عسكرياً ولا تنتهي في الذاكرة.

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية رسمياً، وسكتت المدافع، وحُلّت معظم الميليشيات، ودخل كثير من أمراء الحرب مؤسسات الدولة، وأعيد إعمار بيروت، ونشأ جيل لم ير الحرب. لكن لبنان لم يحصل على ذاكرة وطنية واحدة للحرب.

كل جماعة بقي لديها كتابها، وموتاها، وأبطالها، وضحاياها، وروايتها عن البداية، وروايتها عن النهاية. حتى كلمة «الحرب» نفسها تستطيع أن تحمل معاني مختلفة: هل كانت حرباً أهلية؟ حرب الآخرين على أرض لبنان؟ حرباً طائفية؟ ثورة اجتماعية؟ صراعاً فلسطينياً لبنانياً؟ تدخلاً سورياً؟ احتلالاً إسرائيلياً؟ صراعاً إقليمياً؟

الجواب يتغير بحسب صاحب الذاكرة، وهنا يبدأ الشبه مع البوسنة: الدولة واحدة، لكن الماضي متعدد.

كمال جنبلاط: كيف يصبح السياسي «المعلم»؟

اغتيل كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار سنة 1977. كان زعيماً سياسياً، ومفكراً، ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، وقائداً للحركة الوطنية اللبنانية، وابناً لبيئة درزية سياسية عريقة.

لكن هذه المعلومات لا تفسر وحدها ما حدث له بعد موته؛ فكمال جنبلاط لم يبق عند جمهوره «النائب والوزير ورئيس الحزب»، بل صار المعلم. وهذه الكلمة وحدها تخبرنا بشيء بالغ الأهمية.

فالسياسي يمارس سلطة، أما المعلم فيمنح معنى. وهنا تبدأ عملية التحول من السياسة إلى الذاكرة. عندما يُسمى الزعيم بعد موته باسم لا يصف منصبه، بل يصف علاقته الروحية أو الفكرية بجماعته، يكون قد تجاوز حدود الوظيفة.

لم تعد القضية: ماذا فعل كمال جنبلاط في حكومة كذا؟ ولا: كيف تفاوض مع خصمه في سنة كذا؟ بل أصبحت: ماذا يمثل؟ وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الخلود. فالإنسان التاريخي معقد؛ يتخذ قرارات صحيحة وخاطئة، ويتحالف وينقلب، وينجح ويفشل. أما الرمز فيُعاد بناؤه حول مجموعة محدودة من الصفات: الشجاعة، والفكر، والكرامة، والمظلومية، والموقف، والشهادة. ثم تنسحب بقية التفاصيل إلى الخلف.

الموت العنيف يحرر الزعيم من المستقبل

هذه قاعدة تكاد تتكرر في الحالات اللبنانية كلها. لو بقي كمال جنبلاط حياً، لكان اضطر إلى اتخاذ قرارات أخرى، وربما تحالف مع أناس كان يعاديهم، وربما اختلف مع حلفائه، وربما خسر، وربما أخطأ، وربما تراجع. لكن الاغتيال أوقف سيرته.

وهنا يفعل الموت العنيف شيئاً غريباً: يجمد الشخصية. فالموتى لا يتراجعون عن مواقفهم، ولا يخسرون الانتخابات، ولا يوقعون تسويات غير شعبية، ولا يظهرون في مقابلة سيئة، ولا يدخلون في فساد جديد، ولا يستطيعون إحباط أنصارهم مرة أخرى.

إنهم يتركون مهمة تحرير صورتهم للذين جاؤوا بعدهم. وهكذا يبدأ الحزب والجماعة والأسرة في اختيار اللقطة التي سيبقى عليها الرجل. والذاكرة، مثل المصور، تستطيع أن تختار الزاوية.

من المختارة إلى بلغراد

هنا نعود للحظة إلى ملاديتش. ما الذي فعله السجن بملاديتش؟ من جهة، سلبه القدرة، لكنه من جهة أخرى جمّد صورته عند أنصاره. لم يعد الرجل قادراً على أن يخوض حياة سياسية طبيعية بعد الحرب، فيتنازل ويختلف ويخطئ ويصبح شخصية يومية، بل بقي مرتبطاً باللحظة الكبرى: الحرب، والجيش، والزي العسكري، والمواجهة.

وهنا يلتقي، من زاوية الذاكرة فقط، مع كثير من الزعماء الذين ماتوا في ذروة صراعاتهم. فكلما قصر المستقبل، اتسعت مساحة الأسطورة.

بشير الجميل: المستقبل الذي لم يحدث

ربما لا توجد شخصية لبنانية تكشف هذه الآلية بوضوح مثل بشير الجميل. انتخب رئيساً للجمهورية في الحادي والعشرين من آب سنة 1982، وقُتل في الرابع عشر من أيلول، قبل أن يتسلم الرئاسة.

والفارق بين التاريخ الذي عاشه بشير الجميل والتاريخ الذي كان يمكن أن يعيشه هو أحد أسرار بقائه في ذاكرة أنصاره. فالرجل لم يحكم كرئيس، ولهذا لم يُختبر مشروعه في الرئاسة. لم يدخل القصر رئيساً لسنوات حتى يقارن اللبنانيون بين وعوده ونتائج حكمه، ولم يضطر إلى التعامل مع آلاف التفاصيل التي تلتهم صورة الزعيم بعد وصوله إلى السلطة. مات قبل ذلك.

ومن هنا ولد السؤال الذي يستطيع أن يخلّد قائداً أكثر من أي نصب:

ماذا لو عاش؟

ماذا لو وصل إلى بعبدا؟ ماذا لو حكم؟ ماذا لو استطاع بناء الدولة التي تحدث عنها أنصاره؟ ماذا لو فشل؟

لا أحد يعرف. والتاريخ الذي لم يقع مفتوح لجميع الاحتمالات، ولهذا يستطيع الأنصار أن يملؤوه بما يشاؤون.

الزعيم الذي مات قبل أن يُختبر

هناك شيء يكاد يكون أسطورياً في الشخصيات التي تموت على عتبة السلطة؛ فهي تصبح ممثلة لما كان يمكن أن يكون، لا لما كان فقط، وهذا يمنحها قوة خاصة.

الحاكم الذي يحكم عشرين سنة يترك لنا آلاف الأدلة التي نستطيع أن نقول بها: نجح هنا، وفشل هنا. أما الذي مات قبل أن يحقق مشروعه، فإنه يترك فراغاً، والفراغ هو أفضل مكان للأسطورة.

أنصار بشير الجميل لا يحتاجون إلى إثبات ما كان سيفعله رئيساً، بل يكفيهم الإيمان بالمستقبل الذي يتخيلونه له. وخصومه، بدورهم، يستطيعون تخيل مستقبل مختلف تماماً. وهكذا يعيش رجل واحد في مستقبلين لم يحدث أي منهما.

