أوكرانيا رأس الحربة: أوروبا وحرب استنزاف روسيا وحدود الرد الروسي
د. زياد أسعد منصور
لم تعد الحرب في أوكرانيا، بعد سنوات من اندلاعها، قابلة للفهم بوصفها مواجهة عسكرية ثنائية بين روسيا وأوكرانيا وحدهما. فالدولة الأوكرانية تخوض الحرب بجيشها وجنودها وعلى أرضها، وتمتلك إرادة سياسية وعسكرية خاصة بها، لكن القدرة التي تسمح لها بخوض حرب صناعية طويلة ضد دولة بحجم روسيا لم تعد تتكون من الموارد الأوكرانية الذاتية وحدها. خلف كييف قامت منظومة واسعة من التمويل والتسليح والذخيرة والتدريب والدفاع الجوي والصواريخ والمسيّرات والتكنولوجيا والتعاون الصناعي والعسكري الغربي، حتى أصبح الفصل بين «القدرة الأوكرانية» والبنية الغربية التي تسندها أكثر صعوبة عامًا بعد عام.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر جدية ليس ما إذا كان الأوكرانيون يقاتلون، بل: أي حرب كانت أوكرانيا قادرة على خوضها لو نزعت من المعادلة هذه المنظومة الغربية؟ لا توجد وسيلة علمية للجزم بأنها كانت ستنهار خلال يومين أو أسبوع أو شهر إذا انقطع الدعم الخارجي كله بصورة مفاجئة، لكن من الصعب كذلك تصور قدرتها على المحافظة على المستوى الحالي من الحرب الطويلة من دون عشرات المليارات من التمويل، والذخائر والصواريخ والدفاعات الجوية والتدريب والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد الخارجية.
وهنا تظهر بريطانيا وألمانيا وفرنسا. فالولايات المتحدة كانت اللاعب الخارجي الأثقل في مراحل أساسية من الحرب، لكن انتقال نسبة متزايدة من العبء إلى أوروبا كشف بصورة أوضح بنية أوروبية لإدامة القدرة العسكرية الأوكرانية. وداخل هذه البنية تؤدي بريطانيا وألمانيا دورين شديدي الأهمية، فيما تتحرك فرنسا في الاتجاه نفسه، وإن بوزن وأسلوب مختلفين.
بريطانيا: الحرب التي بدأت قبل عام 2022
لا تبدأ قصة الدور البريطاني في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022. فمنذ ما بعد أحداث 2014 شرعت لندن في بناء علاقة عسكرية متنامية مع كييف، شملت تدريب القوات الأوكرانية والمساعدة في تطوير قدراتها. وبذلك سبقت بريطانيا دولًا غربية عديدة في التعامل مع أوكرانيا باعتبارها جزءًا من معادلة أمنية طويلة المدى في مواجهة روسيا.
ثم جاءت الحرب الشاملة لتدفع العلاقة إلى مستوى مختلف. فالتدريب أصبح يشمل عشرات الآلاف من العسكريين، والمساعدات تحولت إلى صواريخ وذخائر ومسيّرات ومعدات، قبل أن تنتقل العلاقة مرة أخرى من مجرد تسليم السلاح إلى مستوى أكثر عمقًا.
التكامل بين الخبرة القتالية الأوكرانية والصناعة العسكرية البريطانية
وبحلول يوليو/تموز 2026 كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث عن أكثر من 250 ألف مسيّرة و8 آلاف صاروخ و350 ألف قذيفة مدفعية قدمتها بريطانيا، إضافة إلى تدريب أكثر من ستين ألف عسكري أوكراني. غير أن الأهم من الأرقام قوله إن فنيين تابعين لشركات بريطانية يعملون مع القوات الأوكرانية خلف خط الجبهة مباشرة، ويراقبون أداء المنظومات الجديدة في الظروف القتالية، بحيث تنتقل الخبرة من الميدان إلى دوائر التطوير والتصنيع.
وهكذا لم تعد العلاقة تسير في اتجاه واحد من المصنع البريطاني إلى الجبهة الأوكرانية. فقد تشكلت دائرة تبدأ من ساحة المعركة، حيث تتولد الخبرة والبيانات والمشكلات العملياتية، ثم تنتقل إلى الفني والمصمم والمصنع، قبل أن تعود إلى الميدان في صورة منظومة معدلة أو أكثر ملاءمة لظروف الحرب. وبذلك أصبحت أوكرانيا، إلى جانب كونها ساحة حرب، مختبرًا قتاليًا واسعًا تستفيد منه الصناعة العسكرية البريطانية نفسها.
