السؤال الذي يحرج.. هل سيقضي علينا الذكاء الاصطناعي؟
نيكولا جورني *
ترجمة وتقديم: د. ابتسام جدير
أي مصير هذا الذي يلف وجود الإنسان، هذا الكائن غير المعلوم!
حكمت حياته الغريزة أولا، ثم تصدر وجوده العقل ثانيا، ولو أنه تعرض للتحطم أحايين كثيرة (لوكاتش)، وها هو الآن يسلم بعض مصيره للآلة التي يبدو أن الإنسان تنازل لها عن نصيب من عقله. ومصيره. بعد أن أنعم عليها بنصيب وافر من حكمته. لتخفف عنه بعض أعباء الحياة.
يمثل الذكاء الاصطناعي مجموعة النظريات والتقنيات التي تهدف إلى ابتكار آلات قادرة على محاكاة الوظائف الإدراكية البشرية. ثم إن النجاحات الكبيرة التي حققتها الأتْمتة والذكاء الاصطناعي تجعل النظريات الاختزالية القوية غير قابلة للدفاع عنها. وتعتبر الأتمتة فعلا يُؤدى دون إرادة واعية. ومنه أتمتة القلب أي خفقانه بشكل لا إرادي. وقد كتب الشعراء السورياليون شعرهم بطريقة آلية غير واعية؛ إذ قامت حركتهم على الدعوة إلى الإبداع دون تدخل الفكر الواعي أو الإرادة. لكن الذكاء الاصطناعي يشتغل بشكل “عقلاني” خاص جدا.
وتعتبر الشبكة العصبية هي ترابط مجموعة من الخلايا العصبية الشكلية التي تسمح بحل مشكلات الذكاء الاصطناعي.
ولعل حدة المخاطر التي دفعت بابا الفاتيكان، باعتباره يعنى بالقضايا الروحية والأخلاقية للإنسانية، هي التي جعلت مخاطر الذكاء الاصطناعي تلج فضاء النقاش العام للمرة الثانية عقب النداء الذي أطلقه البابا ليو الرابع عشر قبل قرابة الشهرين: يجب نزع سلاح الذكاء الاصطناعي. لماذا تُشكك هذه المرحلة الأخيرة من الثورة الرقمية في جوهر الجنس البشري؟ إن نزع سلاح الذكاء الاصطناعي لمنعه من الهيمنة على البشرية هو مضمون رسالة البابا ليو الرابع عشر في رسالته البابوية الأولى، “الإنسانية العظيمة”. وفيها يشارك عامة الناس أفكاره حول ثورة الذكاء الاصطناعي.
تأكيدًا على أهمية هذه الوثيقة، أصرّ البابا ليو الرابع عشر على تقديم نصها بنفسه في مؤتمر صحفي بالفاتيكان في نهاية شهر مايو. وقال: “يطالب الذكاء الاصطناعي اليوم بنزع سلاحه، وتحريره من المنطق الذي يجعله أداةً للهيمنة والإقصاء والموت. ومثل الطاقة النووية، يجب أن يكون في خدمة الجميع والصالح العام. ولا يجوز أبدًا فصل القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا عن الضمير والمسؤولية”. وفي معرض إدانته لأشكال العبودية الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، دعا البابا إلى تنظيم الخوارزميات والإشراف عليها. ويتجاوز هذا موضوع بكثير نطاق اهتمامات الجمهور المسيحي ككل، لأن موضوع الذكاء الاصطناعي يهم جميع المواطنين في العالم، كما أشار بعض المعلقين على رسالته. أيلمّح الرجل إلى أن هذا الذكاء ابتدعه الغرب المسيحي؟ أنسي الرجل أن وراء الخوارزميات عالم اسمه الخوارزمي ينتمي إلى العالم الإسلامي؟ ووفقًا للأمم المتحدة، قد تصل قيمة الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، مع تركيز أرباحه في أيدي عدد محدود من الجهات الفاعلة. وفي السنة الماضية، 2025، حذرت الأمم المتحدة من فراغ تنظيمي خطير. أيعتبر البابا، مُبلغا عن المخالفات في مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي؟
ويتحدث الخبراء في هذا المجال عن دخول عصر جديد: عصر قد يقف فيه الذكاء الاصطناعي في مواجهة العقل البشري. ولعل التهمة الأولى الموجهة إلى هذا الذكاء أنه يسهم في تنمية “الغباء البشري” لأن يقف في وجه التفكير عبر الاعتماد الكلي أو شبه الكلي على نشاط ذلك الذكاء- هو الذي ينجز معظم بل ربما كل العمليات والمهام ويقوم بكل الأنشطة التي يعجز عنها العقل البشري في رمشة عين! فما الثمن؟ تراجع التفكير النقدي البشري. وقد أصبح يسهم في فقدان وظائف عديدة وتوسيع طوابير العاطلين عن العمل بحسب تقارير المنظمة الدولية للحواسيب!