بشير عند هؤلاء وبشير عند أولئك

هنا تظهر المشكلة التي رافقت ملاديتش أيضاً. عندما نقول إن بشير الجميل بطل لدى قطاع واسع من المسيحيين اللبنانيين، لا يعني ذلك أن بقية اللبنانيين يرونه بالطريقة نفسها. فبعضهم يربط اسمه بمقاومة الوجود الفلسطيني المسلح والسوري وبالدعوة إلى دولة لبنانية قوية، وبعضهم يربطه بالحرب والميليشيا والعلاقة بإسرائيل والصراع الأهلي.

الرجل واحد، والوثائق واحدة، لكن الذاكرة تختار ترتيب الوقائع. ولذلك فإن بشير الذي تراه في الأشرفية ليس بالضرورة بشير الذي تتذكره عائلة في منطقة كانت على الجبهة المقابلة. وهذه ليست خصوصية لبنانية، بل إنها عين ما رأيناه في البوسنة.

البطل لا يعيش وحده؛ يعيش مقابل خصم

لا توجد بطولة حرب بلا خصم، وهذه مسألة غالباً ما نتجنب قولها. لكي تقول الجماعة إن قائدها أنقذها، ينبغي أن يكون هناك شيء أنقذها منه: عدو، أو احتلال، أو ميليشيا، أو جيش، أو مؤامرة، أو تهديد.

ومن هنا ترتبط بطولة الزعيم بصورة الخصم. فإذا اختفى الخصم من الذاكرة، ضعفت بعض أسباب البطولة. ولذلك تحتاج الجماعات إلى حفظ صورة «العدو» أيضاً؛ فالبطل والعدو يخلّدان أحدهما الآخر.

والأمر ينطبق على ملاديتش بطريقة واضحة. فكلما بقيت حرب البوسنة حاضرة بوصفها حرباً وجودية في ذاكرة قومية صربية، بقيت الحاجة إلى قائد يجسد الدفاع في تلك الحرب.

موسى الصدر: الغائب الذي رفضت الذاكرة أن تعتبره ميتاً

إذا كان الموت العنيف يصنع نوعاً من الخلود، فإن الغياب يستطيع أن يصنع خلوداً أكثر غرابة. فالإمام موسى الصدر لم يدخل الذاكرة اللبنانية من باب قبر معروف، بل دخلها من باب الغياب.

ذهب إلى ليبيا سنة 1978 مع الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، واختفى الثلاثة. ومنذ ذلك الوقت لم يعد السؤال حول الصدر: متى مات؟ بل: أين هو؟

وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة؛ فبين الميت والغائب فارق هائل. الميت يُودّع، أما الغائب فيُنتظر، والانتظار يُبقي الزمن مفتوحاً. كل سنة جديدة لا تضيف سنة إلى موته، بل تضيف سنة إلى غيابه.

وهكذا نشأت واحدة من أقوى صور الذاكرة السياسية في لبنان: الإمام المغيب.

الغياب يمنع إغلاق القصة

القبر يغلق شيئاً. حتى عندما يبقى الحزن، يعرف الناس أين يذهبون. أما الغائب فلا قبر له، ولا لحظة نهائية يقبل بها الجميع. القصة تظل معلقة، وهذا التعليق يمنحها قوة استثنائية.

جيل ولد بعد اختفاء موسى الصدر بعشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً يعرف وجهه، ويعرف الاسم، ويعرف العبارة، ويعرف القضية. لم يجلس إليه، ولم يسمع خطبه مباشرة، ولم يره يدخل مجلساً، ومع ذلك يشعر أن الرجل جزء من حاضره.

كيف حدث ذلك؟

لأن الجماعة نقلت الذاكرة: الصور، والخطب، والمناسبات، والأسرة، والحركة السياسية، والمؤسسات، واللغة نفسها. هذه كلها حفظت الرجل.

ملاديتش مات؛ الصدر غاب؛ والذاكرة فعلت الشيء نفسه بطريقة مختلفة

الظروف مختلفة جذرياً، لكن في مستوى آليات الذاكرة ثمة شيء مشترك: انتهاء القدرة الجسدية للرجل لم ينهِ قدرته الرمزية.

وهذا هو السؤال الذي نلاحقه منذ بلغراد: متى تصبح صورة الإنسان مستقلة عنه؟ متى لا يعود بحاجة إلى جسده؟ متى تستطيع جماعته أن تستخدم اسمه بعد عشرين وثلاثين وخمسين سنة؟

هذه اللحظة هي لحظة ولادة الرمز.

رفيق الحريري: يوم صار الموت تاريخاً سياسياً جديداً

الرابع عشر من شباط سنة 2005 لم يكن مجرد يوم اغتيل فيه رئيس حكومة لبناني سابق، بل تحول إلى لحظة أعادت ترتيب الحياة السياسية في لبنان.

فالانفجار لم يقتل رفيق الحريري وحده وآخرين معه، بل فتح مرحلة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الرجل يُقرأ كما كان يُقرأ في الثالث عشر من شباط.

وهنا نرى كيف يعيد الموت بناء السيرة بسرعة هائلة. قبل الاغتيال، كان الحريري سياسياً له خصوم، وله مشروع اقتصادي وسياسي، وله علاقات إقليمية ودولية، وله مؤيدون ينتقدونه أحياناً، وله معارضون يحملونه مسؤولية خيارات اقتصادية وسياسية. وبعد الاغتيال دخل عنصر جديد أقوى من كل ذلك: الضحية.

الشهادة تعيد ترتيب الصفحات

ليس معنى ذلك أن التاريخ السابق يختفي، لكنه يفقد موقعه القديم؛ فاغتيال السياسي يجعل لحظة موته عدسة يرى أنصاره من خلالها حياته كلها. وفجأة تصبح الخلافات الصغيرة أقل أهمية، وتتقدم إلى الواجهة صورة الوطن، وإعادة الإعمار، وبيروت، والعلاقات العربية، والمواجهة السياسية التي سبقت الاغتيال، ويبدأ الشخص عندها في التحول إلى رمز.

ثم يأتي القبر، ثم الذكرى السنوية، ثم الرايات والصور، ثم الخطاب الذي يخاطب الرجل كأنه ما زال يسمع. وهذه الطقوس لا تستعيد الماضي فقط، بل تصنع جماعة في الحاضر.

المقبرة ليست مكاناً للموت فقط

في السياسة، يستطيع القبر أن يصبح مؤسسة؛ يزوره الناس، وتُلقى عنده الكلمات، وتوضع عليه الزهور، ويتحول إلى موعد سنوي تتجمع عنده القيادة والجمهور. هنا تصبح الذاكرة جسدية؛ يمشي الإنسان إلى المكان، ويقف، وينظر إلى الصورة، ويسمع الخطاب، ثم يخرج شاعراً بأنه جزء من شيء أكبر منه. هذه هي قوة الطقس.

وقد فهمت الأحزاب والجماعات السياسية هذه القوة منذ زمن بعيد، وليس في لبنان وحده، بل في كل مكان تقريباً؛ فالنصب، والجنازة، والقبر، والذكرى، كلها أدوات لبناء الهوية.

ميلوشيفيتش وجنازته: المثال الصربي المقابل

وهنا نفهم بطريقة أفضل لماذا كانت جنازة ميلوشيفيتش حدثاً سياسياً لا عائلياً؛ فالموت أعطى أنصاره فرصة لاستعادته خارج صورة الرئيس الذي أسقطته الجماهير. لقد صار الرجل الذي مات في لاهاي، وهذه العبارة نفسها تحمل معنى سياسياً، لأن المكان أصبح جزءاً من الموت.