وهنا أكثر دقة القول إن «المسيّرات الأوكرانية بريطانية». فأوكرانيا لم تستطيع تطوير صناعة مسيّرات واسعة وخبرة محلية حقيقية، دون بريطانيا التي دخلت في منظومة متشابكة معها تشمل التمويل والتطوير والإنتاج والاستفادة من بيانات المعركة. وبالتالي يصبح السؤال عن جنسية المسيّرة أقل أهمية من السؤال عن الشبكة الصناعية والتكنولوجية التي مولتها وطورتها واختبرتها.
ألمانيا: من اقتصاد السلام إلى اقتصاد الردع
إذا كانت بريطانيا تتميز بالخبرة الاستخباراتية والعسكرية والتكنولوجية وبقدرتها التقليدية على بناء التحالفات، فإن ألمانيا تدخل المعادلة بثقل مختلف: المال والصناعة والجغرافيا القارية.
فألمانيا التي بنت جانبًا مهمًا من نموذجها بعد الحرب الباردة على التجارة والانفتاح الاقتصادي والعلاقات الواسعة مع روسيا تحولت بعد 2022 إلى أحد أكبر ممولي أوكرانيا ومسلحيها في أوروبا. وبحلول 2026 كانت الحكومة الألمانية تتحدث عن عشرات المليارات من اليورو من المساعدات المدنية والعسكرية، فيما انتقلت العلاقة تدريجيًا إلى التعاون في الذخائر والدفاع الجوي والمسيّرات والقدرات بعيدة المدى والبحث والتطوير والإنتاج المشترك.
إنه تحول تاريخي يتجاوز أوكرانيا نفسها. فالحرب أعادت مسألة القوة العسكرية إلى قلب السياسة الألمانية، ودفعت برلين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع صناعتها العسكرية والبحث عن قدرة أكبر على خوض حرب أوروبية طويلة إذا اقتضى الأمر.
ولا يحتاج فهم خطورة هذا التحول بالنسبة إلى موسكو إلى تشبيه ألمانيا الاتحادية بألمانيا النازية، وهو تشبيه يضعف الحجة أكثر مما يقويها. الأهم أن دولة ألمانية ظلت لعقود شديدة الحساسية تجاه استخدام القوة تعيد بناء قدرتها العسكرية، وتدخل بصورة متزايدة في تشكيل ميزان القوى شرق أوروبا، بينما تكون روسيا الطرف الذي يتركز عليه جزء أساسي من هذا التحول.
الدبابات الألمانية تعود إلى البلطيق
تظهر الدلالة الاستراتيجية للتحول الألماني بصورة أوضح في ليتوانيا، حيث أنشأت برلين اللواء المدرع الخامس والأربعين «ليتوانيا»، الذي يفترض أن يصل عند اكتماله إلى نحو خمسة آلاف عسكري ومدني ألماني في انتشار دائم. ولا يتعلق الأمر بوحدة رمزية، بل بتشكيل ثقيل يضم الدبابات والمشاة المدرعة والمدفعية والاستطلاع والهندسة والإمداد والاتصالات، وتدخل دبابات ليوبارد 2 ومركبات القتال المدرعة بوما في بنيته.
وتجعل الجغرافيا الأمر أكثر أهمية. فاللواء يتمركز في ليتوانيا بالقرب من بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد الروسية، وعلى مقربة من ممر سوالكي، الوصلة البرية الحساسة بين بولندا ودول البلطيق. ومن منظور حلف شمال الأطلسي يمثل الانتشار إجراءً دفاعيًا وردعيًا لحماية دولة عضو. لكن المشكلة الكلاسيكية في العلاقات الدولية أن ما يسميه طرف «ردعًا دفاعيًا» قد يراه الطرف المقابل تراكمًا عسكريًا يجب الاستعداد لمواجهته.
