الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (10)
الثقافة عند حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بين الذاكرة واقتصاد الإبداع
المختار العنقا الإدريسي
استهلال أولي:
يقدم الحزب في برنامج 2026–2031 مدخلاً صريحاً للثقافة من خلال عنوان “اقتصاد الثقافة والإبداع”، وهو ما يجعلها حالة مختلفة عن بعض الأحزاب التي اضطررنا إلى استنباط فلسفتها الثقافية من التعليم أو الهوية أو العدالة الاجتماعية. ويربط الثقافة بالتراث والهوية والأمازيغية والذاكرة، كما يربطها بالتنمية والاقتصاد. وعليه يمكن القول إن الحزب يجمع ما بين حماية الرصيد الثقافي وتحويله إلى قوة تنموية، تفرض علينا قراءة موقع الثقافة في برنامجه، بدءاً من ملاحظة لا ينبغي إغفالها وهي أن الثقافة عنده لم تختبئ تماماً وراء عناوين أخرى، فقد أفرد لها البرنامج مدخلاً واضحاً تحت عنوان “اقتصاد الثقافة والإبداع”، وهذه نقطة ذات دلالة. لأن الحزب الذي يقدم برنامجه في إطار رؤية تنموية اجتماعية، لا يتعامل مع الثقافة باعتبارها ترفاً خارج دوائر الاقتصاد والتنمية، بل يفتح لها منفذاً داخل الاقتصاد نفسه.
وفي المقابل، فإن وثائق الحزب التنظيمية تجعل العناية بالحضارة والإرث الثقافي المتعدد الروافد، وفي صلبه الأمازيغية لغة وثقافة، والمحافظة على الذاكرة التاريخية، وتحصين الهوية المغربية، من المبادئ التي يعلنها الحزب. فنكون أمام مستويين: ثقافة بوصفها ذاكرة وهوية، وثقافة بوصفها اقتصاداً وإبداعاً. ومن هنا أيضاً يبدأ السؤال الحقيقي: هل استطاع الحزب أن يصل بين هذين المستويين، بحيث تصبح الذاكرة مصدراً للإبداع، والإبداع وسيلة للتنمية، والتنمية وسيلة لصيانة الثقافة وتجديدها؟
1: لماذا “اقتصاد الثقافة والإبداع”؟
فاختيار هذا العنوان ليس تفصيلاً لغوياً. إنه يكشف عن انتقال مهم في طريقة النظر إلى الثقافة. فهي في هذا التصور ليست: تراثاً ينبغي حمايته، ولا فناً ينبغي دعمه، ولا نشاطاً ترفيهياً يحتاج إلى التمويل. إنها أيضاً قطاع يمكن أن ينتج القيمة والثروة وفرص العمل. وهذا يتقاطع مع التصور العام للبرنامج الذي يركز على الاستثمار، والتشغيل، والاقتصاد الرقمي، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وعلى خلق القيمة المضافة. وتأسيساً عليه يمكن أن نسأل: هل نحن أمام اعتراف حقيقي بأن الثقافة قطاع اقتصادي، أم أنها مجرد إضافة لمفهوم الثقافة إلى قاموس التنمية؟ خاصة وأن الاعتراف الحقيقي يقتضي النظر إلى: الكتاب… السينما… الموسيقى… المسرح… الصناعات التقليدية… التصميم… الترجمة… المحتوى الرقمي… الإنتاج السمعي البصري… وغيرها، بوصفها مجالات إنتاج حقيقية لها فاعلوها ومقاولاتها ومهنها وأسواقها.
2: الثقافة ليست فقط “قطاعاً”… إنها صناعة للمعنى
وهنا ينبغي أن نكون أكثر تشدداً، لأن إدخال الثقافة في الاقتصاد يحمل فرصة، لكنه يحمل أيضاً خطراً. فإذا نظرنا إلى الثقافة باعتبارها مصدراً للدخل فقط، فقد تفقد جزءاً من جوهرها. لأنها في الأصل تنتج المعنى قبل أن تنتج المال. كما أن الفن قد يكون مربحاً، لكنه قبل ذلك يعبر عن الإنسان. في حين أن الكتاب قد يصبح منتجاً تجارياً، ومع ذلك يظل وسيلة لتكوين العقل. أما السينما فقد تتحول إلى صناعة، لكنها تظل أيضاً أداة لصناعة الذاكرة الوطنية. ومن ثمة، فإن اقتصاد الثقافة ينبغي أن يخدمها، لا أن يحولها إلى مجرد تابع للاقتصاد. وهنا سيكون على حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية أن يشرح أكثر: كيف يمكن أن يحافظ على البعد الإنساني والرمزي للثقافة وهي تدفع نحو اقتصاد الإبداع؟
3: من التراث إلى الإبداع
في النظام الأساسي للحزب نجد تأكيداً على العناية بالحضارة والإرث الثقافي المتعدد الروافد، والمحافظة على الذاكرة التاريخية، وتحصين الهوية المغربية. وهنا تظهر علاقة شديدة الأهمية:
التراث ← الذاكرة ← الإبداع ← الاقتصاد.