ولو مات ميلوشيفيتش شيخاً في منزله بعد عشرين سنة من التقاعد، لكانت ذاكرته مختلفة، لكن موته في الحجز منح مؤيديه مشهداً نهائياً يمكن إدخاله في سردية كاملة: الرئيس الذي واجه الغرب انتهى في سجن المحكمة الغربية. وهنا يصبح المكان جزءاً من الأسطورة، تماماً كما يصبح مكان الاغتيال جزءاً من ذاكرة الزعيم اللبناني.

جورج حاوي: اليسار أيضاً يملك شهداءه

من الخطأ أن نعتقد أن صناعة الذاكرة مرتبطة فقط بالطوائف أو بالحركات الدينية؛ فاليسار أيضاً يصنع ذاكرته، والقومية تصنعها، والأحزاب العلمانية تصنعها.

وجورج حاوي مثال مهم على ذلك. فقد اغتيل سنة 2005، وكان الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، وشخصية مرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية والمقاومة واليسار اللبناني. وبعد موته، لم تعد صورته ملك سيرته الفردية فقط، بل دخلت في ذاكرة جماعة سياسية كانت هي نفسها تعاني تغير العالم الذي صنعها. وهذا بُعد مهم.

فأحياناً يحتاج الحزب إلى موتاه لكي يتذكر نفسه، خصوصاً عندما يضعف حضوره في الحاضر. عندها يصبح الماضي خزينة للشرعية.

عندما تكون الصورة أقوى من الحزب

قد يصغر الحزب، وقد يتراجع جمهوره، وقد تتبدل الأيديولوجيا، لكن صورة المؤسس أو القائد أو الشهيد تستطيع أن تبقى. ويحدث ذلك لأن الصورة لا تحتاج إلى المؤسسة القديمة كلها؛ فهي تحمل اختصاراً للماضي.

ويستطيع جورج حاوي أن يبقى، عند شيوعي لبناني، رمزاً لمرحلة كان فيها اليسار قوة ضخمة، حتى لو أصبح الحزب اليوم مختلفاً عن موقعه في زمن الحرب. وهنا تكشف الذاكرة عن شيء آخر: نحن لا نخلد الأشخاص فقط، بل نخلد من خلالهم الأزمنة التي نفتقدها.

الحنين إلى الرجل قد يكون حنيناً إلى زمنه

هذه الفكرة ستصبح مركزية في الحلقة الثالثة عندما نصل إلى صدام حسين، ومعمر القذافي، وعلي عبدالله صالح، لكن جذورها موجودة هنا.

فأحياناً لا يحب الناس الزعيم لأنه كان مثالياً، بل يحبون العصر الذي ارتبط به في ذاكرتهم، أو يتخيلون ذلك العصر أكثر وضوحاً واستقراراً من الحاضر، فيصبح وجه الرجل بوابة إلى زمن مفقود. وعندما يصبح الحاضر مضطرباً، يزداد الماضي لمعاناً، حتى لو لم يكن الماضي مضيئاً كما نتذكره. فالحنين محرر شديد القسوة؛ يحذف كثيراً من التفاصيل.

حسن نصرالله: من السياسي الحي إلى الرمز بعد الموت

ثم نصل إلى حالة شديدة الحساسية وقريبة زمنياً: حسن نصرالله.

عقود طويلة كان الرجل فيها حاضراً بنفسه؛ يتحدث، ويهدد، ويفاوض من خلف المؤسسات، ويلقي الخطب، ويخوض حزبه الحروب، ويدخل في الصراعات اللبنانية والإقليمية، فيما ينقسم اللبنانيون والعرب حوله بصورة حادة.

بالنسبة إلى أنصاره، ارتبط اسمه بالمقاومة ضد إسرائيل، وانسحاب إسرائيل من معظم جنوب لبنان سنة 2000، وبالحرب مع إسرائيل سنة 2006، وبصورة قائد رفض الخضوع لقوة عسكرية أكبر. وبالنسبة إلى خصومه، ارتبط بسلاح حزب الله خارج سلطة الدولة، وبالهيمنة الإيرانية، وبالقتال في سوريا، وبصراعات داخلية لبنانية وإقليمية.

ثم قُتل، وهنا بدأ انتقال آخر: من الرجل الحي القابل للجدل السياسي اليومي إلى الرجل الميت الذي ستعيد جماعته بناءه في الذاكرة. وهذه العملية لا تزال حديثة نسبياً؛ نحن نشاهدها وهي تحدث.

ماذا يحدث للقائد فور غيابه؟

يحدث نوع من الاختصار. ففي حياته، يستطيع خصمه أن يسأل: ماذا قال أمس؟ ماذا سيفعل غداً؟ كيف رد؟ ولماذا غيّر موقفه؟

أما بعد الموت، فتبدأ الأسئلة بالتغير: ماذا كان يمثل؟ ما أهم خطاباته؟ ما اللحظة التي يجب أن تبقى منه؟ أي صورة تختار؟ وأي عبارة تكتب تحتها؟

وهنا يبدأ العمل الحقيقي للذاكرة؛ ستنتقي جماعة نصرالله من حياته ما تريد أن تورثه لأبنائها، كما ستنتقي الجماعات المناوئة له ما تعتبره الإرث الآخر. وهكذا سيظهر، كما ظهر في حالة ملاديتش، أكثر من نصرالله.

نصرالله الذي سيعرفه طفل لم يولد في زمنه

هذه هي اللحظة الأكثر أهمية؛ فالطفل الذي يولد بعد موت القائد لن يعرف الإنسان نفسه، ولن يتابع خطبه في لحظتها، ولن يعرف الخوف الذي شعر به أنصاره في حرب، ولا الغضب الذي شعر به خصومه في أزمة.

سيصل إليه التاريخ مصفى: عبر والديه، وعبر المدرسة، وعبر الحزب، وعبر الإعلام، وعبر الصور، وعبر أفلام الذكرى، وعبر الأغنية، وعبر اسم شارع أو مؤسسة أو قاعة. هنا تتحول السياسة إلى ميراث، والميراث إلى هوية.

وهذا ما حدث بالفعل مع بشير وجنبلاط والصدر

كم من شاب لبناني اليوم يقول «الشيخ بشير» وهو لم يكن موجوداً سنة 1982؟ وكم من شاب يقول «المعلم كمال جنبلاط» وهو ولد بعد اغتياله بعقود؟ وكم من شاب يعرف موسى الصدر كأنه جزء من تجربته الشخصية، بينما لم يولد أبوه ربما عندما اختفى الإمام؟

هذه ليست ظواهر غريبة، بل هي دليل على نجاح الذاكرة في عبور حاجز الموت. وعندها نفهم الجيل الصربي الذي يحمل صورة ملاديتش، ولم يسمع طلقة واحدة في حرب البوسنة.

الصورة تقوم مقام الشاهد

كان الجد يقول: رأيته. ثم مات الجد، فتأتي الصورة لتقول: ها هو.