ومن موسكو لا تظهر هذه الوقائع منفصلة بعضها عن بعض. فألمانيا تزيد إنفاقها العسكري، وتقدم عشرات المليارات إلى أوكرانيا، وتدخل معها في تعاون صناعي دفاعي، وفي الوقت نفسه تنقل قوة ألمانية ثقيلة بصورة دائمة إلى البلطيق بالقرب من المجال الروسي. ومن غير الواقعي مطالبة المخطط العسكري الروسي بأن يفصل هذه التطورات أو يتعامل معها باعتبارها بلا دلالة أمنية.
وهنا تستعيد الجغرافيا ذاكرتها الثقيلة. فالمجال الممتد من ألمانيا وبولندا إلى البلطيق وبيلاروسيا وروسيا شهد بعض أكثر الحروب دموية في التاريخ الأوروبي. ولا يعني ذلك أن التاريخ يعيد نفسه أو أن ألمانيا الحالية هي ألمانيا الأربعينيات، بل يعني أن الجغرافيا العسكرية القديمة تعود إلى مركز السياسة الأوروبية في صورة جديدة.
فرنسا: الدور الثالث الذي لم يعد خجولًا
فرنسا أقل وزنًا من ألمانيا في بعض جوانب التمويل، وأقل اندفاعًا من بريطانيا في بعض جوانب العلاقة العسكرية مع كييف، لكنها ليست متفرجًا. فقد قدمت باريس طائرات ميراج 2000-5 ومدافع قيصر وذخائر ومعدات مختلفة، وشاركت بصورة واسعة في تدريب القوات الأوكرانية، بما في ذلك تدريب لواء أوكراني بواسطة نحو 1500 عسكري فرنسي.
كما انتقلت العلاقة إلى التعاون الصناعي، مع عشرات الاتفاقات في مجالات المدفعية والمسيّرات والحرب الإلكترونية والمركبات والتطوير التكنولوجي. وتحتفظ فرنسا كذلك بوجود عسكري على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، ومنها إستونيا، فيما تقود مع بريطانيا «تحالف الراغبين» والتخطيط للترتيبات الأمنية التي يمكن أن تعقب وقفًا لإطلاق النار في أوكرانيا.
وهكذا لا تظهر فرنسا باعتبارها القوة القائدة للمواجهة الأوروبية مع روسيا، لكنها تتحرك داخل الاتجاه الاستراتيجي نفسه. والنتيجة مثلث بريطاني ـ ألماني ـ فرنسي غير متساوي الأضلاع، لكنه يشترك في بناء قدرة أوروبية تسمح باستمرار أوكرانيا في الحرب، وتوسع في الوقت نفسه القدرات العسكرية الأوروبية.
أوكرانيا رأس الحربة
من هنا يصبح وصف أوكرانيا بأنها رأس الحربة وصفًا لبنية القوة، لا إنكارًا لوجود الدولة الأوكرانية أو إرادة مجتمعها. فالجندي الذي يموت في الخندق أوكراني، والمدن التي تتعرض للدمار أوكرانية، والأرض التي تجري عليها الحرب أوكرانية، لكن القدرة على خوض حرب صناعية طويلة لا تأتي من أوكرانيا وحدها.
إنها نتيجة تفاعل القدرة البشرية والجغرافية الأوكرانية مع التمويل والتكنولوجيا والتدريب والصناعة الغربية. وهذا يفسر لماذا أصبحت الحرب بالنسبة إلى روسيا أكبر من أوكرانيا نفسها، ولماذا تنظر موسكو إلى لندن وبرلين وباريس باعتبارها أطرافًا استراتيجية في البيئة التي تنتج القوة العسكرية المقابلة، حتى عندما لا تكون هذه الدول أطرافًا محاربة مباشرة بالمعنى القانوني.
من تشرشل إلى ستارمر: استمرارية توازن القوى
يمكن هنا فهم ما قد يسمى «ذهنية تشرشل» الذي تنتقده روسيا في السياسة البريطانية. فالمسألة ليست أن كير ستارمر أو غيره نسخة من ونستون تشرشل، وإنما أن السياسة البريطانية تمتلك تقليدًا تاريخيًا أقدم يقوم على توازن القوى ومنع قوة قارية واحدة من إعادة تشكيل أوروبا بطريقة تهدد المصالح البريطانية.