فالحرف المغربية مثلاً، ليست مجرد منتجات فقط، إنها ذاكرة متجسدة في: الزخرفة، الألوان، التقنيات، الرموز، المواد، المهارات. وكل ذلك يدفعنا للقول: هل نريد أن نحافظ على التراث كما هو، أم نمنحه شروط التطور حتى يصبح قادراً على مخاطبة الأجيال الجديدة والأسواق الجديدة؟ لأن التراث الذي لا يتجدد قد يتحول إلى قطعة متحفية. أما التراث الذي يدخل الإبداع المعاصر ويحافظ عليه، فإنه يستطيع أن يعيش أكثر.
4: الأمازيغية… هل تدخل اقتصاد الإبداع؟
يعلن الحزب في نظامه الأساسي عن العناية بالإرث الثقافي المتعدد الروافد، وفي صلبه الأمازيغية لغة وثقافة. وهنا يجدر بنا أن نوسع المساءلة، لأن الأمازيغية ليست قضية لغة وهوية فقط، بل إنها أيضاً رصيد إبداعي واقتصادي. ويمكن أن تكون حاضرة في: السينما… المسرح… النشر… الموسيقى… الترجمة… المحتوى الرقمي… الألعاب الإلكترونية… الصناعات الإبداعية. ومن هنا يصبح السؤال كالتالي: هل يستطيع اقتصاد الثقافة والإبداع أن يجعل من التعدد اللغوي والثقافي المغربي قوة إنتاجية، لا مجرد موضوع للحماية؟ وهذه نقطة تستحق اهتماماً أكبر في أي سياسة ثقافية مستقبلية.
5: الثقافة والتشغيل… هل يصبح المبدع عاملاً؟
وتبقى هذه واحدة من أهم الزوايا التي تفتحها عبارة “اقتصاد الثقافة والإبداع”، لأن وراء كل إنتاج ثقافي يوجد: كاتب، وفنان، وتقني، ومصمم، ومخرج، ومصور، ومنتج، ومترجم، ومبرمج، ومسير. أي أن الثقافة لا يمكن أن تخلق إلا سلسلة من مهن متكاملة. ولهذا فإن الحديث عن اقتصاد الثقافة ينبغي أن يقود بالضرورة إلى سؤال عن: ما الوضع الاجتماعي والمهني للعاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية؟ فلا يمكن أن نطالب الفنان بالإبداع ثم نتركه خارج الحماية الاجتماعية. ولا يمكن أن نتحدث عن الصناعة الثقافية وننسى شروط العمل داخلها. ومن هنا ينبغي أن يصبح: المبدع مواطناً منتجاً، لا مجرد مستفيد من الدعم فقط.
6: الثقافة والشباب… اقتصاد المستقبل أم سوق جديدة؟
يبقى الشباب هو الأكثر حضوراً في المجالات الإبداعية الجديدة، التي تهم: الموسيقى الرقمية… الفيديو… التصميم… الألعاب… البرمجة… المحتوى الرقمي… التسويق الثقافي. وهو ما يعني أن اقتصاد الثقافة يمكن أن يكون مجالاً لتشغيل الشباب. غير أن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه علينا، يبقى هو: هل سنمنح الشباب أدوات الإنتاج، أم سنكتفي بدعوتهم إلى استهلاك المنتجات الثقافية؟ لأن الفارق كبير بين الشاب(ة) الذي يمتلك التكوين، والاستوديو، والمنصة، والتمويل، والتأطير، والسوق… فيمكن له أن يصبح منتجاً. أما الشاب(ة) الذي لا يملك إلا هاتفاً محمولاً، فيظل في الغالب مستهلكاً لما ينتجه الآخرون.