والصورة أكثر ثباتاً من الذاكرة البشرية؛ فهي لا تشيخ، ولا تتلعثم، ولا تغير روايتها. ولهذا كانت الملصقات السياسية في لبنان مهمة إلى درجة أن الجدران تحولت، أثناء الحرب وبعدها، إلى نوع من الأرشيف الشعبي.

وجه الشهيد، ووجه الزعيم، والشعار، والألوان، واسم الحزب، وكلمة واحدة؛ كل ذلك يحول المدينة إلى كتاب مفتوح. لكن هذا الكتاب لا يقرأه الجميع بالطريقة نفسها.

بيروت مدينة الوجوه المتخاصمة

يمكن أن ترى في المدينة الواحدة صوراً لأشخاص لو عادوا إلى الحياة لكان بعضهم خصماً لبعض، وهذه إحدى مفارقات لبنان.

كل صورة تقول: هذه أرض ذاكرتي.

وهنا لا نتحدث بالضرورة عن ملكية الأرض القانونية، بل عن ملكية المعنى: من يملك تاريخ الحي؟ من مات هنا؟ من حمى الناس هنا؟ من قاتل هنا؟ من اغتيل هنا؟ وأي رواية ينبغي أن يراها الطفل وهو ذاهب إلى المدرسة؟

هذه أسئلة تبدو صغيرة، لكنها في حقيقتها أسئلة سلطة؛ فمن يملأ المجال العام يشارك في تحديد الذاكرة العامة.

الصورة السياسية ليست زينة

لهذا أخطئ عندما أتعامل مع صورة ملاديتش في بلغراد باعتبارها مجرد غرافيتي، كما أخطئ إذا تعاملت مع صورة زعيم لبناني باعتبارها ديكوراً حزبياً.

فالصورة فعل سياسي؛ تعلن بقاء الاسم، وتمنع النسيان، وتقول للخصم: لم تستطع إزالة هذا الرجل منا.

وهذا مهم خصوصاً في المجتمعات التي خسرت فيها جماعة ما حرباً، أو شعرت بأنها خسرت روايتها عن الحرب؛ فعندها تصبح الصورة تعويضاً عن خسارة أكبر.

هل يحتاج الرمز إلى الحقيقة كلها؟

لا، وهذه حقيقة غير مريحة.

فالذاكرة الجماعية لا تبني تماثيل للملفات المعقدة، بل تبنيها للأشخاص المختصرين. الرجل التاريخي يحمل تناقضات، أما البطل فيحتاج إلى وضوح.

لذلك تعيد الجماعة كتابة صاحبها بطريقة تناسب الرمز. ولا يعني هذا أنها تكذب دائماً، لكنها تنتقي، والانتقاء هو جوهر الذاكرة.

وكل واحد منا يفعل ذلك في حياته الخاصة؛ نتذكر من الأب أو الأم أو الصديق مشاهد، وتغيب أخرى. فكيف عندما تكون الجماعة هي التي تتذكر؟

لذلك لا يوجد زعيم في الذاكرة مطابق تماماً لزعيم التاريخ

كمال جنبلاط الذي عاش بين 1917 و1977 ليس مطابقاً تماماً لـ«المعلم» الذي يعيش اليوم في ذاكرة أنصاره. وبشير الإنسان ليس بشير الأيقونة. ورفيق الحريري السياسي ليس مطابقاً تماماً لرفيق الحريري الشهيد. وموسى الصدر التاريخي أصبح، بعد اختفائه، أكبر من حدود الحياة التي عاشها قبل 1978. وحسن نصرالله الذي خاض تفاصيل السياسة اليومية سيتحول تدريجياً إلى مجموعة محددة من الصور واللحظات.

وكذلك ملاديتش. وكذلك ميلوشيفيتش.

هذه ليست إهانة للذاكرة، بل هذه طبيعتها.

لكل جماعة بطلها، فهل لكل جماعة حقيقتها؟

هنا ينبغي الحذر. فإذا قلنا إن لكل جماعة ذاكرتها، فهذا لا يعني أن لكل جماعة حقائق مستقلة. وهذه نقطة مركزية.

فالحقيقة التاريخية ينبغي أن تبقى قابلة للتحقق. تاريخ الاغتيال ليس رأياً. وجود وثيقة ليس رأياً. وقوع معركة ليس رأياً. وعدد معين يمكن التحقيق فيه. لكن تفسير ذلك كله يدخل في صراع الذاكرة.

ومن هنا ينبغي أن يفصل المؤرخ بين شيئين:

تعدد الذاكرة لا يعني تعدد الحقيقة إلى ما لا نهاية.

ووجود حقيقة قابلة للتحقق لا يعني وجود ذاكرة واحدة ملزمة للجميع.

وهذه المسافة هي التي نعيش داخلها.

لماذا يغضب الناس عندما تمس صورة زعيمهم؟

لأنك، في نظرهم، لا تمس الرجل وحده، بل تمس شيئاً منهم. وهذه من أهم مفاتيح فهم التقديس السياسي.

فإذا كانت صورة كمال جنبلاط مرتبطة عند شخص بذاكرة أبيه وهويته الدرزية أو الاشتراكية، فإن إهانة الصورة لا تبدو له نقداً لشخصية تاريخية، بل تبدو إهانة لبيت كامل من المعاني.

وإذا كان بشير الجميل يمثل عند شخص صورة «لبنان الذي كان يمكن إنقاذه»، فإن مهاجمته لا تبدو نقاشاً حول 1982 فقط، بل تبدو هجوماً على معنى الوطن الذي ورثه.

وإذا كان موسى الصدر جزءاً من تحول اجتماعي وسياسي عميق في المجتمع الشيعي، فإن الرجل يصبح مرتبطاً بكرامة جماعة لا بشخصه فقط. وهكذا مع الآخرين.

ومن هنا نفهم الغضب حول ملاديتش

لماذا تتحول محاولة إزالة جدارية إلى أزمة؟ لأن الطرف المؤيد لا يرى أن خصمه يمحو مجرد وجه رجل، بل يراه يمحو رواية كاملة. وهو، في نظره، لا يقول فقط إن هذه الصورة يجب أن تزول، وإنما يقول له ضمناً: بطلك غير شرعي، وذاكرتك غير شرعية، وتاريخك غير شرعي. وهذه قراءة قد تكون مبالغاً فيها، لكنها حقيقية في وجدان من يشعر بها، ولهذا تكون محاربة الرمز بالقوة أحياناً أفضل وسيلة لإبقائه حاضراً.

من يحاول قتل الذاكرة قد يحييها

هذه مفارقة متكررة؛ فكلما شعر أتباع زعيم بأن صورته محاصرة، ازدادت قيمتها، وأصبحت الصورة الممنوعة أقوى من الصورة العادية، كما أن الاسم الذي يخشى الناس قوله قد يتحول إلى علامة مقاومة. والجدارية التي تُمحى ثم يعاد رسمها لم تعد مجرد جدارية، بل تصبح طقساً يتكرر فيه الفعل نفسه: المحو، ثم الإعادة، حتى يغدو الصراع نفسه جزءاً من معنى الرمز. وهكذا يستطيع خصم البطل، من حيث لا يدري، أن يشارك في تخليده.