ولهذا لم تكن بريطانيا معادية لروسيا بصورة ثابتة. فقد تحالفت معها عندما كان نابليون الخطر الأكبر، ثم تحالفت معها عندما أصبحت ألمانيا القيصرية وبعدها ألمانيا النازية التهديد الأكبر. لكنها عادت إلى موازنة روسيا عندما أصبحت القوة الروسية نفسها المشكلة الاستراتيجية الرئيسية.
ولعل المثال الأكثر إثارة ما حدث سنة 1945. فبعد أن خاض البريطانيون والسوفييت حربًا مشتركة ضد هتلر، أمر تشرشل بدراسة إمكانية مواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي فيما عرف باسم “العملية غير القابلة للتصور”. لم تنفذ الخطة، لكنها تكشف منطقًا ثابتًا: لا تحالف أبديًا ولا خصومة أبدية، بل ميزان قوة ومصلحة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة السياسة البريطانية الحالية تجاه أوكرانيا بوصفها تطبيقًا حديثًا لمنطق قديم بأدوات مختلفة. فليس ضروريًا إرسال جيش بريطاني ضخم ليقاتل روسيا مباشرة ما دامت هناك دولة محلية راغبة في القتال ويمكن دعمها بالمال والسلاح والتكنولوجيا والتدريب والصناعة، وبذلك ترتفع تكلفة استخدام القوة الروسية من دون دخول بريطانيا رسميًا في حرب مباشرة معها.
عندما تصبح الانتخابات جزءًا من الحرب
وتزداد المفارقة عندما ننظر إلى اتهامات التدخل في الانتخابات. فقد اتهمت بريطانيا جهات روسية بمحاولات للتأثير في بيئتها السياسية، واتهمت فرنسا شبكات مرتبطة بروسيا بعمليات معلوماتية استهدفت المجال العام والسياقات الانتخابية. وإذا ثبت تدخل سري من دولة أجنبية في انتخابات دولة أخرى، فمن الطبيعي أن تعتبره الدولة المستهدفة قضية سيادة وأمن قومي.
لكن روسيا تستطيع طرح السؤال نفسه في الاتجاه المعاكس، ولا سيما بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2026. فقد تزامن اليوم الأخير من انتخابات مجلس الدوما مع موجة ضخمة من الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات. ووفق السلطات الروسية، جرى اعتراض أكثر من 1600 مسيّرة على مختلف المحاور منذ 19 سبتمبر، بينها نحو 450 كانت متجهة إلى موسكو، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1110 مسيّرات خلال ليلة واحدة فوق مناطق متعددة.
واتهم عمدة موسكو سيرغي سوبيانين الجانب الأوكراني بمحاولة تعطيل الانتخابات، بينما تحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن نجاح الضربات بعيدة المدى في استهداف منشآت نفطية ولوجستية. ولذلك ينبغي الفصل بين أمرين: تزامن الهجوم الكبير مع الانتخابات ثابت، أما القول إن تعطيل التصويت كان الهدف العملياتي المقصود فيبقى اتهامًا روسيًا ما لم تظهر أدلة مستقلة تثبت النية.
وفي المجال الإلكتروني قالت لجنة الانتخابات المركزية الروسية إنها تعرضت لأكثر من ألف موجة من هجمات حجب الخدمة خلال فترة التصويت، وإن البنية المعلوماتية المرتبطة بالانتخابات والتصويت الإلكتروني تعرضت لضغوط واسعة. ونسبت السلطات الروسية مصادر جانب من النشاط إلى الخارج، وذكرت أوكرانيا وبريطانيا ودولًا أخرى، لكنها قالت في الوقت نفسه إن الهجمات أُحبطت ولم تغير سير التصويت. ولا يكفي الاتهام الرسمي وحده لإثبات أن حكومة أجنبية أمرت بتلك الهجمات، ولذلك ينبغي عدم تجاوز ما تسمح به الأدلة.
لكن المفارقة السياسية تبقى قائمة. فإذا كان التأثير الخارجي في البيئة السياسية البريطانية أو الفرنسية يعد مسألة سيادة وأمن قومي، فمن الطبيعي أن تعتبر موسكو الهجمات العسكرية والإلكترونية الواقعة أثناء عملية انتخابية روسية مسألة أمن قومي كذلك. ولا يعني ذلك أن الحالتين متطابقتان قانونيًا، وإنما يعني أن حرمة العملية السياسية لا ينبغي أن تتغير بحسب هوية الدولة التي تجري فيها الانتخابات.