7: الثقافة والرقمنة… الباب الذي لا يمكن تجاهله على الإطلاق
إذا كان برنامج الحزب يضع الرقمنة ضمن مساراته التنموية، ويعتبر الاقتصاد الرقمي من المجالات التي يمكن أن تسهم في خلق القيمة، فإنه يسعى إلى أن يلتقي الرقمي بالثقافي. ونحن نعلم أن الثقافة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالمؤسسة الثقافية التقليدية، بل غدت تُنْتَج من المنصة، أو التطبيق، أو القناة الرقمية، وحتى من اللعبة، أو الفيلم القصير، أو الكتاب الإلكتروني. وهذا جميعه يفرض على السياسة الثقافية أن تنتقل من دعم المؤسسات، إلى تمكين المبدعين من أدوات الإنتاج والتوزيع والوصول إلى أوسع جمهور.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال جديد لا ينحصر في: أين يوجد المسرح داخل هذه المنظومة؟ بل: ما العمل ليصل المسرح إلى المواطن(ة) الذي لا يوجد في مدينته أي مسرح أو فضاء يسمح بعرض وإقامة المسرحيات؟ فتصبح هنا الرقمنة وسيلة محتملة لتحقيق العدالة الثقافية المجالية.
8: عن المجال القروي والاقتصاد الثقافي
وهذه زاوية أرى أنها مهمة جداً في قراءة الحركة الديمقراطية الاجتماعية. فالبرنامج يعطي أهمية واضحة للمجال القروي، ولتقليص الفوارق المجالية وحتى لتثمين المنتجات المجالية، والسياحة القروية، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن الثقافة هنا تستطيع أن تضيف شيئاً بالغ الأهمية. فالمجال القروي ليس فقط مجالاً للفلاحة فحسب، بل يبقى كذلك مجالاً للذاكرة والحكاية، للحرف والموسيقى، للأعراف والعمارة، للطبخ واللباس، وللفن الشعبي الغني بتنوع تلاوينه. فلماذا إذن لا يصبح الرصيد الثقافي المحلي جزءاً من استراتيجية التنمية القروية؟ وليس من أجل تحويل القرية إلى فضاء سياحي فقط، بل من أجل جعل الثقافة نفسها مصدراً للكرامة والدخل والاستمرار الاجتماعي.
9: هل يمكن القول بأن العدالة المجالية تشمل حتى الثقافة؟
يعلن الحزب صراحة عن محاربة الفوارق المجالية واعتماد سياسة متكاملة للعدالة المجالية، بما يشمل فك العزلة وتقريب الخدمات وربط المناطق بالرقمنة. وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً لا يُطرح غالباً: هل توجد عدالة مجالية من دون عدالة ثقافية؟ فإذا كانت جهة ما من جهات المملكة لا توجد فيها: مكتبة، ولا مسرح، ولا مركز ثقافي، ولا فضاء للإبداع، ولا أي ولوج رقمي ثقافي، فإن سكانها يعانون شكلاً من أشكال التفاوت الثقافي – وفي ذلك ظلم كبير – . وهو ما يعني أن العدالة المجالية لا ينبغي أن تهمل الحق في الثقافة. وتأسيساً عليه يمكن أن يتطور مفهوم الحزب للعدالة المجالية، ويرتقي من الخدمات الأساسية إلى جودة الحياة الثقافية.
10: الثقافة والتعليم… الحلقة التي لا ينبغي أن تنقطع
في البدء نقول إن برنامج الحزب يضع المدرسة العمومية، والتكوين المهني، والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ضمن أولوياته. وهذا يفتح أمامنا سؤالاً مركزياً يتمحور حول الكيفية التي يمكن أن يتم بها بناء اقتصاد للثقافة والإبداع دون إصلاح ثقافي داخل المدرسة؟ إذ لا يمكن أن ننتظر من المدرسة تكوين وإعداد الموظفين والتقنيين والمهندسين، لأننا في حاجة أيضاً إلى تنشئة القارئ والفنان والباحث والمصمم، والكاتب والمخرج والمبتكر.
وعليه فإن التربية على الثقافة ليست مقدمة لاقتصاد الثقافة فقط، إنها شرط له. فالطفل(ة) الذي لا يقرأ، ولا يزور معرضاً، ولا يشاهد مسرحية، ولا يمارس الموسيقى، قد يجد صعوبة في أن يصبح غداً جزءاً من الاقتصاد الإبداعي المنتظر والذي تستوجبه الألفية الثالثة.