هل كان اللبنانيون جميعاً يريدون هؤلاء الزعماء؟

بالطبع لا، كما لم يكن جميع الصرب مؤيدين لميلوشيفيتش أو ملاديتش. وهذه نقطة ينبغي الحفاظ عليها حتى لا نحول المجتمعات إلى كتل متجانسة، لأن لبنان متعدد إلى حد أن أحد مفاتيح فهمه هو وجود ذواكر سياسية متنافسة، بل إن داخل الجماعة الواحدة نفسها ذاكرات مختلفة.

فليس كل درزي يرى كمال جنبلاط بالطريقة نفسها، ولا كل مسيحي يرى بشير الجميل بالطريقة نفسها، ولا كل سني يرى رفيق الحريري بالطريقة نفسها، ولا كل شيعي يرى موسى الصدر أو حسن نصرالله بالطريقة نفسها. الأجيال تختلف، والمناطق تختلف، والمواقف السياسية تتغير. ومع ذلك، لا يحتاج الرمز إلى الإجماع حتى يكون رمزاً؛ إنه يحتاج فقط إلى جماعة قوية بما يكفي لحمله.

الأهم هو انتقاله من الجماعة إلى السلالة

عندما تنتقل صورة الرجل إلى الأبناء والأحفاد، يدخل الرمز مرحلة جديدة. ينشأ طفل لا يعرف لماذا عُلّقت الصورة أول مرة، لكنه يجدها موجودة في البيت. يسأل: من هذا؟ ويأتي الجواب، وهنا تبدأ الذاكرة.

قد يكون الجواب في جملة واحدة: هذا الذي حمانا. هذا الذي قتلوه. هذا الذي بنى البلد. هذا الذي قاوم. هذا الذي وقف معهم. هذا الذي لم يبعنا. وكل جملة من هذه الجمل تستطيع أن تصنع علاقة عاطفية قبل أن يقرأ الطفل كتاباً واحداً. وعندما يكبر ويبدأ القراءة، يدخل الكتاب إلى أرض مهيأة سلفاً. وهذا لا يحدث عند اللبناني فقط؛ فهكذا تنتقل كل الذاكرات القومية تقريباً.

«أبي كان معه»: أقوى من ألف كتاب أحياناً

التاريخ الأكاديمي يتعامل مع الأدلة، أما الذاكرة العائلية فتتعامل مع القرابة. «أبي قاتل معه.» «جدي عرفه.» «كان أبي في التظاهرة يوم اغتيل.» «كانت أمي في الملجأ.» هذه الجمل تمنح الماضي حرارة لا يملكها الكتاب، ولذلك يخطئ المؤرخ إذا ظن أنه يستطيع إزالة ذاكرة الجماعة بمجرد وضع مرجع على الطاولة. يمكنه أن يصحح الوقائع، لكنه يحتاج أيضاً إلى فهم العاطفة التي تحملها هذه الوقائع.

الشعوب لا تتذكر بالوثائق فقط

هذه هي نقطة التقاء بيروت وبلغراد. الوثيقة تقول: حدث كذا. أما الذاكرة فتضيف: وكنا نحن هناك. وهذه «نحن» هي المشكلة كلها، لأنه بمجرد أن تصبح الواقعة جزءاً من «نحن»، يصبح النقاش عليها نقاشاً في الهوية.

فقصف الناتو ليس حدثاً عسكرياً فقط بالنسبة إلى صربي عاشه، واغتيال الحريري ليس ملفاً قضائياً فقط بالنسبة إلى من كان في بيروت يومها، واختفاء موسى الصدر ليس ملفاً جنائياً فقط عند جماعته، واغتيال بشير ليس مجرد تاريخ في كتاب عند أنصاره، وموت ملاديتش ليس خبراً دولياً فقط لمن يراه رمزاً قومياً.

عندما يتحول السياسي إلى قريب

اللغة تكشف ذلك بوضوح: «المعلم»، «الإمام»، «الشيخ»، «السيد»، «الشهيد»، «القائد». هذه ليست دائماً أسماء وظائف، بل صيغ قرابة رمزية تقلل المسافة بين الزعيم وجماعته. فالرجل لم يعد السيد فلان في التاريخ، وإنما أصبح جزءاً من البيت السياسي، ومن هنا نفهم لماذا تبقى صور بعضهم في غرف الجلوس والمتاجر والمكاتب.

وليست المسألة دائماً دعاية مفروضة من حزب؛ فأحياناً تصبح ممارسة حميمة، يتعامل فيها الفرد مع الصورة باعتبارها جزءاً من ذاكرته الشخصية، لا مجرد إعلان سياسي.

الصورة في البيت تختلف عن الصورة على مبنى الحزب

وهذه ملاحظة مهمة؛ فإذا وضع الحزب صورة زعيمه على مقره، نفهم الأمر بسهولة، لأنها دعاية رسمية. لكن عندما يختار صاحب محل أو منزل تعليق الصورة من تلقاء نفسه، ندخل إلى مستوى آخر، لأن الرمز أصبح خاصاً وجزءاً من الهوية الشخصية.

وهنا يصبح قياس قوة الذاكرة أكثر إثارة، فالسلطة تستطيع شراء آلاف الملصقات، لكنها لا تستطيع بسهولة شراء المشاعر التي تجعل الإنسان يختار الاحتفاظ بالوجه بعد موت صاحبه بعقود.

هل كل ذلك صناعة سياسية؟

جزئياً، لكن ليس كلياً. فالأحزاب تصنع المناسبات، وتطبع الصور، وتنظم الاحتفالات، وتختار الكلمات، وتعيد إنتاج الخطب، وكل ذلك صحيح. لكن المشروع لا ينجح إذا لم يجد شيئاً في المجتمع يستجيب له؛ فلا تستطيع صنع بطل قومي من أي إنسان بمجرد طباعة مليون صورة.

ينبغي أن يجد الرمز قصة داخل الناس: خوفاً، أو انتصاراً، أو مظلومية، أو حلماً، أو حنيناً. عندها فقط تلتصق الصورة.

ميلوشيفيتش مثال مهم هنا

الدولة الصربية في عهده امتلكت أجهزة إعلام، لكن هذه الحقيقة وحدها لا تفسر لماذا بقي شيء من صورته بعد سقوط نظامه. فالدعاية الرسمية انتهت، والرجل سقط، ثم سُلّم إلى لاهاي، ثم مات.

وإذا بقيت بعد ذلك ذاكرة مؤيدة له لدى قطاع من الناس، فلا يمكن تفسيرها بالدعاية السابقة وحدها. ينبغي البحث في أشياء أخرى: قصف 1999، وكوسوفو، والشعور بالإهانة الوطنية، والحنين إلى دولة أقوى، ورفض المحكمة، وذكريات التسعينيات المتناقضة. هنا تصبح الذاكرة أعمق من الآلة الدعائية.

والشيء نفسه في لبنان

الحزب يستطيع أن يفرض صورة في حي يسيطر عليه، لكنه لا يستطيع إجبار ثلاثة أجيال على الشعور تجاه الرجل بالطريقة نفسها إذا لم تكن هناك قصة تتناقلها الأسر والمؤسسات والطقوس. ومن هنا يجب أن نميز بين التلقين والميراث، لأن كثيراً من الذاكرة مزيج من الاثنين.