القانون الدولي ومشكلة المعايير المزدوجة
تستند الدول الغربية إلى القانون الدولي في إدانة استخدام روسيا القوة ضد أوكرانيا، لكن سجل العقود السابقة يجعل خطابها عرضة لاتهام المعايير المزدوجة. فقصف يوغوسلافيا سنة 1999 جرى من دون تفويض صريح من مجلس الأمن باستخدام القوة، فيما أثار غزو العراق سنة 2003 اعتراضًا قانونيًا دوليًا واسعًا على الأساس الذي استخدم لتبريره.
لكن الحجة الروسية الأكثر تماسكًا ليست أن خرق القانون من جانب دولة غربية يمنح روسيا حق خرقه بدورها؛ فهذا المنطق يهدم القانون الدولي نفسه. الحجة الأقوى هي المطالبة بقاعدة واحدة تطبق على الجميع: إذا كانت السيادة قاعدة فهي قاعدة في بلغراد وبغداد وكييف وموسكو، وإذا كان استخدام القوة يحتاج إلى أساس قانوني فلا ينبغي أن يتغير هذا الأساس بحسب هوية الدولة التي تستخدم القوة.
وهكذا تصبح المشكلة قضية مصداقية للنظام الدولي نفسه. فالدولة التي تطالب خصمها بالالتزام بقواعد لم تلتزم هي بها في حالات سابقة تضعف حجتها السياسية، حتى وإن كانت أخطاء الماضي لا تلغي القواعد القانونية القائمة في الحاضر.
أين ينتهي الدعم وتبدأ المشاركة؟
هذه إحدى أكثر المسائل حساسية في العلاقة بين روسيا والدول الغربية. فإرسال المال والسلاح إلى دولة متحاربة لا يجعل الدولة الموردة تلقائيًا طرفًا مباشرًا في النزاع المسلح، لكن المسألة تصبح مختلفة إذا تجاوز دورها نقل السلاح إلى المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى موسكو ليس العلم المرسوم على الصاروخ، وإنما سلسلة القرار التي أدت إلى إطلاقه. والأهم يبقى هو بمن اكتشف الهدف؟ ومن حدد إحداثياته؟ ومن قدم المعلومات الآنية؟ ومن خطط للمهمة؟ ومن برمج المنظومة؟ ومن اختار توقيت الضربة؟ ومن شغل السلاح في النهاية؟
كلما اقتصر الدور الغربي على صناعة السلاح وتسليمه بقيت الحالة مختلفة عن المشاركة المباشرة في العمل القتالي، وكلما اقترب الدور من تحديد الأهداف والتخطيط والتنفيذ ازدادت صعوبة المحافظة على الفصل التقليدي بين «الداعم» و«المشارك». وهذه مسألة ينبغي إثباتها حالة بحالة، لأن الانتقال من الشبهة السياسية إلى الاتهام القانوني يحتاج إلى أدلة، لا إلى الاستنتاج من جنسية السلاح وحدها.
هل يحق لروسيا أن ترد؟
لروسيا، مثل غيرها من الدول، حق الدفاع عن نفسها واتخاذ الإجراءات المشروعة لحماية أمنها ومصالحها، لكن هذا الحق لا يجعل كل وسيلة تستطيع استخدامها مشروعة تلقائيًا. وهنا ينبغي الفصل بين القوة والانتقام. فروسيا تستطيع عسكريًا إحداث أضرار جسيمة بخصومها، وهي قوة نووية كبرى، لكن الاستراتيجية لا تقاس بقدرة الدولة على التدمير، وإنما بقدرتها على استخدام عناصر قوتها بطريقة تحقق هدفها السياسي ولا تمنح الخصم نتيجة أفضل مما كان يملك قبل الرد.
ولهذا فإن السؤال الروسي الأكثر أهمية ليس: “كيف نضرب بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا؟”، وإنما، أين تستطيع روسيا رفع تكلفة السياسة التي تتبعها هذه الدول إلى الحد الذي يدفعها إلى إعادة الحساب؟
الرد الأول: جعل الحرب أكثر كلفة في ميدانها
إذا كانت أوروبا تستثمر ملياراتها في رفع قدرة الجيش الأوكراني، فإن الميدان الأول للمنافسة هو المكان الذي صممت هذه الأسلحة من أجله. تستطيع روسيا تطوير دفاعاتها الجوية وحربها الإلكترونية وقدرات التشويش ومكافحة المسيّرات وتحسين قدرتها على تحييد المنظومات العسكرية المستخدمة ضد قواتها ضمن قواعد النزاع.