11: البحث العلمي… أين يتموقع في صرح الثقافة؟
أما التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، فإن الحزب يضعه ضمن محاور تشخيصه. خاصة وأن الثقافة تحتاج إلى البحث العلمي بقدر حاجة الاقتصاد إليه، تحتاج إلى بحث في التراث واللغات، والتاريخ والفنون، والصناعات الثقافية، وإلى الجمهور والقراءة، وكل التحولات الرقمية. فكيف يمكن أن نبني سياسة ثقافية فعالة إذا كنا لا نملك بيانات ومعطيات دقيقة عن: من يقرأ؟ من يزور المسرح؟ من يستفيد من السينما؟ أين توجد الفجوات الثقافية؟ ما المهن الثقافية الأكثر نمواً؟ ما حجم مساهمة الصناعات الإبداعية في الاقتصاد؟ فيصبح البحث العلمي هنا أداة حقيقية لصناعة السياسة الثقافية.
12: الثقافة والدبلوماسية… حين يصبح الإبداع وجهاً مشرقاً للمغرب
إن المتوقف عند برنامج الحزب، يجد أنه يولي أهمية للدبلوماسية الحزبية والبرلمانية، ويتحدث صراحة عن تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والتعاون الدولي اللامركزي. وهذه في حد ذاتها إشارة مهمة. لأن الثقافة ليست شأناً داخلياً فقط، إنها أيضاً جزء من قوة المغرب الناعمة، المتمثلة في الموسيقى، السينما، الأدب، المطبخ، الحرف، الفنون، اللغات، والتراث… وهذه كلها قادرة على تقديم المغرب للعالم بصورة لا تستطيع البيانات السياسية أن تقدمها.
وهنا أيضاً يجب أن نسأل: هل نريد ثقافة تُستخدم للترويج لصورة المغرب فقط، أم ثقافة قادرة على إقامة حوار حقيقي مع الثقافات الأخرى؟ فالدبلوماسية الثقافية الناجحة ليست إعلاناً، بل هي تبادل وتأثير متبادل.
13: الثقافة والديمقراطية الاجتماعية… المفارقة التي تستحق الانتباه
يقدم الحزب نفسه انطلاقاً من مرجعية الديمقراطية الاجتماعية، ويربط برنامجه بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. ومنه يمكن أن نطرح الفكرة التالية: إذا كانت العدالة الاجتماعية تعني تقليص الفوارق في الدخل والخدمات، فإن العدالة الثقافية ينبغي أن تعني تقليص الفوارق في الوصول إلى المعرفة والإبداع. وهو ما يسمح بتوسيع مفهوم الديمقراطية الاجتماعية نفسه. إذ لا يكفي أن يكون للمواطن(ة) مدرسة… صحة… شغل… بل ينبغي أن يكون له أيضاً: كتاب… فن… فضاء للإبداع… حق في التعبير… وإمكانية الوصول إلى الثقافة. وتأسيساً عليه تصبح الثقافة جزءاً من جودة الحياة نفسها، بصفة عامة.
14: نقطة القوة… ونقطة السؤال
يمكن أن نحدد نقطة القوة في تصور الحركة الديمقراطية الاجتماعية في أنه لا يفصل الثقافة عن التنمية. فعبارة “اقتصاد الثقافة والإبداع” تُخْرِج الثقافة من الهامش الرمزي وتدخل بها دائرة الإنتاج والاستثمار والتشغيل والابتكار. لكن هذه القوة تفتح في الوقت نفسه نقطة السؤال التالي: هل يكفي إدخال الثقافة إلى الاقتصاد لكي تصبح لدينا سياسة ثقافية؟ فالجواب بالطبع سيكون: ليس بالضرورة. لأن السياسة الثقافية تحتاج أيضاً إلى حرية الإبداع، والتعدد، والبنيات، والتربية الثقافية، والبحث، والجمهور، والذاكرة، والتراث. وعليه فإن اقتصاد الثقافة يبقى جزءاً من السياسة الثقافية، وليس السياسة الثقافية كلها.