الزعيم الميت مفيد للحزب الحي

هذه حقيقة سياسية أيضاً؛ فالموتى لا ينافسون القيادة الحالية، لكنهم يمنحونها شرعية. تقول القيادة: نحن ورثة فلان، نواصل الطريق، نحمل الأمانة، نحقق الوصية.

وبهذه الطريقة يتحول الرجل الميت إلى رأس مال سياسي، وكلما كان رمزه أقوى، استطاع الورثة استخدامه. وهنا نفهم لماذا تصبح معارك الإرث شديدة القسوة أحياناً: من يملك اسم الرجل؟ الحزب؟ العائلة؟ الدولة؟ الطائفة؟ الشعب؟

من يملك كمال جنبلاط؟

هل هو ملك الحزب؟ أم الدروز؟ أم اليسار اللبناني؟ أم الحركة الوطنية؟ أم الفكر السياسي العربي؟ والسؤال نفسه يمكن طرحه على موسى الصدر، وعلى بشير، والحريري، وحاوي، ونصرالله.

كلما عظمت الشخصية، زادت الجهات التي تتصارع على حق تعريفها، وهنا تنتقل الذاكرة من الوفاء إلى السياسة.

ومن يملك ملاديتش؟

جيش جمهورية صربسكا؟ صرب البوسنة؟ القوميون الصرب؟ المحاربون القدامى؟ أسرته؟ المؤرخون؟ ضحاياه؟ المحكمة؟

لا أحد يملكه وحده، ولهذا سيستمر الصراع عليه. كل طرف يملك قطعة من القصة، لكن كل طرف يريد أحياناً أن يجعل قطعته هي القصة كلها. وهنا يبدأ التزوير، ليس دائماً بإضافة أحداث كاذبة، بل أحياناً بحذف الأحداث التي تفسد صفاء الرمز.

الذاكرة تحب البطل النظيف

لكن التاريخ لا يقدم لنا بشراً نظيفين بهذه الطريقة. كل زعيم عاش الحرب دخل في تناقضاتها، وكل قائد اضطر إلى اتخاذ قرارات، وكل سياسي تحالف مع من لم يكن يتوقع التحالف معه، وكل حركة حملت داخلها خلافات.

لكن الملصق لا يستطيع أن يكتب خمس مجلدات؛ فهو يختار كلمة. ولهذا كانت الملصقات اللبنانية في زمن الحرب مهمة، لأنها لا تعرض التاريخ، بل تعرض النسخة التي تريد الجماعة أن يراها جمهورها: وجه الشهيد، والنظرة إلى الأعلى، والعلم، والسلاح، والسماء، والشعار. وهكذا يولد نموذج البطل.

الصورة تستطيع أن تجعل الموت انتصاراً

هذه إحدى أقوى وظائف ملصقات الشهداء. الرجل مات، وفي المنطق المادي هذه خسارة، لكن الصورة تقول: لم يخسر، بل استشهد. وهذه الكلمة تقلب المعنى، فيتحول الموت من نهاية إلى إثبات، ومن هزيمة إلى انتصار أخلاقي، ومن هنا يمكن للجماعة أن تستمر بعد خسارة أبنائها.

وهذا ليس خاصاً بدين أو حزب؛ فالثقافات السياسية العلمانية أيضاً استخدمت مفهوم الشهيد: القومي، والشيوعي، والمقاوم، والجندي، وكلها تستطيع تحويل الموت إلى معنى.

ماذا يحدث عندما يكون الميت قائداً؟

تتضاعف العملية، لأن القائد كان معروفاً مسبقاً، ثم يأتي موته ليضيف طبقة جديدة. لم يعد قائداً فقط، بل صار الشهيد القائد، وهنا تتضخم صورته بصورة هائلة.

فاغتيال جنبلاط لم يمح قيادته، بل أضاف إليها الشهادة في ذاكرة جمهوره. واغتيال بشير فعل الشيء نفسه بطريقة مختلفة. واغتيال الحريري أضاف إلى السياسي ورجل الدولة صورة الضحية والرمز الوطني لدى جمهوره. واغتيال حاوي نقله إلى ذاكرة الشهداء السياسية. وموت نصرالله في ضربة إسرائيلية يتيح لجمهوره وضع حياته كلها داخل سردية المقاومة والشهادة.

الموت هنا لا يضيف صفحة أخيرة فقط، بل يعيد قراءة الصفحات السابقة كلها.

ومن هنا نفهم كلمة «البطل» عند الصرب

إذا رأى الصربي المؤيد لملاديتش أن قائده حارب، ثم طورد، ثم سُجن، ثم مات في الأسر، فإن نهاية الرجل يمكن أن تعيد تفسير حياته كلها داخل تلك الجماعة. عندها يصبح السجن دليلاً على الثبات، ويصبح رفض الاعتذار دليلاً على الوفاء، ويصبح الموت بعيداً عن الوطن خاتمة مأساوية.

ولا يعني ذلك أن هذا التفسير هو التاريخ كاملاً، لكنه يفسر لماذا يستطيع الرجل أن يزداد رمزية كلما ابتعدنا عن زمن الحرب.

البعد المأساوي عنصر أساسي في البطولة

يمكن تخليد الأبطال الذين يعيشون حياة هادئة ويموتون في فراشهم، لكن الموت المأساوي يقدم للذاكرة مادة أقوى بكثير؛ فالاغتيال، والاختفاء، والسجن، والإعدام، والموت في المعركة، كلها نهايات تستطيع أن تدخل الأسطورة لأنها تعطي القصة شكلاً متكاملاً: بداية، ثم صراع، ثم تضحية، ثم نهاية. والإنسان، بطبيعته، يحب القصص المكتملة التي تمنحه إحساساً بأن الأحداث لم تكن مجرد وقائع متناثرة، بل مساراً يمكن فهمه وتأويله.

ماذا عن الضحية التي ترى في بطل الآخر قاتلاً؟

هنا نصل إلى جوهر السؤال الذي بدأناه مع ملاديتش: كيف نتعامل مع رجل تضع جماعة الزهور على صورته، بينما تشعر جماعة أخرى بالألم عندما ترى الصورة نفسها؟ ليس لدينا جواب سهل، ولا ينبغي أن نخترع واحداً. فالمؤرخ لا يستطيع أن يقول للضحية: انس ألمك لأن الرجل بطل عند خصمك، كما لا يستطيع أن يقول لأنصار الرجل: ذاكرتكم غير موجودة لأن الآخرين يكرهونه. عليه أن يحمل التناقضين معاً، وهذه أصعب وظيفة في كتابة تاريخ المجتمعات المنقسمة.

لبنان يعرف هذه المشكلة جيداً

يعرف لبنان هذه المشكلة جيداً، فكثير من شخصيات الحرب اللبنانية لا تستطيع أن تدخل جميع المناطق بالمعنى نفسه؛ فالبطل هنا يمكن أن يكون عدواً هناك، والشهيد هنا قد يكون اسمه مرتبطاً في ذاكرة أخرى بمرحلة من الخوف. وهكذا تسكن الجماعات دولة واحدة وهي تحمل خرائط أخلاقية مختلفة. وهذا لا يعني أن المصالحة مستحيلة، لكنه يعني أن المصالحة لا تبدأ بفرض بطل واحد على الجميع.