فإذا احتاجت أوروبا كل عام إلى إنفاق موارد أكبر للحصول على النتيجة العسكرية نفسها، تكون استراتيجية الاستنزاف قد بدأت تعمل في الاتجاهين. وكل منظومة غربية تفشل في تحقيق الغاية التي صممت من أجلها تمثل مشكلة عسكرية وصناعية للدولة المنتجة، لا مجرد خسارة ميدانية أوكرانية.
الرد الثاني: البلطيق وكالينينغراد
إذا كان تمركز قوة ألمانية ثقيلة في ليتوانيا جزءًا من سياسة الردع الأطلسية، فمن الطبيعي أن يدخل هذا الوجود في التخطيط الدفاعي الروسي. وتستطيع موسكو تعزيز دفاعاتها الجوية والإلكترونية والتقليدية داخل أراضيها، ولا سيما في كالينينغراد وشمال غرب روسيا، بحيث تصبح أي عملية عسكرية افتراضية ضدها أكثر كلفة وتعقيدًا.
وهنا يجب التمييز بين الردع والدخول في الحرب. فتعزيز روسيا قواتها داخل أراضيها رد على تغير البيئة العسكرية، أما مهاجمة ليتوانيا أو ألمانيا فمسألة مختلفة جذريًا قد تعني مواجهة مباشرة مع حلف شمال الأطلسي. الدولة القوية ليست التي تختار دائمًا أقصى درجات التصعيد، وإنما التي تجعل الخصم يعلم أن تكلفة التصعيد أكبر من فائدته.
الرد الثالث: الشمال والقطب الشمالي
تمتلك روسيا جغرافيا لا تستطيع أوروبا تغييرها. فهي أكبر دولة مطلة على المحيط المتجمد الشمالي، ولديها قدرات بحرية وعسكرية واسعة في الشمال، كما تتزايد أهمية طريق البحر الشمالي والموارد القطبية.
وتستطيع روسيا تعزيز حضورها الدفاعي والاقتصادي والبحري في هذه المنطقة بما يزيد تكلفة محاولات احتوائها، من دون استهداف الملاحة المدنية أو البنية التحتية للدول الأخرى. فالاستثمار في الجغرافيا التي تمتلكها الدولة بالفعل قد يكون أكثر قيمة من البحث عن ساحات مغامرة جديدة.
الرد الرابع: الاقتصاد والموارد
روسيا ليست دولة نفط وغاز فقط، فهي لاعب كبير في الطاقة والحبوب والأسمدة والطاقة النووية وعدد من المعادن والمواد الأولية. وإذا كانت إحدى فرضيات العقوبات الغربية تقوم على عزل الاقتصاد الروسي، فإن الرد الأكثر فاعلية هو منع العزلة من تحقيق هدفها.
فكل عقد طويل الأجل مع قوة آسيوية، وكل ممر تجاري جديد، وكل سوق بديلة للموارد الروسية، وكل آلية تقلل الاعتماد على البنية المالية الغربية تخفض قدرة العقوبات المستقبلية على تغيير القرار الروسي. ولا يعني ذلك أن العقوبات لا تسبب خسائر حقيقية للاقتصاد؛ فنجاح العقوبة سياسيًا لا يقاس بوجود الألم الاقتصادي وحده، وإنما بقدرتها على فرض التغيير السياسي الذي صممت من أجله.
الرد الخامس: العالم غير الغربي
ربما تكون هذه إحدى أهم الأوراق الروسية على المدى الطويل. فإذا كان الغرب يستطيع إغلاق جزء من فضائه الاقتصادي والسياسي أمام موسكو، فهو لا يمثل العالم كله. وتستطيع روسيا تعميق علاقاتها مع الصين والهند ودول الخليج وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا باعتبار هذه الدول «معسكرًا روسيًا» ــ فهي ليست كذلك ــ وإنما لأنها تمتلك مصالحها الخاصة ولا تقبل جميعها أن تحدد أوروبا والولايات المتحدة وحدهما شكل علاقاتها الدولية.