15: السؤال الحاسم
هل يمكن أن يتحول “اقتصاد الثقافة” إلى مشروع مجتمعي؟ إن الحركة الديمقراطية الاجتماعية تتيح لنا مدخلاً مهماً يتحدد في أن الثقافة ليست تكلفة فقط، فهي يمكن أن تكون قيمة في حد ذاتها. لكن الرهان الحقيقي هو أن نوسع مفهوم القيمة. لأن الثقافة تنتج: قيمة اقتصادية، قيمة اجتماعية، قيمة رمزية، قيمة تربوية، وقيمة إنسانية. ومن ثم فإن الاستثمار في الثقافة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد فرص الشغل التي خلقها، بل أيضاً بعدد: القراء… المبدعين… الأطفال الذين اكتشفوا المسرح… القرى التي استعاد أهلها ذاكرتهم… اللغات التي وجدت فضاءً للإبداع… والشباب الذين وجدوا في الثقافة مسارات جديدة للحياة.
الخلاصة النقدية
حين تدخل الحركة الديمقراطية الاجتماعية الثقافة إلى الاقتصاد… فهل تدخل التنمية إلى الثقافة؟
فقد تبدو فلسفة الحركة الديمقراطية الاجتماعية تجاه الثقافة قائمة على ثلاثة أعمدة هي:
- الهوية والذاكرة والتراث.
- الإبداع والثقافة.
- الاقتصاد والتنمية.
وهي محاولة مهمة للجمع بين ما يُنظر إليه غالباً باعتباره مجالين منفصلين:
- الثقافة بوصفها قيمة رمزية.
- الثقافة بوصفها قيمة اقتصادية.
غير أن وثيقة المساءلة الثقافية ينبغي ألا تكتفي بتسجيل هذه النقطة، بل عليها أن تسأل عن الكيفية التي سيتحول بها “اقتصاد الثقافة والإبداع” إلى قطاع منتج فعلاً؟ فكيف سيستفيد منه الشباب؟ وكيف سيصل إلى العالم القروي؟ وكيف ستدخل الأمازيغية وبقية روافد الثقافة المغربية إلى الصناعات الإبداعية؟ ثم كيف ستتم حماية المبدع اجتماعياً ومهنياً؟ وكيف ستتحول الرقمنة من وسيلة للاستهلاك إلى أداة للإنتاج الثقافي؟ وأخيراً كيف سَيُضْمَن ألا يؤدي المنطق الاقتصادي إلى اختزال الثقافة في ما يدر الربح فقط؟
ومن هنا بالضبط ننتهي إلى السؤال الأعمق: هل يمكن أن يصبح اقتصاد الثقافة والإبداع جزءاً من مشروع ديمقراطية اجتماعية يوسع مفهوم التنمية نفسها، بحيث لا يعود المواطن(ة) مجرد مستهلك للخدمات، بل يصبح شريكاً في إنتاج المعرفة والجمال والمعنى؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن الثقافة تصبح بالفعل رافعة أساسية للتنمية. أما إذا بقي “اقتصاد الثقافة والإبداع” عنواناً قطاعياً معزولاً، فسوف نكون أمام اقتصاد يستفيد من الثقافة، لا أمام مجتمع يجعل الثقافة إحدى قوى تقدمه.
وهكذا تزداد أهمية الوثيقة/ القراءة التي نبنيها شيئاً فشيئاً، لأنها لا تسأل الأحزاب فقط 【ماذا ستفعلون للثقافة؟】وإنما تكشف أي مكان يحتل المواطن(ة) والثقافة والمعرفة في تصور كل حزب للمغرب الذي يريد أن يصنعه.
ملاحظة منهجية مهمة: في هذه القراءة اعتمدتُ أساساً على البرنامج الانتخابي الرسمي للحركة الديمقراطية الاجتماعية 2026–2031 وعلى وثائق الحزب الرسمية، حتى لا ننسب إليه تصوراً ثقافياً من خارج برنامجه. واللافت فعلاً أن البرنامج يخصص بنداً مستقلاً لـ “اقتصاد الثقافة والإبداع”، بينما تؤكد وثيقة الحزب الأساسية العناية بالتراث المتعدد الروافد، والأمازيغية، والذاكرة والهوية.
وأرى أن هذه المحطة بالذات ستكون مفيدة جداً في الخلاصة التركيبية، التي صرنا على مقربة منها، لأنها تسمح لنا بأن نسأل لاحقاً:
【هل الثقافة في البرامج الحزبية قطاعٌ تابع، أم حقٌّ مواطني، أم هوية، أم أداة تحرر، أم اقتصاد إبداع، أم ــ كما نطمح نحن ــ بنية تأسيسية للتقدم كله؟】