النص
الجميل والرائع والمثير في “الشات جي بي تي” (ChatGPT) أو غيره من برامج الدردشة الآلية، هو أنها تمكننا من طرح أسئلة وقحة عليها، من ذلك مثلا: “ما قدرة برامج الذكاء الاصطناعي المختلفة على إحداث الضرر؟”، ونحصل على إجابات مناسبة وملائمة للغاية. من ذلك مثلا؛ فقدان الوظائف، وعدم المساواة الاقتصادية، والكوارث الصناعية، وأزمة الطاقة، والقرارات غير العادلة، وانتهاكات الخصوصية، والتضليل الإعلامي، وفقدان المهارات، وفي نهاية المطاف، المواجهة المميتة بين البشرية والروبوتات المفضلة لديها… إذا كانت الآلة لا تجهل شيئًا من المخاطر التي قد تمثلها على حياة الإنسان، فإن الوسط الذي أنشأها لا يجهلها هو أيضًا، وهو أيضًا الذي يغذي الشكوك الأكثر جدية حول سلامتها. ولسبب وجيه، كما سيقال، يجب أن يكون هذا الوسط قد شارك في صناعة الخوارزميات ليكون قادرًا على تصور أضرارها.
وهناك عدد كبير من دون الكيشوتيين [نسبة إلى دون كيشوت رواية سيرفانتيس] الذين هاجموا مؤخرًا الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأوا بصنع طواحين في وادي السيليكون. في 61 سبتمبر 2025، نُشر في الولايات المتحدة كتاب سرعان ما أصبح من أكثر الكتب مبيعًا بعنوان “لماذا سيقتلنا الذكاء الاصطناعي الخارق جميعًا”. كان الكاتب المشارك في تأليفه، إليعازر يودكوفسكي، لا يزال إلى وقت قريب صديقًا مقربا جدا من بيتر ثيل، الملياردير التحرري والعاشق المتحمس للتكنولوجيا المؤسس لشركة “باي بال” (PayPal) ومالك للأسهم في شركة “ميتا” (Meta). ويخوض مايكل تراززي ودينيس شيريميت، وهما ناشطان تمت الإشارة إليهما في مقال نشر حديثا في صحيفة لو موند[1]، إضرابًا عن الطعام أمام مقر ديب مايند: وهما حاصلان على شهادات في الذكاء الاصطناعي، لكنهما يطالبان بوقف تطويره. أضف إلى ذلك أن نيك بوستروم، الفيلسوف المتخصص في علوم الأعصاب الحاسوبية، وهو أحد الأوائل الذين لوّحوا وأشهروا، في إنجلترا، تهديد الذكاء الخارق والقاتل. وهكذا، فقد أوضح في العام2003 أن الذكاء الاصطناعي السيادي المكلف بزيادة إنتاج الدبابيس، أي زيادة إنتاج مشابِك الورق إلى أقصى حد يمكن معه أن يقرر إبادة البشر، لأن أجسادهم تحتوي على مواد مفيدة لصنع الدبابيس. لكن، حتى وقت قريب، كان إيلون ماسك يمول المركز الذي يديره بوستروم.
وهكذا نرى أن الذكاء الاصطناعي هو في قلب نزاع عائلي تتزايد فيه الاستقطابات، بعد أن جمع كل هؤلاء الأشخاص (بل العالم) حول فكرة مفادها أن النجاح كان في متناول اليد. تلاحظ الفيلسوفة آن ألومبير، في كتيّب ساخر وعنيف صدر حديثا لها[2]، أنه في عام 2023، طالب إيلون ماسك وخبراء آخرين في التكنولوجيا الفائقة التطور بوقف البحث وتحدثوا عن “أرواح رقمية” تهدد البشرية. هل كان ذلك الأمر يهدف فقط إلى لفت الانتباه العام وجذبه إلى هذه التكنولوجيا الجديدة؟ نحن نميل إلى تصديقها، لأنه على الرغم من التحذيرات المتزايدة، لا يبدو أن هناك ما يمنع تسارع البحث، حتى الآن وسط هذه الفوضى العارمة، ولكنه موجه نحو الكأس المقدسة للذكاء الاصطناعي العام والشامل. لكن الأمر الأكثر إثارة للذهول والصدمة أكثر من غيره، كما تلاحظ آن ألومبير بوضوح، هو أن معظم الصناعات الأخرى ملزمة باحترام قواعد أمان صارمة جدا في بعض الأحيان.
يستغرق الأمر ما لا يقل عن سبع سنوات من التجارب لضمان فعالية وسلامة جُزَيْء (molécule) قبل طرح دواء جديد في السوق. والمثير للدهشة أن منتجات الذكاء الاصطناعي لا تخضع لأي مبدأ احترازي أو وقائي، ولا لأي ضمانة للجودة، ولا لأي دليل على السلامة. لماذا نُجبر على الخوف من أنهم، ربما، سيجعلون مستخدميهم أغبياء وأميين؟ لماذا لا تستند النقاشات حولها إلا إلى نبوءات غامضة؟ وهذه أسئلة جيدة، أليس كذلك؟
______________________
[1] جيل داغمانان: “سوف نفقد السيطرة”: كيف يرفع من نبرة الصوت المتشائمون من الذكاء الاصطناعي”، جريدة لوموند 18 أكتوبر، 2025.
[2] آن ألومبير، في الغباء الاصطناعي، عاليا، 2025.