وهنا يصبح إفشال محاولة العزل إنجازًا استراتيجيًا في حد ذاته. فإذا بقيت روسيا قادرة على التجارة والاستثمار والتعاون الدبلوماسي والتكنولوجي مع أجزاء واسعة من العالم، فإن سياسة تحويلها إلى دولة معزولة عالميًا تكون قد فشلت، حتى لو بقيت العلاقات الروسية ـ الغربية شديدة السوء.
الرد السادس: القانون والأصول الروسية
ثمة ساحة أقل ضجيجًا لكنها بالغة الأهمية، هي الأصول والاحتياطيات الروسية المجمدة. فمحاولات استخدام عوائد هذه الأصول أو نقلها إلى خدمة أوكرانيا تثير قضايا قانونية ومالية تتصل بالحصانة السيادية وحقوق الملكية واستقرار النظام المالي الدولي.
وتستطيع روسيا استخدام المسارات القضائية المتاحة للطعن في الإجراءات التي ترى أنها تتجاوز العقوبات إلى المصادرة، واتخاذ تدابير قانونية مقابلة تجاه أصول ومصالح أجنبية ضمن الاختصاصات والقوانين المعمول بها. وفي حرب اقتصادية طويلة قد يكون نزاع حول عشرات المليارات من الأصول أكثر أهمية من عملية عسكرية محدودة.
الرد السابع: مخاطبة الرأي العام الأوروبي
هنا توجد ورقة تستطيع روسيا استخدامها، لكن استخدامها السيئ قد يحولها إلى سلاح ضدها. فالتدخل السري في الانتخابات أو عمليات التضليل يمنح الحكومات الأوروبية فرصة لتصوير المعارضة الداخلية لسياساتها الروسية باعتبارها نتيجة تلاعب من موسكو.
أما البديل الأكثر فاعلية فهو المواجهة العلنية بالمعلومات. تستطيع روسيا أن تخاطب المجتمعات الأوروبية بالوثائق والأرقام: كم كلفت الحرب؟ وكم ارتفع الإنفاق العسكري؟ وما الصناعات التي استفادت؟ وما مقدار الدعم المخصص لأوكرانيا؟ وما النتائج الاقتصادية؟ وما النهاية السياسية التي تعد بها الحكومات شعوبها مقابل استمرار هذه التكاليف؟
عندها لا تقول موسكو للناخب الألماني أو البريطاني أو الفرنسي لمن يصوت، وإنما تضع أمامه تكلفة السياسة التي تتبعها حكومته وتترك له الحكم عليها.
روسيا ليست دولة بلا أوراق
من الخطأ في النهاية تصوير روسيا وكأنها أمام خيارين فقط: الاستسلام للضغط الغربي أو الضغط على الزر النووي. فبين الخيارين مساحة هائلة تتحرك فيها الدول الكبرى.
روسيا تمتلك أكبر مساحة جغرافية في العالم، وموارد طبيعية ضخمة، وقاعدة صناعية عسكرية واسعة، وترسانة نووية استراتيجية، ومقعدًا دائمًا في مجلس الأمن، وقدرات فضائية وبحرية وصاروخية، وموقعًا محوريًا في أوراسيا والقطب الشمالي، وعلاقات اقتصادية وسياسية مع قوى ودول كبرى خارج المنظومة الغربية.
لكن هذه الموارد لا تجعل روسيا منيعة، ولا تضمن نجاح سياستها. فهي تتحمل بدورها تكاليف الحرب والعقوبات والخسائر البشرية والضغوط الاقتصادية والديموغرافية. والقوة الحقيقية ليست قائمة بما تملكه الدولة، وإنما قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نتائج سياسية مستدامة.
ولهذا فإن الرد الروسي الأخطر على مشروع استنزافها ليس بالضرورة أكثر الردود تدميرًا. فالعملية التي تحدث انفجارًا كبيرًا ثم توحد أوروبا وتوسع الحرب قد تكون نجاحًا تكتيكيًا وهزيمة استراتيجية. أما المحافظة على الاقتصاد، وتطوير الصناعة العسكرية، وتحييد نسبة متزايدة من الأسلحة الغربية، وإفشال العزلة، وتوسيع العلاقات الخارجية، ورفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة داخل أوروبا، فهي تضرب جوهر استراتيجية الاستنزاف نفسها.