ربما لا يحتاج الوطن إلى بطل واحد

هذه فكرة تستحق التفكير، لأن الدول تحب عادة إنشاء سردية وطنية موحدة تقوم على أبطال موحدين، وأعياد موحدة، ونصب موحدة. لكن المجتمعات الخارجة من حرب أهلية قد لا تستطيع ذلك بسهولة. وربما يكون المطلوب، في مرحلة ما، ليس أن يتفق الجميع على حب الشخص نفسه، بل أن يتعلموا العيش مع حقيقة أن الذاكرة ليست واحدة، مع خط أحمر واحد: ألا تتحول الذاكرة إلى ترخيص لعنف جديد.

أن تفهم بطل خصمك لا يعني أن تحبه

وهذه قاعدة أساسية لهذه السلسلة كلها؛ إذ يمكن للبوشناقي أن يفهم لماذا يرى بعض الصرب ملاديتش بطلاً من دون أن يغير رأيه فيه، ويمكن للصربي أن يفهم لماذا لا يستطيع البوشناقي سماع الاسم بالطريقة نفسها. ويمكن للبناني أن يفهم لماذا يقدس خصمه زعيماً يرفضه هو، من دون أن يتبنى تلك القداسة. فالفهم ليس تبرئة، والفهم ليس ولاء، بل هو محاولة لمعرفة لماذا يتصرف البشر كما يتصرفون.

المؤرخ يحتاج أحياناً إلى الوقوف أمام صورة لا يحبها

هذه ربما أصعب مهنة التاريخ: أن تدخل إلى أرشيف خصمك، وأن تقرأ صحيفته، وأن تسمع أناشيده، وأن تتفحص صوره، وأن تقرأ رسائل جنوده، لا لكي تصبح واحداً منهم، بل لكي تعرف كيف كان العالم يبدو من موقعهم. فالمؤرخ الذي لا يستطيع فعل ذلك يكتب لائحة اتهام أو مديحاً، لكنه لا يكتب تاريخاً كاملاً.

من بلغراد تعلمنا أن المحكمة لا تكفي

من بلغراد تعلمنا أن المحكمة لا تكفي، ومن بيروت نتعلم أن القبر لا يكفي أيضاً؛ فموت الرجل لا يغلق سيرته، بل قد يفتحها. كل جيل يستطيع أن يعيد قراءته، وكل أزمة جديدة تستطيع أن تغير معنى الماضي. زعيم كان موضع نقد قد يعود رمزاً عندما يشعر جمهوره بالخطر، وزعيم كان بطلاً يمكن أن يبدأ جيل جديد في تفكيك صورته. فالذاكرة ليست ساكنة.

الجيل الجديد قد يتمرد على صور آبائه

وهذا احتمال ينبغي ألا ننساه، لأن ليس كل ميراث مقبولاً. قد يسأل الابن: لماذا تعلقون هذه الصورة؟ ماذا فعل فعلاً؟ وقد يقرأ مصادر أخرى، وقد يرفض قصة الأسرة، وهنا تدخل الذاكرة مرحلة الصراع داخل البيت نفسه. فالأجيال لا ترث دائماً الطاعة، بل ترث أحياناً السؤال، وهذا يحدث في صربيا ولبنان معاً.

لكن حتى التمرد دليل على بقاء الرجل

إذا اضطر الشاب إلى تمزيق صورة زعيم جده، فهذا يعني أن الزعيم ما زال موجوداً؛ فالنسيان وحده يمحو، أما الصراع فيحفظ. ولذلك تستطيع شخصية أن تعيش عبر حب أنصارها وكره خصومها معاً، لأن كليهما يعيد الاسم إلى التداول.

ربما لهذا كان ملاديتش عصياً على الموت الرمزي

ربما لهذا كان ملاديتش عصياً على الموت الرمزي؛ فأنصاره يريدون حفظه، وخصومه يحتاجون إلى تذكره لأسباب أخرى، والنتيجة أن الطرفين يمنعان النسيان. هو حاضر في ذاكرة البطل، وحاضر في ذاكرة الضحية، والشخصية التي تسكن الذاكرتين معاً تصبح أكثر رسوخاً من الشخصية التي يتفق الجميع عليها ثم يتوقفون عن الحديث عنها.

وهذا ما يجعل بعض الزعماء خالدين حقاً

بعض الزعماء يصبحون خالدين حقاً، ليس لأنهم كانوا محبوبين من الجميع، بل لأنهم أصبحوا ضروريين لقصتين متعارضتين؛ يحتاجهم أنصارهم لكي يقولوا: هذا نحن، ويحتاجهم خصومهم لكي يقولوا: هذا ما حدث لنا. وهكذا يعيش الرجل بين الهوية والجرح. ملاديتش نموذج واضح لذلك، وبعض زعماء لبنان أيضاً دخلوا بدرجات مختلفة هذا النوع من الحياة الثانية.

هل تستطيع الدولة بناء ذاكرة مشتركة فوق ذلك؟

ربما تستطيع الدولة بناء ذاكرة مشتركة فوق ذلك، ولكن بشرط ألا تبدأ بالكذب. فلا تستطيع أن تقول للجميع: لم يقع شيء، ولا أن تقول: كان الجميع متشابهين تماماً، ولا أن تقول: لم يكن هناك معتدون وضحايا في لحظات محددة. فالمصالحة ليست مساواة زائفة، بل قدرة على الاعتراف بالتعقيد من دون تحويله إلى حرب جديدة.

لبنان لم يغلق بعد هذا الملف

لبنان لم يغلق بعد هذا الملف، ولهذا تبقى الصور، وتبقى أسماء الشوارع، وتبقى الذكريات، وتبقى المناسبات، ويبقى النقاش حول الحرب، ويبقى السؤال عن المفقودين، وتبقى الروايات المختلفة. وكأن البلد الذي أعاد بناء الكثير من حجارة بيروت لم يستطع بعد بناء مبنى واحد لذاكرته، ولعل ذلك مستحيل أصلاً.

وصربيا والبوسنة تعرفان الإحساس نفسه

وصربيا والبوسنة تعرفان الإحساس نفسه؛ فهناك أيضاً صور، ومقابر، ونصب، وذكريات، وخرائط، وأسماء، وقادة، وكل جماعة تمارس عملية الحفظ. ومن هنا لم يعد الانتقال من بلغراد إلى بيروت غريباً كما بدا في البداية. لم نكن نقارن الحروب، بل كنا نقارن الإنسان بعد الحرب.

والإنسان يبدو متشابهاً بصورة مدهشة

والإنسان يبدو متشابهاً بصورة مدهشة؛ فهو يحتاج إلى معنى لموت أحبائه، ويحتاج إلى تفسير للهزيمة، ويحتاج إلى قصة للنصر، ويحتاج إلى اسم يختصر المرحلة، ويحتاج إلى صورة يقول أمامها: لم يكن كل ما فعلناه عبثاً. ومن هنا يولد البطل: أحياناً من الانتصار، وأحياناً من الهزيمة، وأحياناً من السلطة، وأحياناً من السجن، وأحياناً من القبر، وأحياناً، كما في موسى الصدر، من غياب القبر نفسه.