السؤال الذي يعود إلى لندن وبرلين وباريس
تستطيع الحكومات البريطانية والألمانية والفرنسية أن تقدم ما تفعله باعتباره دفاعًا عن أوكرانيا وعن النظام الأمني الأوروبي، وهذه هي حجتها المعلنة. وفي المقابل تستطيع موسكو أن ترى في تراكم هذه السياسات مشروعًا لاحتوائها وإضعافها واستنزاف قدرتها على العمل بوصفها قوة كبرى. ولا يستطيع الباحث إثبات النيات السرية بمجرد استنتاجها من النتائج، لكنه يستطيع قياس الأفعال، والأفعال هنا ضخمة بما يكفي.
فبريطانيا لم تعد مجرد مورد للسلاح، بل أصبحت مرتبطة بالصناعة والخبرة القتالية الأوكرانية بصورة متزايدة. وألمانيا لا تقدم عشرات المليارات فحسب، بل تعيد بناء قوتها العسكرية، وتتوسع في التعاون الصناعي مع كييف، وتنشر لواءً مدرعًا دائمًا في ليتوانيا. وفرنسا تقدم الطائرات والمدفعية والتدريب والتعاون الصناعي، وتشارك بريطانيا في بناء ترتيبات أمنية أوروبية مرتبطة بمستقبل أوكرانيا.
ومن ثم لم يعد وصف الحرب بأنها مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا كافيًا لفهم ميزان القوى الذي تشكل حولها. أوكرانيا هي رأس الحربة؛ أما القوة التي تدفع رأس الحربة فموزعة عبر شبكة أوسع من الدول والمصانع والميزانيات ومراكز التدريب والتكنولوجيا.
ومن غير الواقعي أن تتوقع هذه القوى أن تعمل سنوات على زيادة التكلفة العسكرية والاقتصادية على روسيا، ثم تفترض أن موسكو لن تبحث عن وسائل لزيادة التكلفة المقابلة. لكن الاختبار الروسي ليس إثبات القدرة على الانتقام؛ فلا أحد جاد يشك في قدرة قوة نووية كبرى على إحداث الدمار. الاختبار هو القدرة على الرد من دون الانجرار إلى الميدان الذي قد يكون خصومها أكثر استعدادًا لاستثماره ضدها.
فإذا كانت الغاية الأوروبية، كما تقرأها موسكو، هي استنزاف روسيا وإضعاف قدرتها، يصبح الرد الاستراتيجي الأكثر تأثيرًا هو إفشال الاستنزاف نفسه، من خلال المحافظة على الدولة والاقتصاد والصناعة العسكرية، وتوسيع البدائل التجارية، ومنع العزلة الدولية، والمحافظة على الردع العسكري، وتحويل استمرار المواجهة إلى تكلفة يتعين على المجتمعات الأوروبية نفسها مناقشة جدواها.
وعندها ينقلب السؤال الذي هيمن على السنوات الأولى للحرب. فبدل أن يبقى السؤال في لندن وبرلين وباريس: كم تستطيع روسيا أن تتحمل؟، يبدأ سؤال آخر بالظهور داخل أوروبا: كم تستطيع أوروبا أن تنفق، وكم تستطيع أن تعيد التسلح، وكم سنة تستطيع الاستمرار، وما النهاية السياسية التي تريد الوصول إليها؟
والسؤال الأشد خطورة يأتي بعد ذلك: ماذا لو استثمرت أوروبا سنوات وعشرات المليارات في محاولة إنهاك روسيا، ثم اكتشفت أن النتيجة لم تكن انهيار الدولة الروسية، وإنما ظهور روسيا أكثر اعتمادًا على صناعتها العسكرية، وأقل ارتباطًا بالاقتصاد الأوروبي، وأكثر توجهًا نحو آسيا والعالم غير الغربي، وأشد اقتناعًا بأن علاقتها بأوروبا دخلت مرحلة صراع طويل؟
عندئذ لن تكون المشكلة أن روسيا لم تفهم الرسالة الأوروبية.
بل قد تكون أن أوروبا لم تحسب كامل نتائج الرسالة التي أرسلتها إلى روسيا.