ولهذا لا يموت الزعيم عندما يموت

ولهذا لا يموت الزعيم عندما يموت؛ يموت الجسد، ثم يبدأ التفاوض حول المعنى. الحزب يقول شيئاً، والأسرة شيئاً، والخصم شيئاً، والضحية شيئاً، والدولة شيئاً، والمؤرخ شيئاً، والأجيال التالية تختار مما تركه الجميع. هذه هي الحياة الثانية.

ولكن هناك نوعاً آخر من الخلود لم نصل إليه بعد

في لبنان كان كثير من رجال هذه الحلقة ضحايا اغتيال أو اختفاء أو حرب، لكن ماذا عن الحاكم الذي حكم بلداً كاملاً عقوداً؟ ماذا عن الحاكم الذي أسقطته ثورة أو حرب أو تدخل أجنبي؟ وماذا عن الحاكم الذي كان في حياته متهماً بالاستبداد، ثم وجد بعد موته من يعلق صورته من جديد؟ ماذا يحدث عندما لا يكون الحنين إلى الرجل وحده، بل إلى الدولة التي كانت موجودة في عهده؟

هنا ننتقل إلى مستوى آخر من الذاكرة؛ ليس فقط: «كان بطلنا»، بل: «انظروا ماذا أصبح بلدنا بعده». وهذه العبارة تستطيع أن تعيد كتابة سيرة كاملة.

من بيروت إلى بغداد

صدام حسين، الرجل الذي ملأ العراق بصوره وهو حي، ثم أسقطت تماثيله أمام الكاميرات، ثم اعتقل، ثم حوكم، ثم أعدم. كان يفترض، في منطق سقوط الأنظمة، أن تكون تلك نهاية الصورة، لكن الصورة عادت في أماكن لم يتوقعها كثيرون.

ليس عند جميع العراقيين بالطبع، فذاكرة ضحايا حكمه لا تختفي. لكن في العراق وفي أجزاء من العالم العربي ظهر صدام آخر: الرجل الذي تحدى الولايات المتحدة، والرئيس الذي أطلق الصواريخ باتجاه إسرائيل، والرجل الذي وقف أمام المشنقة بصورة قرأها مؤيدوه باعتبارها ثباتاً. كيف حدث هذا التحول؟

ثم طرابلس

معمر القذافي: اثنان وأربعون عاماً من الحكم، ثم سقوط مدوٍ، ثم موت عنيف، ثم دولة كان كثيرون يتوقعون أن تصبح بعده أكثر حرية وازدهاراً. لكن سنوات الانقسام والحروب والميليشيات والحكومات المتنافسة جاءت بعد ذلك، وهنا بدأ سؤال لا يحبه المنتصرون: هل كان كل الماضي أسوأ من الحاضر؟ وهذا السؤال وحده يستطيع أن يعيد زعيماً ميتاً إلى الحياة السياسية.

ثم صنعاء

علي عبدالله صالح، الرئيس الذي حكم اليمن عقوداً، خرجت ضده انتفاضة، وغادر الرئاسة، ودخل في تحالفات جديدة، ثم قُتل. وبقي اليمن، لكن أي يمن؟ حرب، وانقسام، ودمار، وأزمة إنسانية.

وهنا يعمل الحنين بالطريقة نفسها؛ فهو لا يسأل دائماً هل كان الرجل صالحاً، بل يسأل: هل كانت الدولة في زمنه أكثر وجوداً مما هي اليوم؟

وهنا سنكتشف شيئاً أخطر من تمجيد الزعماء

وهنا سنكتشف شيئاً أخطر من تمجيد الزعماء، وهو أن الحاضر يستطيع تبييض الماضي، ليس لأن الماضي تغير، بل لأن معيار المقارنة تغير. فإذا قارنت حاكماً مستبداً بالديمقراطية المثالية، يبدو سيئاً؛ أما إذا قارنه شخص بدولة منهارة وحرب أهلية وجوع، فقد يبدأ في رؤيته بطريقة أخرى. وهنا يولد الحنين السياسي.

وعندها سنعود للمرة الثالثة إلى ميلوشيفيتش

وعندها سنعود للمرة الثالثة إلى ميلوشيفيتش، لأنه أيضاً يمكن قراءته بهذه العدسة، ليس عند جميع الصرب بالطبع، لكن عند بعضهم يمكن أن تصبح المقارنة: صربيا القوية أم صربيا التابعة؟ يوغوسلافيا أم التفكك؟ السيادة أم ضغوط الغرب؟ حتى لو كانت سنواته نفسها مليئة بالحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي.

فالذاكرة لا تقارن دائماً بطريقة عادلة، بل تقارن بحسب احتياجات الحاضر.

وسنعود إلى ملاديتش أيضاً

وسنعود إلى ملاديتش أيضاً لنسأل: هل بعض الحنين إليه حنين إلى زمن كانت فيه القضية الصربية في البوسنة قضية حرب واضحة بالنسبة إلى أنصاره، بينما يبدو العالم السياسي اليوم أكثر تعقيداً؟ وهل يصبح الجنرال القديم رمزاً للوضوح الذي يفتقده الناس في السياسة الحديثة؟

القائد يعرف العدو، ويعرف الجبهة، ويعرف الأمر، أما السياسي المعاصر فيساوم. وهذا قد يفسر جزءاً من جاذبية الرجال العسكريين بعد انتهاء الحروب.

من الجدار إلى الدولة

في الحلقة الأولى بدأنا بصورة ملاديتش على الجدار، وفي هذه الحلقة رأينا كيف ملأت صور القادة جدران لبنان، وكيف استطاعت أن تبقي الموتى أحياء في السياسة. لكن الحلقة المقبلة ستسأل سؤالاً أشد قسوة: ماذا إذا لم يكن الناس يشتاقون إلى الصورة وحدها؟ ماذا إذا اشتاقوا إلى الدولة التي كانت وراءها؟ وماذا إذا أصبح خراب الحاضر أفضل دعاية للحاكم الذي أسقطه الناس بالأمس؟

عندها لا يعود الحنين مجرد وفاء لشخص، بل يصبح حكماً على التاريخ. وهنا يدخل صدام حسين، ومعمر القذافي، وعلي عبدالله صالح. ثم نعود في النهاية إلى الرجلين اللذين بدأ منهما كل شيء: راتكو ملاديتش وسلوبودان ميلوشيفيتش.

لنكتشف هل كانا استثناء صربياً حقاً، أم أن صربيا لم تقدم لنا إلا نسخة أوروبية من ظاهرة إنسانية أوسع بكثير. فالزعيم لا يعيش بعد موته لأنه يستطيع العودة، بل لأن الأحياء لا يتوقفون عن استخدامه لكي يفسروا أنفسهم. وهذه، ربما، هي السلطة الأخيرة التي يمتلكها الموتى على الأحياء. (يتبع)

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!